النسخة الورقية
العدد 11176 الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

من قديم الأنصاري المتجدد

المستفيدون من إغلاق المضيق

رابط مختصر
العدد 11084 الأربعاء 14 أغسطس 2019 الموافق 13 ذو الحجة 1440
تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة» (تحت التأسيس)*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، بإعادة نشر بعض من مقالاته، التي تحمل «قراءة للحاضر من ماض قريب»، وبتوقيت مرتبط بما تفرضه القضايا والمستجدات والمناسبات المحلية والإقليمية، ويأتي هذا المقال «المستفيدون من إغلاق المضيق»، في ظل التعنت المستمر لإيران وإصرارها على عرقلة حرية الملاحة البحرية في الخليج العربي، ومبادرتها الاستفزازية الأخيرة تجاه المواقف والمساعي الدولية لاحتواء أضرار المواقف والتصرفات الإيرانية على أمن واستقرار المنطقة. الدارة التي ستحمل اسم الأنصاري هي نواة لمعلم فكري/‏‏ أدبي/‏‏ ثقافي للحفاظ على إنتاجه وأعماله الفكرية والأدبية لتكون متاحة للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثرائها، ومن المؤمل أن تكون مظلة لعدد من النشاطات والفعاليات التي يهتم بها الدكتور الأنصاري الذي جاهد، طوال مسيرته العلمية، لنشر الفكر المستنير للحضارة الإسلامية والتراث العربي وطرح قضايا الأمة العربية برؤية علمية وموضوعية.


بقلم د. محمد جابر الأنصاري
في كل أزمة عالمية، وخلف كواليسها بالذات، هناك مستفيدون حقيقيون يبقون في الظل ولا يربطون أنفسهم بالأزمة، بل ويتبرؤون منها، ويحذرون من وقوعها، ويسيرون في موكب الذين يسعون لإطفائها.. لكنهم في حقيقة الأمر يعدون الساعات والدقائق، بانتظار وقوعها حتى يحققوا لأنفسهم، بهدوء وصمت، المكاسب التي يخططون لها من وراء الأزمة..
اغلاق قناة السويس مثلا، بعد حرب 5 يونيو 1967 أفاد جهات وأطرافًا لم يفكر بها أحد في ذروة احتدام الصراع العربي الاسرائيلي.. وفي مقدمتها، شركات الناقلات الضخمة من عابرات المحيطات كانت أول المستفيدين من إغلاق القناة بسبب تزايد الطلب عليها لنقل البضائع بين الشرق والغرب عبر الرجاء الصالح..
الشركات اليابانية والكورية وعموم المصالح التجارية في الشرق الأقصى وجدت الفرصة سانحة لزيادة صادراتها إلى أسواق الخليج والشرق العربي كله، وضرب الصادرات الأوروبية والأمريكية إلى هذه المنطقة، بعد أن أصبحت أكثر كلفة بسبب إغلاق طريقها القصير والسريع عبر القناة.
وإذا أراد مؤرخ التاريخ أن يوثق بداية التفوق التجاري الياباني والآسيوي على المصالح الغربية في الشرق العربي، فإن تاريخ اغلاق القناة في يونيو 1967 سيكون العلامة المؤشرة لذلك التفوق.
وعلى وجه التحديد؛ فإن الاقتصاد البريطاني تلقى أقسى الضربات خلال تلك الفترة لدرجة أن الحكومة البريطانية قررت عام 1969 الانسحاب من الخليج والجنوب العربي تفاديا للنفقات الباهظة، بعد أن وجدت أن اليابانيين أكثر استفادة من البريطانيين في أسواق المنطقة.
وعلى العموم، فإن مصالح تجارية مختلفة في الشرق والغرب انتهزت فرصة إغلاق القناة لتزيد من أسعار منتوجاتها وبضائعها سواء أثر الإغلاق عليها أم لم يؤثر.. والمهم أن المحصلة النهائية لإغلاق القناة قد صبت في صالح كل تلك الجهات الواقفة في الظل دون أن تحقق الفائدة المرجوة منها من وجهة النظر العربية!
وبالمثل فإن هناك مستفيدين محتملين يقفون (اليوم) في الظل بانتظار اغلاق مضيق «هرمز» ليحققوا مكاسبهم التي تأتي تلقائيا من جراء إغلاق المضيق وتعطيل الملاحة فيه. وأول المستفيدين من ذلك هم شركات النفط الغربية التي ستجد الطلب العالمي في غاية الارتفاع على نفطها بعد انقطاع امدادات النفط من الخليج، وبالتالي زيادة الطلب على غيره من النفط وبأسعار مرتفعة.
ولأن العالم سيصاب بشحٍّ نفطي جديد، فإن الغرب سيعوض هذا النقص وستملأ خزانات الاحتياط النفطي بأقصى ما تستطيع انتهازا لهذه الفرصة الذهبية التي ستنعش اقتصادهم على حساب الدول المصدرة للنفط في الخليج!
ومن أطرف وأغرب ما يلاحظ بأن بعض الدول الغربية تظل تحافظ على علاقاتها وصِلاتها بإيران، في هدوء ومن وراء الكواليس، وتبقى تعاملاتها المصرفية والتجارية قائمة مع إيران، مع مواصلة إبداء بعض التضامن مع حلفائهم في المنطقة ضد إغلاق المضيق، في حين أن العكس هو الصحيح، إذ سيؤدي إغلاقه كما جاء في سالف الذكر، إلى إحياء أسواق النفط الأخرى لتكون أهم مصادر الطاقة في العالم خلال فترة الاغلاق!
ويطلق عدد من المراقبين «سؤالاً افتراضيًا»، هل سيلتزم اللاعبون الكبار بإبقاء المضيق مفتوحا أم ستدفع من طرف خفي لتشجيع الاتجاه المتطرف الداعي لإغلاقه؟؟ وهم على فكرة يطرحون هذا الافتراض الاستفهامي من باب «إن كل شيء جائز في عرف المصالح التجارية والسياسية».

****
إن الشركات الغربية التي تتعاطى بتصدير وتسويق وتكرير نفط الدول المستفيدة من إغلاق المضيق، ستحقق قفزة في أرباحها وستعوض ما تعانيه من كساد، كما أن البنوك الغربية التي أقرضت الدول المصدرة للنفط من خارج المنطقة، يمكن أن تتلقى هبة ريح مواتية تخفف بعضًا من أزمتها المالية.
أضف إلى ذلك أن اليابان ستتلقى ضربة قاسية إذا تم إغلاق المضيق سواء من ناحية وارداتها النفطية الآتية من الخليج، أو من ناحية صادراتها التجارية إليه.. وهذا يعني أزمة ولو مؤقتة للاقتصاد الياباني لبعض الوقت.. ووجود مصالح غربية تنتظر الاستفادة من ذلك، وإن أعلنت رسميا معارضتها لوقف الملاحة في المضيق.
هذه مجرد إشارات إلى من سيستفيدون تجاريا واقتصاديا من أزمة مضيق «هرمز» إن حدثت، لا سمح الله.. والمصالح التجارية والاقتصادية وراءها قوى سياسية بطبيعة الحال.. وهذا بحث آخر.
والجدير بالذكر أن روسيا ستكون أيضا من المستفيدين تجاريا وسياسيا من الأزمة. فمن الناحية التجارية ستنتعش صادرات النفط الروسية للمشاركة مع النفط الغربي في تعويض تأثر التدفقات النفطية القادمة من الخليج.
ومن الناحية السياسية، سيتقدم الروس خطوتين مقابل كل خطوة يخطوها الغرب في منطقة الأزمة، وخصوصا المواقف الأمريكية وتواجدها العسكري في المنطقة، الذي سيزيد من الانتشار والحماس الروسي في المناطق القريبة للمضيق.
وكما لم تستفد مصر من إغلاق قناة السويس عام 1967، رغم تصورها بأن ذلك يمكن أن يكون سلاحا ضاغطا لصالحها.. فإن إيران (اليوم) لا يبدو أنها مرشحة في الواقع للاستفادة من إغلاق المضيق.. لأنه سيعني انقطاع صادراتها ووارداتها بشكل عام وخصوصًا الغذاء والمعدات، وبالتالي اعتمادها الكلي على طرق التجارة البرية عبر روسيا وباكستان وتركيا بما لا يفيد موقفها.
ورغم إن التوقعات لا ترجح، في حال غلقه، أن يبقى مغلقا أكثر من اسبوعين، فإنه يجب التحسب لمثل هذا التوقع التبسيطي المتفائل بقصر مدة الغلق.. لأن المضاعفات والتفاعلات ممكن أن تعرقل فتحه لشهور أو أكثر.. ويجب ألا ننسى أن قناة السويس ظلت مغلقة حوالي ثماني سنوات إلى أن أعادت فتحها مصر وبثمن باهظ سياسي، وعسكري، ومالي.
إن الذين يفكرون في إغلاق المضيق عليهم التأكد إن كان ذلك يفيدهم.. أم يفيد من ذكرنا بأعلاه من أطراف وشبكة مصالحهم التجارية والسياسية.
*دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية (تحت التأسيس) تأتي بمبادرة كريمة من زوجته ورفيقة دربه، السيدة عائشة أحمد التميمي. المقـال «بتصرف» وسبــق نشره في الثمانينيات في جريدة (الرياض)، وفي ظــل ظـروف تتكرر كما كانت في الماضي القريب.

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها