النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11795 السبت 24 يوليو 2021 الموافق 14 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:30AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:29PM
  • العشاء
    7:59PM

دارة «الأنصاري للفكر والثقافة» بالتعاون مع صحيفة «الأيام» تنشر فصول كتاب أحاديث الوعي الوطني لجلالة الملك

العدد 11754 الأحد 13 يونيو 2021 الموافق 3 ذو القعدة 1442

الحديث الرابع والأخير: يدًا بيد.. لانطلاقة متجددة

رابط مختصر

لقد تطلبت انطلاقة المشروع الإصلاحي وعيًا وطنيًا يرشد مسيرته وفهمًا عميقًا لمحاوره، وعلى وجه التحديد، ما حمله المشروع من تصورات عميقة لبرنامج العمل السياسي الذي وُضعت تصوراته، تحضيرًا وتمهيدًا، لبدء مرحلة تشريعية انطلقت في 25 نوفمبر من العام 2006، تستند إلى المعمار الدستوري المتجدد الذي تم التوافق على منطلقاته في الاستفتاء الشعبي البحريني على «ميثاق العمل الوطني».
وتخليدًا لتلك الانطلاقة، توجه صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، المتمرس في القراءة السياسية، بسلسلة من الأحاديث في الوعي الوطني، إلى أبناء شعبه ليلقي الضوء على تجربته الشخصية وتفاعلها مع تجربة البحرين التاريخية والوطنية، ومعايشته العميقة للسعي المخلص لأهل البحرين من أجل التقدم والاستقلال. فجاءت هذه الأحاديث برؤية ملكية رحبة محملة بآمال الغد الأجمل لوطن يحتضن أحلام شعبه من أجل مستقبل منفتح على كافة خيارات التوافق الوطني، وبشكل لم يتضح كاملاً للعيان من قبل، وبما يجسد دور القائد في الأمة، وأثر الأمة في تكوين القائد.
دارة الأنصاري للفكر والثقافة


المسيرة مستمرة بحمد الله دون توقف، فصول تشريعية تتوالى، بإنجازاتها وتجاربها وتطلعاتها للتطوير. ورئات الوطن في حالة تنفس صحي متصل، فالدستور ومؤسساته في حالة تفعيل دائم.. ذلك ما تمنيناه للبحرين وشعبها، وما أثبت هذا الشعب الواعي أنه جدير به.. وذلك كان الهدف من المعمار الدستوري المتجدد الذي أقمناه من وحي ميثاقنا الوطني ليكون بمثابة صمام أمان، ولمزيد من الاستمرار ومن الإضاءة والشفافية والهواء الطلق.. هذا الهواء الطلق الذي لن يتوقف بحول الله، بل ستزداد نفحاته المنعشة، حاملة الخير والرخاء إلى كل بحريني وبحرينية.
ولأول مرة في تاريخنا الوطني، يسلّم الأمانة مجلس تشريعي إلى مجلس تشريعي آخر بعد انتهاء فترة انعقاده دستوريًا، وحلول وقت ابتداء المجلس الجديد. إنه موسم الحصاد والغرس.. معًا نحصد الدرس والخبرة، لنجعل التجربة أكثر نضجًا لحصاد أوفر.
ولم تقتصر المرحلة الأولى على العمل التشريعي وحده، على أهميته، ففي السنوات الماضية والنابضة بحيوية البحرينيين، رجالاً ونساءً، استمعنا إلى الأقلام الحرة، والجمعيات الوطنية، والشخصيات الدينية ورجال الأعمال والاستثمار، وكافة القطاعات العمالية والنسائية والشبابية التي عبرّت عن نفسها بكل حرية، وأمامنا من هذا كله صحائف نابضة هي موضع النظر والاهتمام لرسم الفصل الجديد من كتاب المستقبل.


المشروع الوطني الإصلاحي
وإذْ أرسينا في المرحلة الأولى من مشروعنا الوطني الإصلاحي قواعد الممارسة السياسية طبقًا للدستور والقانون، فإن تفعيل الاقتصاد، وتعميم الرخاء هو عنوان المرحلة الجديدة، ولن نسمح لأي عائق يقف دون النهوض بالمستوى المعيشي للمواطنين. هذه أولوية وطنية قصوى نناشد كافة سلطاتنا التنفيذية والتشريعية العمل الجاد من أجلها، وتقديم كشف الحساب في سبيلها، ولا عذر لأي مقصر، ولا تراجع عن الهدف.
وترسيخًا لهذا الهدف في عمق المجتمع، فقد بادر صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد الأمين، بصفته رئيسًا لمجلس التنمية الاقتصادية، إلى تكليف لجنة تربوية مختصة من المسؤولين والخبراء لمراجعة النظام التربوي والتدريبي في البلاد، حيث تركزت أعمالهما باتجاه هدفين رئيسين، في ضوء التجارب المتقدمة، وهما:
الأول: تطوير النظام التربوي في حد ذاته بما يتوافق مع حركة العصر، والاهتمام بإعداد المعلمين ورفع مستواهم المهني والمعيشي، وهو ما ينال مباركتنا ودعمنا.
الثاني: المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وإيجاد المسار المهني إلى جانب المسار الأكاديمي بما من شأنه إيجاد الكفاءات الوطنية للمساهمة الفعالة في عملية التنمية الاقتصادية، وهو ما سيبقى موضع اهتمامنا في أن يتحقق لشباب البحرين ما ابتغيه لمستقبلهم.


الازدهار الاقتصادي
ومن أجل الهدف ذاته، عملنا ونعمل على جذب الاستثمارات للبلاد، عاملين كذلك، وبكل وسعنا، لتعزيز الاستقرار من حولنا لأنه شرط مهم للتنمية والازدهار ليس في البحرين وحدها، وإنما في جوارها. ودعوتنا جميع أطرافه إلى شراكة الرخاء والسلم التي هي من أولوياتنا. وإذْ نتابع بارتياح تنامي التكامل الاقتصادي بمجلس التعاون على الصعيدين المشترك والثنائي، فإننا سنواصل سعينا نحو الوحدة الاقتصادية الخليجية، وهو هدف استراتيجي هام علينا تعزيزه والبناء عليه، في سبيل الهدف المشترك لشعوبنا الشقيقة كافة.
كما سيبقى مستقبل الازدهار الاقتصادي في حوض الخليج مرتبطًا أيضًا بالتطورات في العراق وصولاً إلى استعادته قوته التي تمثل حلقة مهمة في تنمية المنطقة بأسرها، ولعودته إلى دوره الطبيعي في محيطه العربي.
هكذا فعندما تبادر البحرين إلى تعزيز التعايش والاستقرار إقليميًا، فإنما تبادر إلى الرخاء المشترك بشعوب المنطقة، فالازدهار والسلام كلٌ لا يتجزأ. ولهذا ستبقى البحرين حريصة على سلامة جوارها.. حرصها على سلامتها.


هذا على الصعيد الاقتصادي، أما على الصعيد الاجتماعي فسيبقى في مقدمة أولوياتنا تثبيت المكانة المستحقة واللائقة للمرأة البحرينية التي هي الأم والأخت وشريكة الحياة. وقد حققت المرأة البحرينية (هذا العام 2006، وقت نشر الحديث) مكاسب تاريخية، فحيث تم انتخاب سيدة بحرينية كأول رئيسة عربية مسلمة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وفقنا الله لتعيين أول قاضية في تاريخ البحرين والخليج العربي. وقد تحمّل المجلس الأعلى للمرأة، ومعه الجمعيات والقطاعات النسائية الناشطة، مسئولية وطنية تاريخية بهذا الصدد، وخاصة فيما يتعلق بالتمكين السياسي لها مع سائر قضاياها الأخرى.

حقوق المرأة البحرينية
وإذا كانت شريعة الإسلام قد ضمنت للمرأة حقوقها الإنسانية كاملة من ناحية، وجاءت شرعة العصر من ناحية أخرى لتعمل في سبيل تعزيز تلك الحقوق وتؤكدها، كما بلغ مجتمعنا البحريني، بجهود الآباء والأجداد في التعليم والتنوير، درجة من الوعي والتفتح مكنّت المرأة البحرينية من نيل حقوقها السياسية كاملة ضمن مشروعنا الإصلاحي، فإننا نعتقد أنه حان الوقت لإقامة التوازن اللازم وإعطاء المرأة حقوقها الاجتماعية والأسرية غير منقوصة في ظل توافقنا الوطني. ولن يهدأ لنا بال حتى نحقق للمرأة وللأسرة البحرينية الوضعية القانونية الحافظة لكرامتها الإنسانية في إطار شريعتنا الإسلامية السمحة. ونعتقد أن المهمة مطروحة أمام ممثلي الشعب لتحقيق هذا الهدف وتقنينه، حيث من غير الطبيعي أن تنال المرأة حقوقها السياسية كاملة، وتبقى غير مطمئنة إلى أبسط حقوقها الإنسانية في الأسرة والمجتمع.


وفي هذه اللحظة التاريخية الخصبة من تاريخ البحرين ومسيرة مشروعنا الإصلاحي، فإننا نود توضيح مبادئ الإصلاح والتغيير لنلتقي حولها في رؤية وطنية مشتركة تكون منطلقنا الرسمي والأهلي في برامج العمل، ومصدر التوجيه التربوي لأبنائنا وبناتنا، والقاسم المشترك في نسيج خطابنا الإعلامي الموجّه للرأي العام الوطني، وحجر الزاوية في بناء ثقافة التنمية السياسية واتجاهات الفكر السياسي لدى المثقفين والجمعيات العاملة في الحقل السياسي بصفة خاصة.
ونرى أن هذه المبادئ الأساسية يمكن إيجازها في النقاط الثلاث التالية:
أولاً: من حسن الطالع إن مشروعنا الإصلاحي انبثق خالصًا بالتوافق مع شعبنا الوفي، من عمق التربة الوطنية ومن إرادتنا الذاتية المستقلة دون أي تأثير أجنبي، سابقًا بذلك الأحداث العالمية وما نجم عنها من ضغوط دولية توالت بعد ذلك.
نذكّر اليوم بهذه الحقيقة التي نتمسك بها ونعتز، لأنها دليل استقلالية الإرادة الوطنية والموقف الوطني، والدليل على أن مشروعنا الإصلاحي يمتلك مقومات البقاء والتطور والانطلاق كونه نابعًا من تربته الوطنية، ومتوافقًا مع طبعها وأصالتها. وبلا شك فأيَ إصلاح لا يستمد قوته من جذوره العميقة لن يكتب له النجاح، وكافة المؤشرات الماثلة أمامنا تؤكد أن الإصلاح الوطني، إما أن يكون ذاتيًا وطنيًا مستقلاً.. أو لا يكون.
ثانيًا: وعليه، فإن تطوير هذا المشروع الإصلاحي وتعزيزه وتعميقه لا بد أن ينطلق، أولاً، من هذه الحقيقة الأساسية، فتشارك مختلف فئاتنا الوطنية المخلصة في مسيرة التطوير والإصلاح في ضوء واقعنا الوطني الذاتي، دون مشورة الأجنبي وتدخلاته. ولن نتردد في تشجيعها ودعمها في موقفها الوطني المستقل عن تلك التدخلات، حمايةً له، قبل كل شيء، فهذه المؤثرات من شأنها أن تحول الوطنيين إلى توابع، بل تقضي على وطنيتهم ومبرر وجودهم. وذلك ما لا نرضاه لأي مواطن.
وكل تجارب التاريخ تثبت أن الديمقراطية نبته لا تستورد من الخارج، فلابد من استنباتها بالإرادة الوطنية، لتصبح قادرة على أن تصحح نفسها بنفسها فوق تضاريس الواقع وطبقًا لمنطق تطوره.. نعم، يمكن أن نستفيد من القوى الخارجية في علومها وتقدمها الحضاري، أما كيفية إدارتنا لوطننا وتطويره، فهذا شأننا ولن نسمح لأحد بأن يدس أنفه.
ثالثًا: إننا نعتبر مشروعنا الإصلاحي في شموله، وفي كافة أبعاده السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية حصيلة جامعة للنضال الوطني البحريني الذي بذلته مختلف قوانا الوطنية ضد الهيمنة الأجنبية، ومن أجل الاستقلال والنهوض والتقدم. وبتصويت شعب البحرين على «ميثاق العمل الوطني» بما يقارب الإجماع، نرى أن هذا النضال المشرّف لكل البحرينيين قيادةً وشعبًا، قد حقق النصر وبلغ غاياته، وحان وقت التنفيذ، ضمن المشروع الإصلاحي، لإقامة أهداف ذلك النضال وتطلعاته وأحلامه النبيلة على أرضية الواقع، وهو ما باشرنا العمل به، مع سائر مواطنينا، بلا تردد.
ولأن مشروعنا هو محصلة هذا النضال التاريخي المتتابع جيلاً بعد جيل، ومرحلة بعد أخرى، فمن الطبيعي أن يمثل اليوم الملتقى الرحب الجامع لمختلف الأفكار والاتجاهات والاجتهادات الوطنية في واقعنا البحريني الخصب. فهو المظلة الواقية لكل هذه التيارات الوطنية البحرينية، والصدر المتسع لجميع همومها وتطلعاتها، ولا عاصم لها من التشرذم والتفرق إلا بالانضمام للمشروع الوطني الكافل للجميع، بلا تمييز ولا استثناء.
من هنا فلا بد أن نحافظ – وبتوازن – على هذا التنوع الوطني الفكري في كافة مؤسساتنا وتشكيلاتنا السياسية بحيث لا يحتكر اتجاه منفرد – في أي ظرف وفي ظل أي وضع – تمثيل وجه البحرين التي قدمت للعالم نموذجًا، وتجربة حية لا يمكن التفريط بها لتعايش مختلف المنابت والأصول وكافة الأفكار والمعتقدات منذ فجر الخليقة.
هكذا فلا إقصاء لأي اتجاه، ولا تفرد أو احتكار لأي اتجاه آخر، حفاظًا على مصلحة نضالنا الجامع، وأفكاره وتطلعاته، في لوحة البحرين الزاهية بألوانها المتميّزة والمتوازنة.
وإذا ما كسب أيُّ لون مساحة أكبر ضمن إطارها المتناسق وطبقًا لقانون التناغم القائم بين ألوانها المتآخية تلك، فإنه كسب بالمثل لذلك القانون وسيادته، ولذلك التناغم الذي لا بد من الحفاظ على معادلته وصيانة توازنه، فلا كسب في فراغ.



وحيث نتطلع، في ضوء هذه المبادئ، إلى مرحلة جديدة من العمل الوطني المكثّف في مختلف المجالات، ومن منطلق الأولويات التي بدأنا بها هذا الحديث، فإني أود في الختام، أن أوجه النداء إلى كل بحريني وبحرينية من أجل تنمية الشخصية الحرة لمواطن حر لا يرضى بالخطأ، فمواجهة التقصير لا يمكن أن تتم من خلال مؤسسة أو جهة واحدة ننتظر منها تحقيق المعجزات في هذا المجال.
وما لم يتأسس في الوطن مواطن حر ومجتمع حر لا يرضى بالخطأ، ولا يشارك فيه، بل ينشد تصحيحه بالوسائل القانونية المناسبة، فلن نتمكن من بلوغ هذا الهدف. وبهذا نستطيع تحسين الأداء في القطاعين العام والخاص، ورفع مستوى الخدمات المقّدمة للمواطنين وصيانة الأموال العامة.
نعلم ما يمكن أن يتعرض له المجاهر بالحق في الكثير من المجتمعات. وإنني هنا أعطي الأمان لكل مجاهر بالحق في الشأن الوطني، وأتعهد بحمايته والوقوف إلى جانبه، إذا كان الحق والقانون معه، وتأكد لي أنه لا يبغي غير صالح الوطن.. فلن يصح في النهاية إلا الصحيح.
مما تقدم، يتضح أن طموحاتنا كبيرة وعالية من أجل البحرين، وإنها تتطلب عملاً دؤوبًا لا يقبل التراجع. وندرك تمامًا أن الطريق ليس معبدًا بالورود على الدوام. ولكن ما يشجعنا على ذلك ويدفعنا إليه، هو إنني عندما ألتقي بالصغار في دروب البحرين، ألتقي بما يمثلونه من صدق وعفوية ومحبة، وأتزود بكل ما يحتاجه الإنسان من عزم في مواجهة الصعاب.. وأنعم منهم بتلك الابتسامة التي لا تفارقني وتزيدني ثقة بمستقبل البحرين. فوعدًا وعهدًا بيني وبينهم ألا تغيب تلك الابتسامة عن وجوههم البريئة، وأن تبقى لتصبح في سماء الوطن أكبر وأجمل.
المصدر: بقلم: حمد بن عيسى آل خليفة

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها