النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

مرجعاً للفكر السياسي ومصدراً للتربية الوطنية

«خطاب» يواكب الميثاق والدستور... برؤية أشمل للإصلاح

رابط مختصر
العدد 11144 الأحد 13 أكتوبر 2019 الموافق 14 صفر 1440
تبادر دارة الأنصاري للفكر والثقافة «تحت التأسيس»*، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف»، التي تحمل «قراءة للحاضر من ماض قريب»، وذلك بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري. الدارة هي نواة لمعلم فكري /‏ أدبي /‏ ثقافي للحفاظ على إنتاج الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية لتكون متاحة للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثراءها، ومن المؤمل أن تكون مظلة لعدد من النشاطات والفعاليات التي اهتم بها الدكتور الأنصاري وركز عليها، طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي وتحليل أسباب أفولها برؤية نقدية وواقعية لإعادة إحيائها، وبمقاربة علمية وموضوعية.



ماذا حدث ويحدث في البحرين؟
سؤال ما زال موضع الاهتمام داخل مملكة البحرين وخارجها..
ولن يستطيع أي مؤرخ أو باحث سياسي تقديم الإجابة الكاملة والوافية على هذا السؤال – بعد دراسة الميثاق والدستور – إلا بالرجوع إلى الخطب والكلمات السامية في ترتيبها الزمني، مع نبض الأحداث المتتالية، ليرى كيف تجلت يومًا بعد آخر، وخطوة بعد أخرى، علائم المشروع الوطني الإصلاحي الشامل للعاهل المفدى، صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، منذ أن كان بذرة واعدة في ضميره، متفاعلة مع تطلعات الشعب وطموح الوطن، إلى أن أصبح بعد الاستفتاء الشعبي على الميثاق، بما يقارب الاجماع الوطني، مشروعًا متكاملًا منذ بدء الانطلاقة، فاتحًا الأفق الرحب اليوم للمشاركة الشعبية المباشرة من خلال الانتخابات البلدية والبرلمانية، تفعيلاً للحياة الدستورية والديمقراطية المتنامية، في ظل ملكية دستورية حامية للحقوق والحريات، وذات أفق مفتوح لمزيد من التطوير، حسب الآليات الدستورية، ووفق الإرادة الوطنية، كما عبر عن ذلك الملك القائد يوم إعلانه إعادة تفعيل الدستور كاملًا وإقامة مؤسسات المملكة الدستورية كما تم التوافق عليه في ميثاق العمل الوطني.
وإذا كان الميثاق والدستور المعدل يتضمنان، أساسًا، البعد السياسي لهذا المشروع الإصلاحي الشامل، فإن هذه الخطب والكلمات في مجموعها تطرح الأبعاد الأخرى للمشروع في شموليته.. ولا بد للباحث المدقق أن يتوقف عند هذه الأبعاد مجتمعة وينظر إليها برؤية تكاملية.
ومع أن البعد السياسي للمشروع، كما تمثل مجملاً في الميثاق، ثم مفصلاً في الدستور، غني وجديد بطرحه نظام المجلسين من منطق التجارب الديمقراطية المتطورة في العالم، فإن الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمشروع لا تقل أهمية عن ذلك، وهي تحمل توجهات جديدة لا سابق لها في تاريخ البحرين على عراقته وريادته:
• فعلى صعيد البعد الاجتماعي مثلت المبادرات غير المسبوقة للمليك القائد تجاه الطبقات المحدودة الدخل من أبناء شعبه في نطاق الإسكان، وفي نطاق التعليم الجامعي، وغير ذلك من المبادرات الاجتماعية التأسيسية، كالمجلس الأعلى للمرأة، التي مثلت رؤية اجتماعية ومنطلقًا لبرنامج بعيد الأمد، سيواكب البعد السياسي الديمقراطي، ويوفر أرضيته الصلبة، باعتبار أن تحقيق الاستقرار المجتمعي من أهم الضمانات الموضوعية لنمو الديمقراطية على المدى الطويل.
• أما على الصعيد الاقتصادي فكان توجه جلالته منذ البدء، نحو توفير المقومات للاقتصاد الوطني بجذب الاستثمارات والمشاريع الكبرى عن طريق تطوير القوانين أمام المستثمرين من خارج البلاد – وذلك ما أصبح سمة عامة في معظم بلدان المنطقة بعد المبادرة البحرينية – حيث كان الهدف إنعاش الاقتصاد الوطني وتحريره من قيود الروتين والفساد والبيروقراطية، وتوسعة نطاق حريته في عصر التجارة الدولية، ليعم الرخاء على أوسع القطاعات الشعبية وتتوفر فرص العمل لكل بحريني قادر عليه، فيتضافر هذا البعد الاقتصادي مع البعد الاجتماعي الهادف لرفع مستوى المعيشة، ويلتقي البعدان مع البعد السياسي لرفد المسيرة الديمقراطية.
• ويمثل البعد الثقافي لهذا المشروع الإصلاحي الشامل أكثر هذه الأبعاد عمقًا وتجذيرًا وتطويرًا، حيث لم يسبق لأية اطروحات ثقافية وتربوية ودينية في تاريخ المنطقة أن مست هذه الأعماق في التكوين الثقافي للبحرين، أو فتحت هذه الآفاق الجديدة نحو ارتقائها واكتمالها، ويستطيع المتمعن في تجليات هذا «الخطاب» الملكي أن يتلمس التوجهات والتوجيهات التالية:
1- اعتبار مختلف الاتجاهات السياسية في تاريخ البلاد جزءًا من تاريخها الوطني الواحد حيث ناضل الجميع من أجل استقلال البحرين ودفاعًا عن كيانها في وجه الهيمنة الأجنبية أيًا كان مصدرها. وقد مثلت هذه البادرة الفكرية الجريئة والمخلصة ردًا لاعتبار القادة الوطنيين والمصلحيين الاجتماعيين، ومن هذا المنطلق جاء الأمر الملكي بإطلاق أسماء، بعضهم، على شوارع البلاد، تكريمًا لهم، وتوحيدًا للضمير الوطني البحريني في رؤيته التاريخية ونضاله الموحد، قيادةً وشعبًا، ضد الاستعمار والهيمنة والمطالب الخارجية غير المشروعة.
2- التوجيه بتدريس مختلف المذاهب والاجتهادات الإسلامية في مدارس البلاد ومعاهدها العليا، باعتبارها تعبيرًا متنوعًا ومتكاملاً عن الحقيقة الاسلامية والوطنية الواحدة، تشجيعًا للتحاور والتقارب، وإزالة للفرقة والتباعد، وبما يؤكد شخصية البحرين الحضارية السمحة، ليس في تعايش مختلف مذاهبها الإسلامية الكريمة فحسب، وإنما في تعايش كافة المعتقدات والأفكار والحضارات الانسانية على أرخبيلها المتميز المنفتح، في ظل كيانها الملكي المتحضر عبر العصور.
3- المضي في تطوير المشروع التربوي البحريني العريق بالغوص في عناصر التقدم في تراثنا العربي الإسلامي مع اللحاق المتسارع بمستجدات القرن الحادي والعشرين على الصعيد الإنساني، واستيعاب ثقافة العلم والتكنولوجيا لمواجهة تحديات العصر، وتلبية احتياجات السوق على الصعيد الوطني.
هذا هو اختصار مكثف لمعالم هذا «الخطاب» الجديد على مستوى القيادة في البحرين، لن يغني عن قراءة متأنية لكل خطبة وكلمة لرجل يعني ما يقول، فنهجه قول وفعل، كما لمس ذلك كل مواطن بحريني، وكل مراقب للشأن البحريني.
وفوق هذا، هو رجل يدقق في اختيار كل كلمة، بعد أن يعطي كل فكرة حقها من التأسيس والتطوير والإنضاج، مفكرًا مع رجاله بصوت مسموع، وقلب مفتوح، وتواضع جم لا يتأتى إلا للصفوة من القادة المؤمنين بالحوار الديمقراطي.
وقد استمع إليه، متحدثًا عفويًا الكثيرون من أبناء شعبه في مختلف المناسبات والمشاورات والمحاورات، وتبينوا قدرته على النفاذ إلى «القلوب والعقول»، بمكاشفة ومصارحة وشفافية، استطاعوا بأنفسهم سبرها والحكم عليها، بما يتعدى الكلمة المكتوبة.. فالأسلوب هو الرجل متحدثًا أو ملقيًا.
فهذه الخطب والكلمات هي نموذج للخطاب السياسي «المتميز» و«المكمل» لميثاق العمل الوطني ودستورها، وتأتي متجاوزة لدورها كخطب «مناسبات» كما تعارفنا عليه في خطابنا العربي التقليدي، فهي «صنع» لأحداث، حيث بين خطاب وآخر، كان يصنع تاريخ جديد لوطن التاريخ والحضارة.. مملكة البحرين، فتلتقي الكلمة بالفعل، صدقًا وأمانة، مثلما نتمنى أن يصبح خطابنا العربي الجديد.
وتمثل هذه المجموعة المتكاملة من الخطب والكلمات (1999-2002) مصدرًا من مصادر فهم المشروع الوطني الاصلاحي في تصاعده وفي مختلف أبعاده، بتقديمها رؤية أشمل وتاريخًا بيانيًا أوضح، بشرط التمعن فيها قراءة وفهمًا وتحليلًا في سياق الدستور المعدل وميثاق العمل الوطني.
وإذ يتجه هذا المشروع في الأساس إلى إصلاح «البيت البحريني» وتطويره من الداخل، ليصبح نموذجًا لذاته فحسب، إلا إنه يأتي مع ذلك، في زمن عربي تتنادى فيه القيادات العربية وشعوبها إلى اصلاحات مماثلة حسب الظروف في كل قطر عربي، ليسهم الجميع، بنهوضهم، في إصلاح «البيت العربي» الكبير بما يتدارك الفراغ الحاصل في المنطقة، ويسد الذرائع في وجه الأخطار المحدقة، ليبدأ عصر عربي جديد طال انتظاره.
وكما وعد الملك القائد «حمد بن عيسى» بأيامنا الأجمل، فلنتشارك في صنعها والحفاظ عليها معًا.. عملاً وفكرًا.

*دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية (تحت التأسيس) بمبادرة من عائلته، وبالتزامن مع استعدادات هيئة الثقافة والآثار بإقامة حفل خاص لتكريم د. الأنصاري في العاشر من ديسمبر 2019، بمناسبة مرور 50 عامًا على تأسيس أسرة الأدباء والكتاب الذي تولى تأسيسها مع مجموعة من الرواد في مجال الأدب والثقافة، تأتي المقالة «بتصرف» من مقدمة لمجموعة الكلمات والخطابات السامية للعاهل المفدى للفترة ما بين 1999-2002.
المصدر: بقلم أ. د. محمد جابر الانصاري 

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها