النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11979 الاثنين 24 يناير 2022 الموافق 21 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:53PM
  • المغرب
    5:14PM
  • العشاء
    6:44PM

الروائي التنزاني الفائز بجائزة نوبل للأدب عبدالرزاق قرنح

العدد 11907 السبت 13 نوفمبر 2021 الموافق 8 ربيع الآخر 1443

ابن زنجبار.. العابرُ إلى العالمية من نافذته المطلة على البحر

رابط مختصر
لم يمضِ شهر واحد مذ تم الإعلان عن فوز الروائي التنزاني عبدالرزاق قرنح بـ«جائزة نوبل» للأدب، حتى حلّ ضيفاً على «معرض الشارقة الدولي للكتاب» في دورته الـ(40). ضيفٌ اشرأبت الأعناق للنظر إليه، وهو يخطو إلى منصة الحوار، تحدوها رغبةٌ في التعرف على هذا المتوج بأكبر جائزةٍ أدبيةٍ على مستوى العالم. متلهفةٍ لما سيقولهُ، ويفصحُ عنهُ. وقبل سويعةٍ من ميعاد اللقاء، تجمهر الناس، واحتشدوا موزعين في القاعة الرئيسة؛ يحجزون أماكنهم، ويستعجلون الحصول على سماعات الترجمة.
في الميعاد المحدد، اعتلى قرنح منصة الحوار، كان ذلك مساء الأربعاء (3 نوفمبر)، وكان حضور الأفارقة حضوراً بارزاً، إلى جانب أقرانهم العرب، وغيرهم من مختلف الجنسيات.. أما الزنجباريون، فكانت طاقياتُ رؤسهم (الكُمَّة العُمانية)، تدلُ على هذا الحضور الموزع على القاعة. حضر قرنح، فعلت أصوات التصفيق؛ تصفيقُ يحملُ مدلولات الفخر بهذا الاسم ذو الامتداد العربي الإسلامي، الذي ينتمي إلى ثقافةٍ تتصلُ بالعالم العربي، بقدر اتصالها بالثقافة الإفريقية. اسم رأى فيه الجمهور، رفعة لهم، ومنفذاً لإبداء فرحهم وسعادتهم.
ولد قرنح في زنجبار عام (1948)، وفيها نشأ وتعلم، تلقيت تعليمي، في المسجد، وفي المدرسة القرآنية، وفي الشارع، والبيت، ومن خلال قراءاتي الشخصية الفوضوية. وما إن بلغ الـ18، انتقل إلى بريطانيا، وهناك واصل تعليمه، ونشر أولى رواياته (ذاكرة المغادرة) عام (1987)، لتتالى كتاباتهُ: (طرق الحجاج)، و(دوتي)، و(الجنة)، و(عن طريق البحر)، و(الهجر) وغيرها. وفي العام الماضي، نشر أحدث رواياته المعنونة بـ(الحياة بعد الموت).
وقبل أن نستكشف ما جاء قرنحُ ليقولهُ في إمارة الشارقة، لابد من أن ننوه بأننا استعنى إلى جانب ما قالهُ، بمقالٍ كتبهُ سارداً فيه موجزُ سيرته، فأما ما قالهُ في لقائهِ بـ«معرض الشارقة الدولي للكتاب»، فضمناهُ بين علامتي تنصيص «...»، وأما ما كتبهُ في سيرته، فاستخدمنا لهُ القوسين المستطيلين [...]، لغرض التفريق.


«قرنح.. لقد فزت بنوبل»

كأي حوارٍ متوقعٍ لهُ البدء مع شخصٍ تلقى خبراً عظيماً، فإن سؤال «كيف تلقيت الخبر؟»، هو أول ما سيطرحُ عليه، وللمفارقة فإن هذا السؤال هو الأول دائماً، أكان في مورد السؤال عن لحظة سعادةٍ غامرة، أو مأساةٍ عظيمة. وكاعتيادية السؤال، لن تكون إجابة قرنح مفاجئة كذلك، فأول ردة فعلٍ من متلقٍ لخبرٍ كهذا، الصدمة التي ينتابها شيءُ من الإنكار، «فوجئت.. حسبتُ المتحدث على الهاتف يمازحني»، يقول قرنح، عن تلك اللحظة التي أُخبر فيها عن فوزه، لحظة بحاجةٍ لتأكيدٍ بالغ الإقناع، ليستطيع المُخَبر أن يرتكن للتصديق، فكانت شاشة أمام قرنح، هي وسيلة التوكيد، «بالفعل.. كنتُ أنظر للشاشة، وإذا بيّ الفائز بجائزة نوبل».
تأكد الفوز الآن، فماذا عنيهُ لقرنح، وهو الروائي الذي كتب العديد من الروايات منذُ ثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب كونهُ أكاديمياً ومحاضراً، مختصاً في «أدب ما بعد الاستعمار»؟ يتركُ قرنح التعبير عن سعادته الشخصية التي يصفها بـ«الرائعة»، متجاوزاً إيها إلى ما هو «أكثر روعةً.. وأعنيّ أن تجد نفسك سبباً لإسعاد الآخرين؛ حينما يفرحُ من في زنجبار، وتنزانيا قاطبةً، وفي إفريقيا، والشرق الأوسط، إلى جانب من هم في بريطانيا. ولا أعني من يعرفونني فقط، بل البعيدون الذين احتفوا بهذا الفوز كأنهُ فوزهم».

- الكتابة تصريفاً من تصاريف القدر

الاشتغالُ بالكتابة، ونوبل للأداب صنوان، فكيف بدأ قرنحُ الكتابة؟ في نصٍ سيري كتبهُ بعنوان «عالم صغير»، يقول قرنح «خلال السنوات الأولى من إقامتي في إنجلترا، بدأت الكتابة، ولمّا أتجاوز بعد الحادية والعشرين من عمري. وبمعنى ما لم تكن الكتابة مشروعاً مخططاً له بقدر ما كانت تصريفاً من تصريف القدر، مارست الكتابة في السابق، عندما كنت تلميذاً في زنجبار، غير أنها كانت عملاً هو –بالأحرى- لهو يخلو من الجدية»، وفي اللقاء معهُ يفصلُ قرنح، مؤكداً «كنتُ أكتب دون أن أفكر بأن ما أكتبهُ هو روايةً، فالكثير من الأمور التي تشغلُ رأسي، أكتبها، مستعيناً بالكتابة كنشاط روتيني أقوم به».
لطالما كتب قرنح، وكتب.. وقد أمضى سنواتٍ طوال وهو يكتب، «لقد كانت سيرورة انخراطي في الكتابة تحمل كماً كبيراً من التردد والحيرة؛ فلم أكن على بينة بما يحصل لي، فقررت الكتابة. لا، بل إني دشنت فعل الكتابة في جو من المعاناة، وبشكل غير متواصل، يخلو من أي تخطيط، إلا من تلك الرغبة الطاغية في أن أقول أكثر وأكثر»، ومن هذه الرغبة، إلى رغبة الظهور في الفضاء العام، فكان قرار النشر، «منذُ انتهيتُ من روايتي الأولى، إلى ميعاد نشرها، مضت (12) سنة، بحثتُ فيها عن ناشرٍ، وكدتُ أستسلم لفرط اليأس من إيجاد ناشرين يقبلون نشر الرواية، حتى قررتُ إرسالها أخيراً لناشرٍ هو من نخبة الناشرين في بريطانيا، وأرفقتُ معها رسالة قصيرة تقول: (ارسلتها للجميع، وقال جميعهم: لا، وهذه فرصتكم لتقولوا: لا»، والمفارقة، قال هذا الناشر «نعم»، فولد قرنح ولادتهُ الفعلية.
أما طقوس الكتابة، التي عادةً ما يُسأل عنها الكاتب، وكأن لكل كاتبٍ -بشكلٍ مسلم به- طقوس غرائبية تستحق أن تذكر، فيذكرها قرنح على الشكل الآتي «أجلس على الطاولة، وأكتب.. أما اليوم، فأكتب على لوحة المفاتيح». إجابة تهكميةٌ على سؤال يفترضُ الغرائبية في جواب الكاتب، لكن خصيصةً يمكنُ أن يكشفها هذا السؤال، وهي آلية الكتابة لدى الكاتب، ويقول قرنح عن ذلك «لا اتقيدُ بوقتٍ محددٍ للكتابة ولا بزمانٍ لإنجاز ما أكتب، فرواية (الحياة بعد الموت) كتبها على مدى 10 سنوات».
فيما يرى قرنح، بأن خصيصةً لابد أن تلازمهُ في كل كتاباته، هي «أن أكون صادقاً»، ويبين ذلك بقوله «أكتب قدر الإمكان، للوصول إلى الفكرة، وصياغتها على أجمل وجه.. وليس جمال الصياغة مقدمٌ على الصدق والدقة، تلك النابعة من قربنا من التجربة التي نكتب عنها، فهذا القرب، يجعلنا قادرين على صياغتها بكل صدق».
ولأن الكتابة، فعل مقرونُ بتغيير الأفكار، سئل قرنح عن ذلك فأجاب، «عندما أكتب لا أطمحُ لتغيير أفكار الآخرين، لكن إن حدث ذلك فهو أمرٌ بالغ الروعة، فالكاتب يبدأُ من مكانٍ متواضح، ينطلقُ منه، فإن وصل إلى تراكم يؤهله لتغيير أفكار القراء، فهذا مهم، لكن ينبغي علينا ككتاب أن لا نكون واعظين. نحنُ نكتب بوضوحٍ وصدق، ونحاول أن نجعل الكتابة جميلة للوصول للقارئ، وهذا دورنا الأساسي» فـ [الكُتاب لا يصبحون كذلك إلا من خلال القراءة؛ فعبر سيرورة من التراكمات، وتنامي الحصيلة المعرفية، وتلاقح التجارب، ومختلف التكرارات والتوترات القرائية؛ عبر كل هذا يصنع الكاتب أسلوبه، ويصوغ بصمته].


- ما وراء الكتابة.. ذاكرةٌ واغتراب

عرف قرنح بكتاباته الجدية، والعميقة، والجريئة، مستلهماً تجربتهُ الحياتية عند ما غادر مسقط رأسه، إلى حيثُ أنجلترا، فكانت تجربة الإغتراب هذه، مؤثراً فاعلاً فيه، [الكتابة كانت ترتبط، بشكل أكبر، بذلك الإحساس المرير بالغربة وبالاختلاف الذي طبعا نفسيتي]، فوجد نفسهُ يكتب عن هذا الإحساس، بكل ما فيه من مشاعرٍ متضاربة [أدركت أني أنهل من معين الذاكرة في كتاباتي، وأحسست إلى أي حد لا تزال ذكرياتي حية فيّ، ومهيجة لأمواج اضطرابي، وإلى أي مدى كانت إقامتي، خلال السنوات الأولى، في إنجلترا، إقامة أبعد ما تكون عن الاندماج الكلي. ضاعفت هذه الغربة من إحساسي المرير بأن حياتي المنبوذة لا تساوي شيئاً، وبأني تركت خلفي أناساً يعنون ليّ الشيء الكثير، بل بأني أضعت، إلى الأبد، مكاناً أثيراً وطريقة عيش].
هذا الشعور، والاشتغالُ الكتابي المؤطر به، سيجعلُ من قرنح كاتباً عالمياً يتناولُ مسألة الذاكرة واللجوء وآثر الاستعمار، حتى أن خطاب نوبل، جاء مؤكداً لذلك، واصفاً اشتغالهُ بـ«استبصارٍ خالٍ من أي مساومة لآثار الاستعمار، ولتعاطفه مع قدر اللجئ العالق في هوة الاختلافات بين الثقافات والقارات»، وفي هذا السياق يبين قرنح «لطالما اهتممت بإظهار أنواع الاستيطان الذي استوطن مختلف الأمكنة، محاولاً فهم الأمر، ومقاربتهُ مقاربةٍ إنسانية، لكي لا نتجه للنهج العدائي تجاه بعضنا البعض، فكما احتلت بعض دول أوروبا، في قرونٍ ماضية، مناطق مختلفة من العالم، واضطهدت سكانها. وكما سلبت ألمانيا الشرقية من قبل الاتحاد السوفيتي، وقاسى الناس ما قاسوه فيها.. كل ذلك يجلي لنا الألم، الذي ينبغي أن نصوغه، لؤرية أكثر شمولية»، عانياً بذلك، إن فهم هذا الألم، يجعل الآخر يشعرُ بغيرهِ من الآخرين الذين يذوقون عذاباته الآن، حيثُ يؤكد قرنح «نحنُ في عصرٍ لا متناهٍ من المأسي، وأقل ما يجب أن نفعله، هو فهم الآخر».
تلك هي الأسئلة والموضوعات التي تشغلُ قرنح في كتاباته، وهو ما يوضحهُ جلياً بقوله [الأسئلة التي أناقشها ليست جديدة في شيء، لكنها مهووسة بما هو شخصي خاص، وبالإمبريالية، والاجتثاث (من الأصل)، وبقضايا عصرنا، ومن هذه القضايا، هجرة عدد كبير من الأجانب صوب أوروبا].

- عن البحر وموضوعاته

للبحار، والمحيطات، والرحلات حضورٍ لافت في روايات قرنح، إلا أن السبب الذي يبطلُ العجم، هو كونُ قرنح ابن زنجبار المحاطة بالبحر، والمطلة على المحيط الهندي وقد نشأ في طفولته وهو محاطُ بروحية المكان؛ حيثُ كانت الرحلات، تنتقلُ ذهاباً وإياباً، وكان قرنح الصغير يطلُ من نافذته المطلة على البحر، ليرى قدوم وارتحالة السفن المحملة بالبضائع والحاجيات «كانت هذه الرحلات رحلاتٌ ثقافية ولغوية مهمة.. وفي تشابكِ معها، بكل تجلياتها، كبرت، حيثُ كانت قريتي (ماليندي)».
هكذا شغل البحر بكل تجلياته، مساحةً بارزة من اشتغالات قرنح، وإلى جانبه، الاستعمار واللجوء، الذي ذاق طعمهُ، وإن كان لا يصنفُ نفسه لاجئاً، ففي نهاية ستينيات القرن الماضي، قصد قرنح بريطانيا كطالب، لكنهُ أراد اللجوء، «كنتُ قلقاً من استخدام كلمة لاجئ، حيثُ أن اللاجئ شخصُ عانى الويلات والمصائب، فيما لا تنطبق عليّ كلمة لاجئ، وقد ركبتُ الطائرة بإرادتي، ولم أكنُ أهربُ من مسألةٍ مصيرية، بل أردتُ أن أشعر بالرضى النفسي، ففي الـ18 من عمري، كنتُ أعيش في دولةٍ سلطوية حد الجنون، وكانت الأبواب مغلقة أمامي، لهذا بحثتُ عن حياةٍ أفضل، واعتقدت أني سأراهُ في مكانٍ آخر».

المصدر: الشارقة- سيد أحمد رضا

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها