النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11889 الثلاثاء 26 اكتوبر 2021 الموافق 20 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

صوت لا يشبه إلا نفسه

العدد 11830 السبت 28 أغسطس 2021 الموافق 20 محرم 1442

أسامه مهران.. الشاعر المؤثـث بالقلق والتفاصيل (1-2)

رابط مختصر
أسامه مهران: شاعر وإعلامي صاحب تجربة حياتية وثقافية واسعة جدًا يتميز بطاقات فنية خلاقة ولغة هادئة.. غنية بالصياغات المكثفة، ومخيلة ذات رؤى نافذة مفتوحة على الأفق البعيد، يلغف رؤاه وذاته كشاعرو يتفرد بصوته الجهوري، مسكونًا بقلق دائم، مستثار التفاصيل الصغيرة التي تؤثث هذيانه وتؤكد حضوره كحقيقة شعرية لا يمكن أن تغيب عن المشهد الشعري، بل تفرض نفسها على مستويات عدة من خلال ثلاث مجاميع صدرت مؤخرًا لأسامة مهران تتعانق مع ثيمات ذاتية وموضوعية تغترف من مخيّلته ورُؤاه الإنسانية الصافية ما ينبض بالحقيقة والحلم فترهن قصائده لأسلوبية فاتنة رشقة على مستوى عالٍ من التعالق الجمالي والتعبيري في نصه الشعري.


البناء اللغوي
ومهران في رصفه لنصّ القصيدة ينجرف في شاعريتها وموسيقاها فلا يرهق جسد النص، ولا يستفيض بطولها واتساعها بل يترك القصيدة، مُناسبة تأتي بسلاسةٍ على قدرِ طول الموضوع الذي تتمحور حوله فلا يُنهك اللغة ولا يضعف بنيتها وتراكيبها، ولذلك فمساحة الصورة وإضاءتها السريعة في الغالب تأتي متّسقة مع مساحة انفعال الشاعر والتماعة هاجسه الشعري كما في قصيدته «محنة منتصف الليل»: «رُحماكَ/‏ يا شيطان النومْ/‏ يا آخر منقلبٍ/‏ في أوراق اليوم/‏ قد تأتي/‏ أو لا/‏ تأتي/‏ لكن لا تتمنع/‏ كالقط الضال المتخفي».
وعادة ما ينطوي النص الشعري على أجزاء من عنوان القصيدة لدى مهران، وينسل فيها على شكل تكرارات تتجلى بصورة لازمات منتظمة ذات إيقاعات بنائية متواترة تظهر بعد كل لازمة لتصبح منطلقا يقوم بمهمتين الأولى أن يتظافر مقطعيا مع الوحدات الأخرى في الترتيب والثاني حاضنة لقصائد ضمنية أو مقاطع عنقودية،وبمجوعها لا تشكل الفضاء العام لنص القصيدة فحسب بل هي أيضًا الوحدة الجوهرية في القصيدة ويتجسد ذلك بوضوح في العديد من قصائده في مجموعة «لا ينتظر الورد طويلاً في الشرفات» ونسوقُ هنا على سبيل المثال قصديته الرائعة «رحلة في ملكوت الأب»: «في غمضة عينٍ /‏ رحل الأبْ /‏ بسرعة عصفورٍ أنهكهُ /‏ نبضُ المشوار الصعب /‏ انطفأت ضوضاءُ الشارعِ /‏ إيذانًا بترجل شعبْ/‏ كان الأفق مليئًا بشظايا محترقة /‏ وعذاري منتحرة/‏ وبقايا منتشرة/‏ وغنائم حرب».
وتتوالى القصيدة مبحرة في نسقها المتواتر فتواشج بين النسغ والنسغ يغذي بعضها البعض فتستحيل القصيدة إلى سوناتات موسيقية تنكشف على إنفعالية ذاتية طاغية: «بعد عناءٍ /‏ هبط العصفورُ/‏ على آنية الماءْ /‏ ارتشف القطرة َ تلو الأخرى /‏ هبت سيدة المنزل مسرعةً /‏ هرب العصفورُ /‏ من النافذة الصغرى».
والدارس المتأمل في شعرأسامه مهران يمكن أن يتلمس بوضح جلي صوتا مهما، يتسم بالنضج والإدراك الواعي لفهم وإنتاج تراكيب لغوية تميز نـَفسَهُ الطويل في تحرير قصيدته من قيودها وطوفانها في فضاء واسع من الثيمات المتجاورة والمتظافرة في نصّه الشعري، فضلاً عن تحكمه الواضح بمعجم أدواته اللغوية المسخرة لتركيز أسلوبه الشعري وتحرير أقصى طاقة تعبيرية وجمالية كقوله في قصيدته «ظرف مكان» من مجموعته الشعرية: «لا ينتظر الوردُ طويلاً في الشرفات»، التي نتعرض لها هنا بما تسمح به مساحة هذه الصفحة الكريمة: «بكيت على معبر ٍ من دماء /‏ وجدت شبابًا بعمر السماءْ /‏ يغرد في عنفوان بطيء /‏ ويصعد في الأفق وسط الصخور /‏ لينقذ شيخًا ضريرًا /‏ وينسى الطيورْ».
ثمة مشهد مؤثث باللوعة مسكونًا بالقلق مشحونًا بالانفعالات والانكسارات، تلك خاصية تسري في أعلب قصائد مهران تتفاوت في حدتها ودرجاتها لكنها، تلامس هاجسه الشعري لتثور في مجمل قصائده كيانا خصبا يتشيء بأسلوبٍ متفرد وصوت ينبض بالجرأة فتنكشف قصيدته على موسيقية آسرة تتواشج مع رؤية شعرية خالصة إزاء العالم والوجود، ومن نفس القصيدة يتجلى بوضوح قلق الشاعر فيتساءل بصوت صادح «لماذا ولماذا تغير هذا الوطن» عبارة يستهل بها القصيدة ويكررها كمتلازمة، يبحر عبرها من مقطع إلى آخر عساه يتلمس الأسباب فيطل من نافذة الجرح، ينقب عن أفق ناصع، يتلمس فيه أجوبة لتغير الوطن وتوحش طير السنونو؟
«لماذا توحش طير السنونو /‏ وصار النخيلُ بنادق؟ /‏ لماذا تحول هذا الوطنْ /‏ لأكياس رملٍ /‏ وبعض خنادق».
أسئلة مهران هي مصادر قلقه المستعر بمرارة التوحش والانكسارات ليس في هذا النص فحسب بل في العديد من أشعار المجموعة البالغة واحد وثلاثين قصيدة كالتي وقفت على عتبة عنوان المجموعة: «أيقنت أخيرًا /‏ أن الورد المترامي قسرًا /‏ والشوك المتعثر دهرًا /‏ في النبضات/‏ ينطلق أخيرًا /‏ في معصم سيدة ٍحافية القدمين /‏ أو في سيد قوم معصوب العينين /‏ أو في عبوات/‏ لا ينتظر الورد ُ طويلاً /‏ في الشرفات».
أن ثمة علاقة ترابطية وصميمية بين الصيغة التشكيلية وما تثيره من انفعالات وأحاسيس عاطفية، حيث تتقنع القيم التعبيرية دائمًا في أعماق التعبير اللغوي وهي ميزة أو خاصية ثابتة في لغة مهران الشعرية، فليس من السهل القبض على معاني أسامه مهران لأنه يغور عميقا في تفاصيل قصائد عنقودية مما يجعل من طبيعة البناء الصوري حاضنة لمنظومة من الأفكار المتواشجة والمتظافرة مع أفكار أخرى تحايثها ولا تهيمن عليها، ولذلك فالقصيدة بأبياتها وصورها تفصح عن إحساس الشاعر وقوة نظمه وهي كلما كانت كذلك، كلما أكتسبت عمقا دلاليا وجماليا يستدعي إثارة الذهن والخيال لدى المتلقي: «صممت بلادًا /‏ بجميع الطرق المنزوعة /‏ من بنيان /‏ مجهول الأرضية /‏ هل قيدت مكانك /‏ هل سرجت حصانك/‏ وتحسست الأغلال الصدئة /‏ في أحضانك أو جربت خطايا شخصية؟/‏ لا شيء يعذبني غيري/‏ لا شيء يقربني من/‏ غوغاء المشهد/‏ فجميع الرفقة /‏ إلى الطوفان الأبعد /‏ منتظرون على كرسي مجهد».
وتتجلى لوعة مهران بأجمل صور الوطنية في قصيدته «والله زمان» عن وطنه، حيث يتوحد فيه ويتلبسه كثوب راهب ذاب في عشق أبدي يسكنه كمثقال الذرة في الأحشاء يتكامل فيه ويحلق نحوه ولو من دون ريش وجناح مقصوص: «أسكن حيرتك /‏ واستجوب أحوالي /‏ واشتت فيك /‏ المشتت من أنحائي /‏ أقتبس النور الطالع منكِ /‏ وأحزم أمتعتي /‏ وأحلّق نحوك /‏ بجناح مقصوص الريش /‏ بآخر جزءٍ /‏ من أجزائي».
مهران شاعر متمكّن من قصيدته يحتفي بها ويخالطها بثقافته الواسعة، فيضفي على الكلمات شكلاً يرتبط جدليًا بمضمونه، فيستوعبه ويتسع له في إطار حالة من الاتساق الهارموني، فلا يتقدم أحدهما على الآخر، بل يتحايثان ويتوازيان بقدر كافٍ باعتبارهما كيانًا عضويًا واحدًا يطبع مجمل فضاء القصيدة. كما في قصيدته «كتاب للأزمنة الجميلة»: «أيتها العصفورة انطلقي /‏ من لحظة على الغصن /‏ لتأخذ الأشياءُ أشكال البكاء /‏ ويأخذ البكاء اشكال الوطن».
لعلّ أبرز ما يميز مجموعة مهران أنه لا يمارس عملية مشابهة الواقع فنيًا، بل يسعى بجد إلى إنتاج واقع جديد بشروط الشاعر، واقع لا ينغلق على إنموذج ما، بل واقع ينفتح على عالم واسع يتمرى في أعماق الشاعر ويتجسد في تهويمات حلمية، يتأسّس ذلك على رفض واقعه الوجودي وقد يتمادى فيرفض حتى إنسانه فيه، فالعالم من حوله مرآة لغابة تأكل نفسها وتخيط قميصها على قياسها لستر عورتها. كما في قصيدته «دعوة للخروج»: «الناس اليوم ملامح /‏ الكل شبيه بالإنسان /‏ اللص - الذئب - المهر الجامح /‏ وجه الأحزانْ /‏ أغلقُ مجلسنا عن هذا العالم /‏ حتى لا أشعرَ بالغثيان /‏ لا تجعلني أرفض فيّ /‏ حتى الإنسان».
في عالم مهران يتحرك ويحيى الجامد والمتعارض، فهو بهي جميل في وصفهما وتوظيفهما، فارا لا يستكين لسطوة أو وصاية، بهذه الروح الوثابة تتأجج حواس الشاعر وتلتهب كلماته جمرًا متقدًا بالانفعال والمشاكسة ففي قصيدته «جسد»: «امشي /‏ ساعة الموج تجرد أبنية الرؤى /‏ وتذيب ُ الأرض تحتي/‏ امشي/‏ تجرفني البقاعُ وأنسدُ /‏ فلا تدخلني النساء».
وتتواصل القصيدة في حسن بنائها وجمال صورها متنامية متواترة، وصوت الشاعر يتعالى كغيث في رماد مخبأ، ينتفض بالحلم كي، لا تُقطعُ أوردة الفرح المغطى: «لا أسمع الناس تمشي /‏ أسمع أن الأماكن تمشي /‏ وأن المقابر تمشي /‏ وأني أنا لا أسيرْ /‏ تتشرد تحتي الضفافْ /‏ تتبعثر فوقي السماء /‏ يتساقط بُعدُ المدى /‏ فأخاف».
المصدر: د. كاظم مؤنس

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها