النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

«في الأيام» بالتعاون مع دارة الأنصاري للفكر والثقافة

العدد 11179 الأحد 17 نوفمبر 2019 الموافق 20 ربيع الأولى 1441

أزمة الثقافة العربية . . . أمامها حل واحد

رابط مختصر
تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة، تحت التأسيس»*، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف»، التي تحمل «قراءة للحاضر من ماض قريب»، وذلك بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري. الدارة هي نواة لمعلم فكري /‏ أدبي /‏ ثقافي للحفاظ على إنتاج الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية لتكون متاحة للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثرائها، ومن المؤمل أن تكون مظلة لعدد من النشاطات والفعاليات التي اهتم بها الدكتور الأنصاري وركز عليها، طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي وتحليل أسباب أفولها برؤية نقدية وواقعية لإعادة إحيائها، وبمقاربة علمية وموضوعية.

بقلم أ. د. محمد جابر الانصاري

هناك أزمة في الثقافة العربية، نعم .. والحل الوحيد لهذه الأزمة هو الخروج من ثقافة الموجات العابرة والعودة إلى ثقافة الأصول الفاعلة
] ] ]
إذا أردنا أن ندخل، بأمتنا، عصر «تنوير» حقيقي، يختلف عن المراحل المبتسرة والمجهضة التي تتالت منذ مطلع النهضة، فعلينا أن نميز بين «ثقافة الأصول» و«ثقافة الموجات المؤقتة».
فبين مرحلة وأخرى من مراحل تاريخنا الفكري والأدبي الحديث كانت تطلع علينا «موجات» مؤقتة متتالية متباينة ومتناقضة من المدارس والاتجاهات.
في فترة، موجة «الواقعية الاجتماعية»..
في فترة تالية، موجة «الوجودية»..
في فترة أخرى، موجة «السريالية»..
وهكذا حسبما تفيض به الثقافة الغربية من موجات نابعة من تياراتها وحاجاتها الذاتية.
وخلال صعود كل هذه الموجات تشهد الساحة العربية فيضًا زاخرًا من الترجمات والدراسات والكتابات الفنية، تصب كلها في بوتقة تلك «المدرسة – الموجة» ولا تتعداها.
ولعل جيلنا يتذكر كيف كان اسم «مكسيم غوركي» ذات يوم كلمة السر في أوساط الأدب «التقدمي»، ثم جاء اسم «سارتر» و«البير كامو» في مرحلة أخرى، ثم اسم «رامبو» في مرحلة سريالية تالية، وهكذا.
وليس لدينا اعتراض على متابعة أوساطنا الأدبية لآخر تطورات الثقافة العالمية، ولكن ما يحدث عندنا، هو أن ناشئتنا – لضحالة خلفيتهم الجامعية – ينكبون في كل مرحلة من هذه المراحل على ما تنتجه المطابع الغربية من كتب حول هذه الموجة الثقافية أو تلك، فيخرج لنا جيل كل حصيلته مبادئ الفكرة الوجودية وأدبها، وجيل آخر كل محصوله بعض نتائج المدرسة السريالية، ولا علاقة له بالمعرفة الإنسانية وواقع العالم إلا من خلال «المنظار الوجودي» أو «المنظار السريالي» وهلم جرًا.. فإن واجهته مرحلة جديدة مختلفة أصيب بالحيرة والعجز واليأس.
ولأن المطبعة العربية، بحكم مراعاتها لمستوى الجمهور العربي، تقدم من كل مدرسة وموجة الأسهل فالأسهل، فإن حصيلة أجيالنا، حتى من الوجودية والسريالية، ليس الفكر الفلسفي العميق، بل النتاج العربي المبسط. ومن قرأ لسارتر من الشباب العرب فقد قرأ له رواياته وبعض مسرحياته، ولكن لم يقرأ له في الأغلب كتابه الفلسفي «الوجود والعدم» على سبيل المثال.
وبعد كل هذه «الموجات» التي مرت علينا وانشغلنا بها، من حقنا أن نسأل، ماذا أفدنا منها في تطورنا الفكري والحضاري العام؟ وماذا بقى منها وترسخ وتأصل في أدبنا وفكرنا العربي وأصبح جزءًا منا ومن ابداعنا العربي المعاصر الذي طال انتظاره، ولم تهل علينا أنواره.. بعد!
فما البديل عن هذه الموجات المؤقتة المتتابعة العابرة؟.. البديل، عصر تنوير حقيقي، وأول مستلزمات عصور التنوير الرجوع إلى «الأصول»، أصول الثقافة الإنسانية والحضارات العالمية التي لا تفقد قيمتها مع ذهاب هذه الموجة أو تلك، والتي لا يستغنى عنها في بلورة أية رؤية حضارية جديدة، وجادة، ورصينة، وثابتة، وباقية لا تتعرض للاهتزاز والسقوط مع النكسات والنكبات.
والأصول هي الأصول، رغم تقادم الزمن وتجدد المراحل، هي أبدًا، هناك، حية متجددة، متحدية، شائقة، رغم إيغالها في القدم.
الأصول هي سقراط وأفلاطون وأرسطو. والأصول هي الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون.
والأصول هي ديكارت وهيغل ونيتشه، والأصول هي المتنبي والمعري وشكسبير وطاغور.
هذه هي أصول الأدب والفلسفة والفكر على سبيل المثال لا الحصر، ومن أراد أن يفهم وجودية «سارتر» على حقيقتها فإن جذورها وأصولها ترقى إلى معاناة «نيتشه».
ومن أراد أن يفهم الصراع الاجتماعي لدى «مكسيم غوركي» فإن أصله هناك، في النبع، في ديالكتيك «هيغل».. هذا هو الفرق بين ثقافة «الموجات» وثقافة «الأصول». والمسألة ليست مجرد مسألة «تعمق» في البحث و«تبحر» في الخلفيات الفكرية لجذور الأشياء، كلا.. أنها ليست ترفًا أكاديميًا، أنها أكثر من ضرورة، هذه العودة التي نطالب بها إلى «ثقافة الأصول» في وجه «ثقافة الموجات» العابرة المسطحة التي لا تترك غير ركام الكتب الميتة على الرفوف المغبرة العقيمة للمكتبة العربية، ولا تفيد غير دور النشر التجاري!
والأصول لا تكون العودة إليها، من أجل ذاتها، وإنما من أجل هضمها وغربلتها واستخراج شيء جديد منها، أصيل كأصالتها، راسخ كرسوخها، فاعل كفاعليتها.
عندما ترجم العرب أفلاطون وأرسطو خرج من بينهم الفارابي وابن سينا وابن خلدون.
وعندما ترجم الأوروبيون، في مطلع نهضتهم الحديثة، ابن سينا ومعه أرسطو، خرج من بينهم ديكارت وكانت وأمثالهم من القمم الفكرية.
وعندما ترجم العرب، في مطلع عصرهم الحديث، ديكارت وهيغل وعادوا إلى ابن سينا وابن خلدون، خرج من بينهم محمد عبده ولطفي السيد وطه حسين وميخائيل نعيمه.
ولكن عندما ترجموا عن الوجودية والسريالية وغيرها من الموجات، فإن الحصيلة لم تكن شيئًا يذكر، لا في الأفكار ولا في الرجال.
وهذا لا ينطبق فقط على «المثقفين العرب» الذين يتابعون الثقافة الغربية، بل أن «التراثيين العرب» يكتفون أيضًا بالفروع والهوامش والذيول من الثقافة العربية الكلاسيكية ولا يعودون إلى الأصول والشواهق.
فالحالة - إذن - واحدة، والتقصير واحد.. المثقفون «العصريون» منحصرون في الفروع العابرة لتيار الثقافة الغربية، والمثقفون «التراثيون» غارقون في الهوامش والذيول، و«الشرح» على الشرح لديوان المتنبي و«التعقيب» على «تلخيص» ألفية بن مالك.
والهوة بينهما تتسع لتمزق ضمير الأمة وتخلق معسكرين متباعدين في حياتها الثقافية.
إن العودة إلى الأصول أكثر من ملحة على ضوء الأزمة الحياتية والحضارية الخانقة التي تعانيها أمتنا اليوم. فلابد من الخروج من متاهة المذهبيات الأدبية والفكرية التجزيئية الضيقة إلى رحابة الأصول والثقافات الإنسانية التي أسست النهضات وأقامت الحضارات.
وأن نسأل أنفسنا.. من نحن؟ ماذا نريد؟ ما معنى الكون والتاريخ والحضارة؟ ما معنى الانسان؟ كيف تكون النهضات الحقيقية؟ كيف تبقى الأمم الحية ولا تندثر؟ وما هي مقومات بقاء الأمة ضد عوامل الهدم والتصفية؟
ما هو أقل من هذه الأسئلة اليوم، هروب وعجز وتأخر قاتل.. وإن أي عصر تنوير حقيقي لابد وأن يطرح تلك الأسئلة الكبيرة والبسيطة.
ومسئولية المجلات الثقافية كبيرة في هذا المجال، فهي بتواجدها وتتابعها المستمر بين أيدي القراء تستطيع أن تخلق مناخ التغيير المطلوب أكثر مما يستطيعه الكتاب، وذلك بعودتها إلى «دراسة الأصول» وعرضها بصورة خلاقة جديدة وتركيزها على أسس الثقافة الإنسانية الثابتة بدل جريها وراء الصراعات الأدبية والفنية الطارئة في الغرب الثقافي.
ويتطلب الأمر ترشيد حركة الطبع والنشر، ويستلزم الأمر الاهتمام بنشر كتب الأصول، أعني الكتب الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ الانساني في مختلف الحضارات ومختلف العصور.
ثم تبقى المسؤولية الكبرى على عاتق المثقف العربي نفسه. هل يمد يده إلى أقرب كتاب على الرف من هذه الكتب الشائعة التي تمس جلد الثقافة مسًا رقيقًا في فرع من فروعها، أو حاشية من حواشيها؟ أم يجهد نفسه بالذهاب إلى مكتبة الحضارة الإنسانية ليقرأ قبل كل شيء، «جمهورية أفلاطون» و«منقذ» الغزالي و«مقدمة ابن خلدون» و«دراسة» توينبي في التاريخ و«منهج» ديكارت؟.
المثقفون والقراء العرب يشكون هذه الأيام من حالة انحطاط أدبي وفكري، فلماذا لا يجربون هذا التغيير في أنماط القراءة وفي نوعية ما يقرؤون؟
ولكل فجر حضاري لا بد من عودة إلى الأصول وإلى المنابع الحية الكبرى.


*دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية (تحت التأسيس) بمبادرة من عائلته، وبالتزامن مع استعدادات هيئة الثقافة والآثار بإقامة حفل خاص لتكريم د. الأنصاري في العاشر من ديسمبر 2019، بمناسبة مرور 50 عامًا على تأسيس أسرة الأدباء والكتاب الذي تولى تأسيسها مع مجموعة من الرواد في مجال الأدب والثقافة، نشرت المقالة في عدد من المجلات الثقافية الخليجية العام 1981*، خلال فترة اقامته في باريس.

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا