النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11889 الثلاثاء 26 اكتوبر 2021 الموافق 20 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

العدد 11823 السبت 21 أغسطس 2021 الموافق 13 محرم 1442

الوباء الماضي.. يرسم مستقبل الحياة

أمل خالد أمين
رابط مختصر
جلس (ثاقب) في حديقة منزله، ارتشف الشاي بالنعناع وهو يسحب دفتر مذكراته، ارتدى نظارته، ثم اتكأ على الكرسي ببطء. عجبًا كم تمر السنون بسرعة، لقد غطت الشعرات البيضاء رأسه، وارتسمت على وجهه تجاعيد الزمن، تنحنح في مكانه ثم بدأ بالقراءة: اسمي (ثاقب)، أو يمكنكم مناداتي بعود الثقاب، نعم يمكنكم تسميتي بهذا الاسم، لا بأس فلقد اعتدت عليه، أنه اسم «ظريف» أطلقه أصدقائي علي كوني طويل ونحيل. حسنًا دعونا من هذا الهراء، سأبدأ بكتابة ما حدث اليوم.
في يوم عادي من بدايات شهر يناير لعام 2020، وفي سنتي الدراسية الأولى بالمرحلة الثانوية، عدت إلى المنزل بعد يومٍ طويل وممل في المدرسة. بصراحة لا أعلم أن كانت الدروس هي من تزداد صعوبة أم أنا من يزداد غباءً، رميت حقيبتي جانبًا ثم استلقيت على الفراش، رن هاتفي، لقد كان المتصل صديقي (عمر)، كانت محادثتنا طويلة، ما فهمته أن هنالك فيروسًا خطيرًا يدعى كورونا، ظهر في الصين.
قال لي صديقي (عمر) إن احتاط جيدًا، وإن استعمل مطهرات لتعقيم اليدين، كما أنه أخبرني بأنه سيذهب للمدرسة يوم غدٍ مرتديًا الكمامات وقفازات الأيدي، لم أعر الموضوع اهتمامًا. (عمر) وسواسي جداً، وإن ارتدى هذا الأبله الكمام والقفازات فسأتظاهر بأنني لا اعرفه.
مر الأسبوع بسرعة، وبدأ اسم الفايروس ينتشر في كل مكان، أصبح موضوع الناس وشغلهم الشاغل، نوهت وزارة التربية والتعليم عن توقف التعلم الحضوري، وأقرت باتباع آلية التعلم عن بعد. بصراحة شديدة لقد كان التعلم في تلك الفترة فوضى عارمة، مر الفصل ثقيلاً وبدأت الإجازة الصيفية، بدأ الناس يشعرون بالملل القاتل، لقد اقبل شهر رمضان والمساجد مغلقة، كم أنا آسف وحزين من هذا الوضع.
لقد ازداد خطر هذا الوباء. مئاتٌ من الناس أصيبوا وهم يعانون في غرف المستشفيات، تتأرجح أرواحهم بين الحياة والموت.. لا يعرفون مصائرهم. حمل الناس آمالاً كبيرة بأن تنتهي هذه الجائحة وأن تعود الحياة كما كانت، مر العام الأول ولكن الوضع لم يتغير، بدأت السنة الجديدة.. أنها مشابهة لسنة 2020 بشكل مثير للريبة، فهذا الوباء يتطور ويزداد خطورة، الكثير خمنوا بأن ما قد حصل هو عقاب من الله. أنا مؤمن أيضًا بهذا الامر تمام اليقين، فالبشر تمادوا كثيرًا في جبروتهم وعصيانهم، العالم أصبح كئيبًا جدًا وخالٍ من الاطمئنان.
الأيام أصبحت متشابهة لا جديد فيها سوى الخوف والقلق من المستقبل، أفضل الموت على هذه الحياة، لقد مرت ست سنوات دون أن نرى بصيصًا من النور، الوضع يزداد سوءًا حيث ازدادت نسبة السمنة بشكل يفوق التوقعات! مؤكد بأن السبب هو الاكتئاب والافراط في تناول الطعام وعدم ممارسة الرياضة، نظرت إلى صوري القديمة، كم اشتاق إلى حياتي السابقة، وكم اشتقت للقب عود الثقاب، لكن يبدو أني أصبحت علبة الثقاب الآن.
توصل الأطباء إلى اللقاح أخيرًا بعد ظهور الفايروس بثلاث سنوات، ولكنهم لم يعثروا على لقاح للمرض الجديد وهو (الحمى السوداء)! أو ما يسمى (داء الليشيمينيات الحشوي) والذي ينتقل من إناث بعوض يسمى الفاصدة الباباتاسية. هذه الحشرات المقززة تعيش في المناطق المدارية، لكنها تكاثرت بشكل مفرط في السنوات الاخيرة، ازدادت أعدادها بشكل هائل فبدأت بالانتقال إلى جميع أرجاء العالم كي تحصل على غذائها.
حسنًا.. هذه المرة السادسة التي خرجت فيها من منزلي خلال الأربع سنوات الماضية، احضرت دفتري وها أنا اكتب فيه، لم اعتد قط على كتابة مذكراتي، أنا إنسان فوضوي ولا أحب الاحتفاظ بذكرياتي، اشعر كما لو أني أعيش أحداث فيلمًا سينمائيًا.
يا إلهي ما هذا؟! هنالك موجة عملاقة من بعوض الفاصدة التي تعرضت إلى إشعاعات نتيجة حادث انفجار المصنع النووي في السنة الماضية، أصيبت حينها بخلل في جيناتها فأصبحت ضخمة في الحجم! لا أريد أن تكون نهايتي ملتهمًا من قبل بعوض عملاق لعين.
جلست واخوتي في صالة منزلنا لنسلي أنفسنا بألعاب الفيديو، أخذ (ايهم) يصيح بي غاضبًا، كنت انظر إليه وأنا اضحك باستفزاز فقد كنت اهزمه في اللعبة باستمرار. فجأة ومن دون سابق إنذار توقف الأنترنت. ذهبنا إلى والدي لنخبره عن المشكلة، فاتصل بالشركة ولكن في أثناء مكالمته اتضح أن الأنترنت انقطع في جميع أنحاء العالم! ذكرت له الموظفة أن ما حصل نتيجة الضغط الشديد على الشبكات.
أغلق أبي الهاتف وهو يزفر قائلاً بضيق: لابد أن المشكلة ستدوم لفترة طويلة. وكان أبي محقًا، لقد مر شهر طويل وثقيل، تساءلت في نفسي كيف كان الناس يعيشون حياتهم من دون الإنترنت؟! حياتنا تغيرت بعد انقطاع الإنترنت. في بداية الأمر كنت أظن بأنني لن أستطيع أن استغني عنه لكنني اكتشفت بأنني كنت أهدر وقتي في عوالم افتراضية لا نفع منها، في هذا الوقت أصبحت اقضي وقتي مع اخوتي وأسرتي، ربما الهواتف والأجهزة هي من كانت تبعدنا آلاف الأميال عن بعضنا البعض بينما نعيش تحت سقف واحد.
لقد تعلمت مهارات جديدة، وأصبحت أحب القراءة أكثر مما سبق، أصبح لي صديق جديد هو الكتاب، ولا أنسى دفتر مذكراتي الذي رافقني في كل مغامرة. سمعت اليوم خبرًا بأن الدول ستستخدم مبيدًا قويًا لإبادة الحشرات المسببة للأمراض، لكنهم يدركون جيدًا بأن هذا المبيد سيترك اثرًا قويًا على جميع النباتات، من الممكن أن تقتلها، ولكن كيف سيعيش البشر حينها؟!
أخذ أبي بعض الأوراق والصحف وقام بتثبيتها بالشريط اللاصق على منافذ أبواب المنزل، في منتصف اليوم التالي سمعنا أصوات الطائرات في حينا، لابد أنهم بدؤا رش المبيدات. خرجنا من بيوتنا بعد أسبوع لنرى كيف أصبح المشهد! لقد كانت الشوارع مغطاة بالحشرات الميتة! أخذت دوريات التنظيف تلف الطرقات.
حزن الناس بموت الطبيعة جراء استخدام هذا المبيد، ونظير ذلك نظموا حملة عالمية بعنوان (لنعد الأرض خضراءُ كما كانت)، ارتدى الجميع كماماتهم وتوجهوا إلى زراعة النباتات. فالصين واليابان وتايوان، عملوا على صناعة آلات تخدم البيئة، مهمتها شفط الغازات السامة والهواء الملوث وتخزين الغازات والأشعة الضارة ثم إعادة تركيبها كيميائياً كي تصبح غير ضارة للطبيعة، أما أمريكا وكندا فقد ابتكروا طرقًا لإنشاء مصانعا لا تساعد على تلوث البيئة، بينما ألمانيا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا قاموا بصنع سيارات كهربائية، حتى يقللوا احتمالية تلوث البيئة من جديد، وقامت تايلاند وروسيا باستعمال غواصاتهم واستخراج أكياس البلاستيك ومساعدة الحيوانات المتضررة.
بعد مرور أربع سنوات سجلت الدراسات نسبةً كبيرةً من انخفاض معدل الأمراض، أصبحت الحياة خالية من الأوبئة، بدأت الحياة تعود إلى مجاريها، بل أفضل مما كانت عليه. وأدرك الجميع بأن كوكبنا هو أمانة أعطانا إياها الله، يجب ان نرعاها بأعيننا. لقد تعلمنا من هذه التجربة ألا يجد اليأس والإحباط والتشاؤم إلى قلوبنا طريقاً، ربما كانت هذه التجربة هي النهاية للفساد في الأرض، لقد تعلمنا منها الكثير، وأنا سعيد بأن أعيش هذه الحياة بعد أعوامٍ طويلة منذُ بدأت الجائحة.
المصدر: أمل خالد أمين

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها