النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11760 السبت 19 يونيو 2021 الموافق 9 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

عن الناس والأرض والبحر والينابيع

العدد 11753 السبت 12 يونيو 2021 الموافق 2 ذو القعدة 1442

كتاب «جرداب.. فيها عينٌ جارية»

يوسف حسن
رابط مختصر
انتقل الشاعر البحريني العريق تقي محمد البحارنة للسكن في جرداب منذ ما يقرب من خمسين عامًا، فكيف رأى الشاعر البحارنة تلك القرية الطفلة الناعسة، والمستلقية على تربة الأرض المشمسة الندية الخضراء، وهي تدلي بقدميها الحافيتين، مشاكسة رذاذ الأمواج الخافتة والمضمخة بعبير الطلع وأريج الأترنج وأشجار اللوز الفارعة؟ وكيف استفزت هذه الطبيعة الجميلة العذراء والمستعصية على البوح أو الكشف عن سحرها وأسرارها الجمالية وخفاياها أحاسيس ومشاعر البحارنة؟ وكيف استجابت مرغمة ملكاته اللغوية والإبداعية، لإغواء مفاتنها..؟ فألقى برحله في حماها وملأ قلبه بحبها وأحضانه بجناها:
ألقيت رحلي في حماها وملأت كفي من جناهـــــا
جرداب..... فاتنتي وفي البحرين أشباه سواها
فيها سكنت.. ولم يزل في القلب مخضر هواهـا
سبحان من قسم الجمال فخصها..... ثم اجتباها
هل سرت يومًا في الحقول وهل مشيت على ثراها
ولم يرضَ البحارنة أو يكتفِ بالسكن في جرداب حتى أوغر صدر صديقه «أبوغسان» الأستاذ الوجيه الحاج عبدالرسول الجشي، ذلك الرجل المحبب الودود والمعروف بمواقفه الوطنية وعطائه الأريحي، حتى اضطره الرحيل عن مدينة الصخب وتعدد الألسنة واللغات الخلاسية والزجاج والأسمنت وليكون جاره الكريم والحميم في جرداب، ذلك المنتجع الرافه الرحيم، يقول في لغة أليفة دافئة مرنة طيعة خفيفة الوزن عذبة الإيقاع، امتلك نواصيها وشواردها البحارنة موجهًا خطابه إلى حميمه الجشي في الوقت الذي يعارض فيه لامية ابن الرومي:
نقل فؤادك في غرامه جرداب من بعد المنامه
حسنًا فعلت أخي فقد صار الغرام بها غرامه
أين الجوار وقد مضى عنها الأشاوس والنشامه
واحتل ساحتها الأجانب واستباحتها... الرطانه
جرداب ينشرح الفؤاد لها..... وتحلو الابتسامه
من زرقة الأمواج عيناها ومن ومض الغمامه
ومن الشذى أنسامها وحديثها سجع الحمامه
ورداؤها عشب وبالأزهار..... قد وشى حزامه
ألتمس العذر، حيث ألهتني جرداب «الشعر» عن جرداب «الكتاب» لمؤلفه الإعلامي والباحث والناشط الاجتماعي الأستاذ حسين مدن، والذي بلغت صفحاته أربعمائة صفحة تقريبًا من الحجم المتوسط، موزعة على اثني عشر فصلا، لم يستثنِ الكتاب في هذه الفصول شأنًا حياتيًا أو تاريخيًا أو مكانيًا أو نشاطًا إنسانيًا أو طقسًا دينيًا أو قيمًا اجتماعية أو أخلاقية أو علاقات فردية وجماعية إلا وأفسح له المؤلف مساحة في معماره الرحب الواسع الكبير «جرداب» في طباعة أنيقة فاخرة وورق جميل مصقول، والذي هو من حيث المضمون والصور والشكل والأداء والتقنية، وبمصادره ومراجعه العربية والأجنبية والتوثيقية، أشبه بنتاج مؤسسة أكاديمية إعلامية كبرى.
لا يخامرني شك أو يخالطني ارتياب أن حسين مدن قد أحب قريته جرداب وعينها النضاحة الساحرة «عين الحكيم»، والتي كنى عنها بمصطلح قرآني هو «عين جارية» عنوانًا ملحقًا لكتابه «جرداب»، وهو في هذا يلتقي مع السياب شاعر العراق الكبير في حبه نهر «بويب» وقريته جيكور، حيث كانت تصحبه أمه إلى قرية جيكور وهو لما يزل بعد طفلاً ليلعب ويلهو بالكائنات الصغيرة في ذلك النهر الصغير بويب، وبعد فقده أمه أصبحت جيكور القرية والنهر بويب بديلاً رمزيًا للأم المفتقدة لدى السياب، ففي واحدة من مداخلاته الشعرية يؤنسن القرية وكائناتها الطبيعية لتقوم بفعل ومقام الأم الحانية الرؤوم على ولدها، فتمسد مواضع الألم في جسده وتمسح على جبينه بالسعف والسنبل اليانع الطري، وتمد عليه رداء الظلال الأسمر الناعم، والليل الدافئ، كما تدثر الأم وليدها وتحميه من برد الشتاء ولفح الهجير، يقول السياب:
جيكور مسي جبيني فهو ملتهب
مسيه بالسعف والسنبل الترف
مدي عليه الظلال السمر تنسحب
ليلا فتخفي هجيري في حناياها
لو لم تكن جرداب بأصالة وعراقة أهلها وبساطتهم وطيبتهم وكرمهم، بهذا القدر من الجمال الطبيعي والبشري، وبهذا العمق التاريخي الضارب في الأزل، لكانت جرداب بهذا الكتاب أكثر أصالة وعراقة وسحرًا وجمالاً، فهو أي هذا الكتاب أشبه بالموسوعة التي ألمت بكل صغيرة وكبيرة عن جرداب الناس والأرض والبحر والطبيعة والنخل والينابيع والعيون، وحسنا فعل حسين مدن حيث أدرك برؤيته البعيدة الثاقبة أن الإله الطوطم أو الفطحل الزاحف برؤوسه الحجرية الصماء، وعيونه الزجاجية العمياء، لن يبقي أرضًا ولا طبيعة أو بلدة أو قرية على حالها، لتنمو نموًا فطريًا طبيعيًا وإنسانيًا يتطور بحتمية قانون الكون الطبيعي، لذلك، فليكن الكتاب الذاكرة التاريخية وما يذكر الأبناء بالآباء، وليكن الكتاب الرسالة، من آباء وأسلاف جرداب الكبار إلى أبنائهم وأجيال أبنائهم وأحفادهم القادمين.

المصدر: يوسف حسن

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها