النسخة الورقية
العدد 11117 الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

من قديم الأنصاري المتجدد..

في ذكرى 11 من سبتمبر لتجاوز «ثقافة الخداع».. أوقفوا الإرهاب ضد الحقيقة.. أولاً

رابط مختصر
العدد 11112 الأربعاء 11 سبتمبر 2019 الموافق 12 محرم 1440
تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة «تحت التأسيس»*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف»، التي تحمل «قراءة للحاضر من ماض قريب». الدارة هي نواة لمعلم فكري /‏ أدبي /‏ ثقافي للحفاظ على إنتاج الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية لتكون متاحة للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثراءها، ومن المؤمل أن تكون مظلة لعدد من النشاطات والفعاليات التي اهتم بها الدكتور الأنصاري وركز عليها، طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي وتحليل أسباب أفولها برؤية نقدية وواقعية لإعادة إحيائها، وبمقاربة علمية وموضوعية.

بقلم أ. د. محمد جابر الانصاري

كي لا يتحول الحادي عشر من سبتمبر إلى مناحة سنوية ومناسبة لبعث الأحقاد وتبادل الاتهامات بين الغرب والعالم الإسلامي، لا بد من وقفة شجاعة من الجانبين حيال فظاعته وبشاعته، وكذلك حيال فظاعة وبشاعة الأسباب والجذور العميقة التي يتحمل الغرب وزرها - وخاصة تجاه فلسطين - رافضًا بتأثير «ثقافة الخداع» التي يمارسها إعلامه وساسته، حتى «مجرد» النظر في وجاهتها وأهميتها!
غير أن «ثقافة الخداع» التي تعمي الغرب عن رؤية الحقيقة العربية الإسلامية، تمثل في صورة أخرى عبئًا أكبر وأخطر على عقول العرب والمسلمين.
فبداية «قل الحق ولو على نفسك»، ولابد الإقرار والاعتراف أن الثقافة السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية - إعلامًا وسياسة واجتماعًا وتربية - تشتمل على قدر كبير من التزوير والغش الذي يدخل في مفهوم «ثقافة الخداع»، إنها هنا مخادعة أخطر للنفس بشأن الذات وبشأن العالم الآخر، وهي سائدة في الخطاب المسيطر بين الحاكم والمحكوم، ورئيس ومرؤوس، وواعظ وموعوظ، ورجل وامرأة، وأب وابن، ومعلم ودارس، وكاتب وقارئ، وهي، أي تلك الثقافة، تتجاوز مخادعة الذات إلى تضليلها بشأن «حقيقة الآخر» و«الخصم»، وخاصة فيما يتعلق بفهمنا المضلل لحقيقة الحضارة والقوة الغربية.
هذا ما ينبغي أن يعترف به في البداية، ثم نقف عنده كل يوم، فالظن لا يغني عن الحق شيئا، وما «ثقافة الخداع» إلا ظنًا لا يضلل إلا أصحابه وحدهم.
ولكن الأدعى للعجب والانتقاد أن تقع المجتمعات الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعتبر متقدمة معرفيًا وعقليًا ونقديًا، في أسر «ثقافة الخداع» بشأن ما يشكل ربع جغرافيا البشرية، وهو العالم الإسلامي.
فعلى تعدد أبعاد المواجهة بين الغرب والإسلام، فإن المسكوت عنه والممنوع في الخطاب الأمريكي، بالذات من الحقائق الحاسمة بشأن العرب والمسلمين يمثل جوهر الخلل في محاولات التفاهم بين الجانبين. فالممنوع والمسكوت عنه ليس بالضرورة جهلاً به، وإنما تخوفًا من انتقام الهيمنة على العقل الأمريكي المنحاز بشكل ظالم لأية سياسة إسرائيلية، وإن خرجت إسرائيل على كل حدود العالم المتحضر وعلى المعايير الامريكية ذاتها، من أجل مصالح ضيقة بطبيعة الحال. ولكن الأخطر من ضيق المصالح أن الغرب مازال يتهرّب من رؤية الحقيقة الإسلامية ويرفض رؤيتها إلا مشوّهة ومزورة، وهذه الإعاقة المعرفية يمكن أن تهدد مصالحه وترتد عليه ذاته، كما ارتدت عليه يوم 11 سبتمبر.
ومن أبرز هذه الحقائق المغيبة في الخطاب الغربي، إن العالم الإسلامي أخذ يتعرض منذ بدء الحداثة الأوروبية عبر ثلاثة قرون، لضغط القوى الاستعماري، مما أدى إلى تصفية كيانين سياسيين، وهما الكيان العثماني وكيان السلطة الإسلامية في الهند، واحتلت الجيوش الأوروبية تدريجًا أهم عواصم الحضارة الإسلامية شرقًا وغربًا، انتهاءً بسقوط اسطنبول وتصفية الخلافة الإسلامية، بكل ما تضمنته من جرح وإحباط في وجدان المسلمين.
إلا أن كل هذه الاجتياحات الغربية واجهتها المجتمعات الإسلامية بوسائل المقاومة الوطنية المعتادة في العالم كله، ورغم معاناة المسلمين تحت الحكم الأجنبي وثقافته، فإن المقاومة لم تتحول قط إلى ما يمكن اعتباره «ظواهر إرهابية» أو «انتحارية» كما دفعت إلى ذلك، وتورّطت فيه، عناصر من مجتمعات إسلامية في وقتنا هذا.
ذلك إن الإسلام، كغيره من الأديان والثقافات، وإن شرع الدفاع عن النفس والمبدأ والوطن، وأعلى من شأن من يضحي في هذا السبيل المشروع، إلا أنه أظهر احتراما عاليا للحياة وحقوق الإنسان فيها، وحرم الانتحار، ولم يبح للمنتحر شعائر الدفن الإسلامية، وأكد القرآن منذ البدء تقدير الإسلام للحياة الإنسانية في آيات جلية: «ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة»، و«من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا» محددًا تحديدًا دقيقًا مسؤولية كل إنسان بمفرده «ولا تزر وازرة وزر أخرى».
على صعيد آخر، كان معظم مفكري النهضة والتجديد في الإسلام دعاة للانفتاح على التقدم الحضاري في الغرب، من شيوخ الأزهر والنجف إلى عمداء الجامعات العربية، رغم وطأة الاستعمار الأوروبي الذي كانت الولايات المتحدة أول من ثار عليه، وأعطى للشعوب المحتلة نموذجًا وقدوة.
وفيما يتعلق بموقف العرب والمسلمين حيال الولايات المتحدة بالذات، فقد ظل قادتهم البارزون إلى منتصف القرن العشرين من الملك عبدالعزيز آل سعود، إلى الرئيس جمال عبدالناصر - على ما بينهما من فوارق سياسية وفكرية - يميزون بين السياسات الأوروبية، والسياسة الأمريكية التي اعتبروها حينئذ مستقلة وأقرب للموضوعية والرغبة في التعامل المتكافئ، وبقيت مبادئ الثورة الأمريكية وقيمها الدستورية والديموقراطية مصدر إلهام للكثيرين في العالم الإسلامي.
وهنا لا بد للعالم الغربي، أن يواجه حقيقة تاريخية معاصرة، وهي أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قد عملت على تخريب هذا الرصيد من العلاقات والصداقة والإعجاب الفكري والحضاري لدى العرب حيال الولايات المتحدة وأوروبا. وثمة دلائل بدأت مؤخرًا تظهر على السطح، تؤكدها بعض التقارير الغربية، بما يشير إلى وقوف إسرائيل وراء الوقيعة بين العرب والأمريكيين، وعلى من يهمه الأمر التنبه إلى ذلك لاستمرار هذا النهج الاسرائيلي.
وإذ ابتغت اسرائيل من ذلك حجب التفهم السياسي الغربي لقضية الشعب الفلسطيني، والاستئثار بالتعاطف الغربي، ومساندة قواه المدنية، وكسب سلطاته السياسية، والسيطرة على ماكينته الإعلامية، فإن النتيجة التاريخية، كما نشهد، مؤسفة باتساع الفجوة بين المجتمعات الإسلامية من ناحية، وقيم ومنجزات الحضارة الغربية من ناحية أخرى، وذلك ما يدفع الغرب ثمنه بشكل باهظ اليوم، وليس العرب المسلمين فحسب، الذين يراد ابقاؤهم بهذه السياسات في حالة تخلف وضعف، ولا ننكر مسئوليتهم التاريخية - هم أيضًا - في استمرار هذا الوضع.
فلا مهرب من الإقرار والاعتراف إن الأفراد المنتمين إلى الإسلام، والمتهمين في أمريكا والغرب بارتكاب الهجمات الفظيعة يوم 11 سبتمبر، هم بالدرجة الأولى تكوينا وثقافة، ضحايا تلك الهوة الرهيبة التي أقيمت بين الإسلام وأمريكا منذ عقود من الزمن، نعم.. لا مهرب من مواجهة هذه الحقيقة بكل أبعادها، إذا أرادت أمريكا حماية نفسها من أجيال أخرى من الانتحاريين!
وللحقيقة التاريخية أيضًا، فإن أبرز حدث إرهابي ضد المدنيين والأبرياء قد وقع في الشرق الأوسط على يد «مناحيم بيغن» أحد زعماء «الهاغاناه»، باعتراف من السلطات القضائية البريطانية، وملاحقته قضائيًا في ذلك الوقت. و«مناحيم بيغن» الزعيم التاريخي لليكود، بحكم الواقع التاريخي والأسبقية الزمنية، هو من رواد الإرهاب في الشرق الأوسط، ويتساءل المرء هنا.. إن كان «أسامة بن لادن» سيحصل على جائزة نوبل للسلام كما حصل عليها مناحيم بيغن فيما بعد!
وأجيال الإرهابيين الذين تتردد أسماؤهم وصورهم في وقتنا الحاضر، هم بحكم التراكم السببي التاريخي في معظم مجتمعات الشرق الأوسط من سلالة أشخاص مثل «مناحم بيغن»، وإلا فلماذا لم يفرز العالم الإسلامي إرهابيّيه وبهذا العدد، قبل ذلك التاريخ؟ فلكل فعل.. ردة فعل!
ثم يبقى في نهاية هذا التحليل الوجيز، وكمهتم بالتفاعل الفكري بين الإسلام والعالم المعاصر، وخاصة مع الغرب، أن أطرح الأسئلة الثلاث التالية:
السؤال الأول: لقد أظهر الغربيون تقدمهم الحضاري، وخاصة الأمريكيون منهم، مقدرة هائلة على التسامح مع العقائد والثقافات الأخرى. فعلى امتداد العصور الحديثة، تصالحت أولاً، «البروتستانية» الثائرة مع «الكاثوليكية»، ثم تصالحت «المسيحية» مع «اليهودية»، التي لم تنعم بالتسامح من قبل، إلا في ظل الإسلام، ثم تصالح الغرب بتراثه «المسيحي واليهودي» مع «عقائد الشرق البعيد»، كالبوذية والهندوسية الخ..، وكان كل ذلك إنجازًا متقدمًا في تاريخ البشرية.
فمتى تجتاز المسيرة الغربية امتحانها الأصعب ومحكها الحقيقي في التعايش والتسامح، فتتصالح مع الإسلام؟
لماذا تأجلت هذه المصالحة التي يحتّمها منطق التقدم الفكري والحضاري في الغرب؟ ومن يقف وراء تخريب هذه المصالحة؟ وعلينا ألا ننتظر مجتمعات منهكة، ومتعبة، وبعضها محتل بأن تبادر هي إلى مثل هذه المصالحة التاريخية المؤجلة.. كالمجتمعات الإسلامية. فلابد أن تأتي المبادرة من القوي المتقدم أولاً.
فهل يتجاوز الغرب ذاته، كما تجاوزها مع اليهودية وعقائد الشرق الأقصى، فيتصالح مع الإسلام؟
ذلك سؤال بحجم مستقبل العالم صراعًا أو وئامًا.. وجوابه بيد القوى الفاعلة في الولايات المتحدة.
سؤالنا الثاني: ما تفسير الرفض الغربي المطلق للبحث عن أسباب وجذور الإرهاب المنسوب إلى عناصر إسلامية؟ لقد قامت حضارة الغرب على مبدأ السببية. فلكل شيء سبب محدد. حتى نزعات اللاوعي واللامعقول في باطن النفس البشرية لها أسبابها «العقلانية» المحددة في العلوم الغربية.
فلماذا التهرب من بحث أسباب الإرهاب في العالم الإسلامي، وخاصة في فلسطين المحتلة؟ هذه إشكالية أخرى لابد من مواجهتها إذا كنا لا نريد إلغاء السببية من منطق العالم والعصر، لمنطق جماعات الضغط وغرائز اللامعقول في التسلط. إن رفض السببية هي تدمير لعقلانية العصر الحديث والعالم المتحضر بأكمله.
أما السؤال الأخير: لماذا يحق لجميع شعوب العالم بما فيهم الإسرائيليون، إقامة دولتهم المستقلة.. إلا الفلسطينيون؟ أليس الفلسطينيون بشرًا يشملهم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟
هل من جواب لدى أصدقائنا وحلفائنا في الغرب؟ وإذا كانوا قد سلموا مؤخرًا بذلك نظريا، فإن سؤال غولدامايير: أين الفلسطينيون.. إني لا أراهم؟ ما زال سيد الموقف! ومن المؤسف أن أحفادها رأوا أحفادهم في النفق الدموي بعيدًا عن المنطق الإنساني الحتمي للتعايش المتسامح والتقارب المتمدن بين الحضارات والأديان...


* دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية (تحت التأسيس) بمبادرة من عائلته، وبالتزامن مع استعدادات هيئة الثقافة والآثار بإقامة حفل خاص لتكريم د. الأنصاري في العاشر من ديسمبر 2019، بمناسبة مرور 50 عامًا على تأسيس أسرة الأدباء والكتاب الذي تولى تأسيسها مع مجموعــة من الرواد في مجال الأدب والثقافة، وسبــق أن نشرت هذه المقالة في 15 سبتمبر 2002 في جريدة الحــياة، بــعد تقديمها كورقة عمل في ندوة أصيلة.

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها