النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12235 الجمعة 7 أكتوبر 2022 الموافق 11 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:14AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444

أبجدية الغربة والوطن (1ـ2)

د. أحمد فرحات ، ناقد أدبي
رابط مختصر
لا شك أن الشعر العربي زاخر بمفرداته، ممتلك لأدواته لفنية، عبر العصور المختلفة، ولكل شاعر بصمته التي يعرف بها من خلال أعماله الإبداعية، وتكرار صيغه الفنية التي تتوزع عبر المتن الشعري المقدم، وهذه الدراسة تتوخى تلك البصمات الأسلوبية الملازمة للشاعر عبر أعماله، ملقية الضوء عليها من خلال دراسة نماذج واختيارات شعرية.
لكلمات المفتاح: البصمة الشعرية - الأسلوبية - حد أدنى
البصمة: ج بصْمات (بسكون الصاد وفتحها) وهي أثر الأصبع في شيء ما، أي علاقة ترسم على قماش أو ورق ونحوهما. فالبصمة عند الإطلاق ينصرف مدلولها غلي بصمات الأصابع وهي: الانطباعات التي تتركها الأصابع عند ملامستها سطحها مصقولاً، وهي طبق الأصل لأشكال الخطوط الحلمية التي تكسو جلد الأصابع وهي لا تتشابه إطلاقًا حتى في أصابع الشخص الواحد. ومن المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي للبصمة الأسلوبية الشعرية نؤكد أن البصمة الأسلوبية للشعراء هي مطابقة أقوالهم في القصائد وعلاماتها، فإنك تستطيع أن تقرأ شعر المتنبي ولا تخفى عليك نبرته الأسلوبية في الصيغ اللغوية والصرفية ودلالاتهما، والعبارات المتعالية الدالة، والشطحات الذاتية ذات الأنا العليا. كما أنك يمكنك بسهولة تمييز شعر شوقي عن أمل دنقل، ومسحة الحزن البادية عند عبد الصبور ونزق نزار وإيروتيكيته البادية على سطح الرقعة الشعرية. ومن هنا يمكن أن نستشعر -عند سماعنا للقصائد دون معرفة صاحبها على وجه الدقة- بصمة الشاعر ومن ثم التوجه مباشرة إلى معرفة اتجاهه الفني. فالبصمة الشعرية لشاعر ما، هي أسلوبه وخصائص قوله الشعري، لغته وأسلوبه ومضامينه معًا.. وهذه الخصائص، حين تتكرر لدى شاعر من الشعراء، وتنتقل من قصيدة لأخرى ومن ديوان لآخر، تصبح عناصر أسلوبية له، وملامح الصورة الشعرية التي تخصه هو دون سواه. من هنا كان من المهم أن يبحث لدى كل شاعر عن بصمته الخاصة في شعره. فما هي؟ ما علاماتها؟ ما إشاراتها؟ بذلك نلمس نقديًا جوهر القول الشعري لدى هذا الشاعر.
يمثل الديوان الأول للشاعر أسامة مهران باكورة أعماله، وهو في الأصل مجموعة قصائد مؤرخة في معظمها من 2010م إلى 2020م، وبعضها غير مؤرخ، ربما كتبت في سنوات سابقة، ولكن المؤرخ منها يؤرخ للثورة المصرية 2011م و 2013م، لأنه في معظمها يتناول الوطن المشحون بعاطفة النور والنار معًا.
. الديوان برمته شاهد عيان على أحداث الثورة المصرية، وهو من الأعمال القليلة التي تناولت الأحداث برؤية بعيدة عنها، قريبة منها، في آنٍ معًا، القرب والبعد لا يمنعان أبدًا من تناول التجربة بل يضيفان إليها منظورًا وطنيًا مشحونًا بحب كبير، ورغبة شديدة في الكشف عن معاناة المواطن المصري الواقع تحت استلاب الذات. ولذا جاءت أهمية الديوان في أنه يمثل قيمة تاريخية كبرى لتسجيل أحداث الثورة سوف يقف أمامها مؤرخو الأدب الثوري طويلاً. كما أنه يمثل قيمة فنية كبرى لشاعر تمرد على الاصطفاف في خندق الشعراء السبعينيين، واكتفى بدور المشاهد والمقيم لتصنيفات النقاد الجائرة، لكنه انفجر شعرًا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فبدا تمرده رضا وقناعة بالتوقيت المناسب لإعلان موهبته الشعرية الفذة.
يقدم أسامة مهران شعرًا ما برحت أطنابه تغادر أركانه الأساسية، لم ينفلت من رواسيه وثوابته، فحافظ على أوزانه الموروثة، ولم يلجأ إلى ما يسمى بقصيدة النثر، وابتكر صورًا جزئية بديعة عملت على نشوء موسيقًا داخلية تتآزر مع الصور الكلية خالقة بنية عميقة تقدم نموذجًا شعريًا جديدًا. جاء من عالم الأرقام والاقتصاد إلى عالم الذات والحلم والشعر، فأضاف إلى نصه بعدًا ثالثا يضيء به جوانبه وشعابه. أخذته أسواق المال العربية، والصحافة الاقتصادية بعيدًا عن الشعر، وعاش طويلاً وهو يحمل أجنَّة الشعر حية بين ضلوعه، فلم تبرح وجدانه يومًا ومن ثم فقد جاءت بعض العتبات النصية تنتمي إلى حقل دلالي واحد مثل حد أدنى كعتبة كبرى للديوان، وبعض العتبات الصغرى كعتبات لبعض القصائد مثل تحت الصفر، طبق الأصل، إقالة، المعادلة الصعبة، مسودة، بين قوسين..
وهي عناوين تحمل من دلالة الاقتصاد ما تحمل، وتشي بدلالة مالية جلية على مستوى العتبة الكبرى والصغرى في آنٍ واحد. وهنا يمكن أن نتأمل قوله في قصيدة تحت الصفر:
حين تدور الدوائر/‏ حين تدوس عليك الكلاب /‏ وتنهش فيك الذئاب /‏وتصبح صفرًا يتيمًا /‏على موقع في حساب / ‏تكون ككل الصغائر /‏ لا تسكن الروح فيك.
شكلت الأرقام ومفرداتها عالم النص الشعري لدى أسامة مهران فبدا شعره كأنه وثيقة رسمية ذات شحنات لغوية خاصة، وكشف حساب للذات بعد انقضاء معظم العمر في عالم الاقتصاد والمال. تمكنت هذه اللغة الخاصة في كشف ستر اللغة الشعرية، وأضافت إليها نغمة ذاتية خاصة تعزف على وتر الذات الداخلية لحنًا جديدًا متمايزًا عن أقرانه في جيل السبعينيات.
سوف يجذبك شعر أسامة مهران ويأخذ بلبك، ولا يثنيك عن المتابعة الهادئة وسط جلجلة الأمواج الهادرة من نبع الماء الداخلي للذات القلقة على ماض تليد، وحاضر غامض، وأمل المستقبل المفعم بالأنوار. يتخذ الشاعر من هدوئه معولاً لبث القلق الوجودي لوطن محفوف بالمخاطر، ويسير معك في طريق معبدة للإيمان بأن حب الأوطان منحة وليست محنة. تلتمس الثورة في ديوان (حد أدنى) وكأنك تراها ماثلة أمامك، تتابع أحداثها من خلال شاشات عملاقة في وجدان الذات الشاعرة، فينقلك من حدث إلى حدث بشغف ورهافة حس، ومن خلال موسيقا مترددة بين الجنبات صعودا وهبوطا.
يتكئ الشاعر أسامة مهران على خاصية فنية قديمة جديدة، لبث هذا القلق إلى قارئه، مع الاحتفاظ التام بهدوء رزين، إذ يعتمد على التضاد الإيجابي والسلبي معًا، لكشف الحقائق، وتوكيد الأفكار، وبعث القلق والحيرة في نفوس مطمئنة ومستقرة. ومن خلال هذا التضاد ينشأ التقابل الدلالي وهو التعارض الدلالي بعضه عن بعض، وقد يسمى تخالفًا أيضًا، كما يقصد بالتقابل أيضًا ما يظهر من مقابلة بين صورة وأخرى عن طريق مباينة إحدى الصورتين للأخرى نحو السلب أو الإيجاب، ويعمل هذا التقابل على إظهار الشكل العام للصورة التي أراد أن ينقلها. وهو أسلوب من شأنه أن يقدم التجربة الشعرية في القصيدة بصورة تعتمد على التقابل بين الألفاظ ذات السمة التي تحمل ظلالا مخالفة مع بعضها البعض. وهو أسلوب من شأنه أيضا بروز المعنى وإبرازه لدى المتلقي، كما يعمل على مشاركة المتلقي بذهنه في استنكاه دهاليز النص الادبي. وتقوم شعرية المقابلة، بشكل أساسي، على التضاد بين معنى وآخر، وكلما اشتد التضاد بينهما، ازدادت حدة المفارقة في النص. والمقابلة هي: «إيراد الكلام، ثم مقابلته مثله في المعنى واللفظ على جهة الموافقة أو المخالفة. فأما ما كان منها في المعنى فهو مقابلة الفعل بالفعل...، ويمكن أن يطلق عليها مقابلة اللفظ والمعنى» وأما ما كان منها باللفظ فهو أن يؤتى باللفظ في مقابل نقيضه مثل: كلمة أبيض وأسود، الأمانة والخيانة.
ومن أهم الذين استفادوا من الثنائيات الضدية في دراسة المعنى «كريماص»، إذ صنَّف التقابلات إلى عدّة أنواع، أولاً تقابلات محورية لا تقبل وسطاً «زوج /‏ زوجة»، ثانياً تقابلات مراتبيّة «كبير/‏ وسط /‏ صغير»، ثالثاً تقابلات متناقضة: «متزوج /‏عزب»، رابعاً تقابلات متضادة «صعد /‏ نزل»، خامساً تقابلات تبادلية «اشترى /‏ باع».
فتأمل قوله في قصيدة نيل على نيل:
كلمني أرجوك / ‏بما أفهمه من زمني /‏ وبما لا أفهمه من زمنك /‏وقتي ضاع مرارًا / ‏من قبلي /‏ من قبلك / ‏لا وقت أضيعه اليوم / ‏في صبري /‏ أو صبرك أو في غفلة صبح يأخذنا /‏لمرار آخر /‏ أو أرض أخرى /‏أو نهر آخر / ‏أو موت / ‏لا وقت نضيعه يا وطني /‏ لا وقت / ‏إن شئت قليلاً / ‏أو شئت كثيرًا /‏ أو ما شئت /‏
يتوجه الشاعر بحديثه ذي النبرة الخجلى، وهدوئه البادي على سطح الرقعة الشعرية، لمخاطب مجهول، هو أنت، أو أنا، أو قارئ ما، متوسلاً إليه (أرجوك) وهو بذلك منذ اللحظة الأولى يشتبك مع المتلقي في حوار مفهوم، أو غير مفهوم، من زمن مضى، أو زمن حاضر، أو زمن آت.. وهو في هذا يذكر الشيء ونقيضه في آن واحد، معتمدًا على فطنة القارئ في استجلاء المشهد برمته، وأن الوقت الذي يمر في غير صالح الوطن، فلا وقت له أو لك، أو لأي أحد سوى للعمل على نهوضه من كبوته، والانطلاق به نحو الأفق البعيد، فمكانة الوطن أسمى وأعلى من المهاترات، والقيل والقال. وبذلك يتكئ الشاعر على أسلوب التضاد لاستجلاء المشهد الآني. ولذا فإنك ستجد هذه الثنائيات الضدية تتمدد على مساحة الأسطر الشعرية بكثافة وعمق (أفهم /‏ لا أفهم - زمني /‏ زمنك /‏ قبلي-قبلك /‏ صبري-صبرك /‏ قليلاً - كثيرًا..)
وكذلك قوله في قصيدة المعادلة الصعبة تجد أهل الجنة في مقابل أهل النار، والليل في مقابل النهار:
في روضة أهل الجنة / ‏أتعامل كبقية أهل النار/ ‏في مطلع ليل متقع / ‏في ظل نهار
«فمع التقابل يمكن أن يحدث تفاعل وامتزاج.. أمَّا المواقف المتضادة فمن النادر أن تكون مواقف شعرية صالحة للنمو، وذلك لما يتضح للمتأمل من أنّ جذور الموقفين المتقابلين واحدة في العمق، على حين أن (التضاد) ترفض فيه العناصر بعضها بعضًا، كما يرفض الجسد الأعضاء الغريبة عنه».

أبجدية الوطن عند أسامة مهران
هو ذاك أسامة مهران سرك حب الوطن بدنه، وأضناه محبة، وذابت في ثراه روحه، فلا هو بالقابض على جمر هواه، ولا المفرط في ثراه. أتابعه منذ الوهلة الأولى لنشر ديوانه الأول فأيقنت أن وراء هذا النائي الداني قصة عشق لتراب الوطن، فلم تشغله همومه عن متابعة أحداثه، ولم تنل عظامه من مائه إلا النزر اليسير، استلبته الغربة، وأخذت به بعيدًا عن الانغماس في قضاياه، وأحداثه، لكنه ظل مرتبطا بحشاشات الهوى المصري.
كتب أسامة مهران للوطن قصائد مباشرة، وأخرى غير مباشرة، وفي كلٍ تجد روحًا بلا جسد، روحًا هائمة في حنايا ضلوع الوطن، وجسدًا نائيًا عنه. ولذا سوف يمر عليه مرار كرام، لن يستجدي محبته، ولن ينشد منه إحسانًا..

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها