النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11760 السبت 19 يونيو 2021 الموافق 9 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

العدد 11753 السبت 12 يونيو 2021 الموافق 2 ذو القعدة 1442

قرار نهائي

جعفر الديري
رابط مختصر
كان قد وصل لقرار نهائي، وهذا يعني أن يعيش التجربة الرهيبة نفسها، وأن يعانيَ مضاعفاتها للمرَّة الثانية. إن جسمه ما زال يحتفظ بآثار الجراح الماضية، وإنَّه ليشعر بقشعريرة تسري في أوصاله لمجرَّد التذكُّر، غير أنَّ السجن أو الفقر أشدُّ وطأة على نفسه، وإذا كانت الزوجة المُحبَّة ستتفهُّم الأمر، فهل سيعي أولاده أنَّ أباهم مطالب بمبالغ كبيرة، وعليه تسديدها للناس وإلا فسيكون مصيره السجن لسنوات طوال؟ كيف وأكبرهم لا تجاوز الرابعة عشرة، وأصغرهم فتح عينيه وفي فمه ملعقة من ذهب.
أحسَّ بلمسة رقيقة على كتفه. ابتسم رغم ضيقه وكدره.. اجلسي يا زوجتي العزيزة. جلست، مُؤمَّلة بصيصًا من الضوء... فقال: لقد خذلنا الرجل، رفض أن يقرضني دينارًا واحدًا. لزمت الصمت، عاجزة عن قول كلمة واحدة... لا بد من حلٍّ سريع، الناس لن ينتظروا أكثر.
بدت أشبه بسمكة تقاوم التيَّار... فقالت: ليس لنا إلاَّ.. إنفجرت في البكاء... وتابعة: جد حلّا آخر أرجوك. ما باليد حيلة. لقد أوشكت على الهلاك في المرَّة الماضية. كان الله بالعون. إنَّ صحتك لم تعد كما في السابق، سيسلبون ما تبقَّى من قوَّتك. بقال: فاليأخذوا روحي لو شاؤوا، لن أترككم للضياع.
أمسكت بكفَّيه وراحت تغمرهما بقبلاتها.. أرجوك، سنجد حلاً، صدِّقني نستطيع تخطّي الأمر. قال: ليس سوى حَلٍّ واحد، أنتِ تعلمين ذلك. كررت: أرجوك. فقال في تصميم: لا يوجد متسع من الوقت يا زوحتي العزيزة، علي أن أنهيَ الأمر قبل عودة الأولاد. وأضاف في صوت مرعب: إيّاكِ أن تدخلي البيت أحد ولا حتَّى الطبيب، إيّاكِ. وبسرعة، ركض لغرفة المكتب. أوصد الباب، ثمَّ أزاح السجّاد عن الأرض، فبدت حفرة كبيرة مغطّاة بقرص شديد الإحكام والصلابة. نزع ما فيه من مغاليق، ورفع الغطاء، ثمَّ ألقى بنفسه.
وقع في مكان مظلم، شديد العفونة، يشبه قبرًا كبيرًا. ردَّد كلمات غير مفهومة وأحرف مبعثرة، وعينيه شاخصتين للأمام. انتشرت رائحة غريبة، تلاها دخان كثيف، وارتفعت أصوات منكرة. برزت أشكال أحسّ بها تحوطه من كل جانب، ثمَّ تبيَّن مسخًا مهُولاً بعينين كشعلتي نار، ونابين يصلان للأرض، يجلس على كرسيٍ كبير.
قال في صوت مضطرب: جئت أطلب خدمة. ردّ المسخ وهو يحرِّك لسانه مُتلذِّذًا: لا بأس، لكن الثمن مضاعف هذه المرّة. أوشك على التراجع لولا أن لاحت له صور أطفاله، فقال بشجاعة: خذ ما شئت. أمسكت به أيد ثقيلة كالصخر راحت تهصُر جسمه، حتى شعر بعظامه تتكسّر، ثمَّ انغرزت أنياب ضخمة، لم تبق قطرة دم في أوردته. صاح بكلُّ ما تبقَّى في جسده من قوّة، حشرج، ثمّ هوى إلى الأرض.
فتح عينيه ليجد زوجته جالسة بالقرب منه، جاحظة العينين ممتقعة الوجه. تأمّل في المرآة الكبيرة أمامه، هاله أنَّ وجهه شاخ حتّى برزت عظامه، وتحوَّل شعر رأسه للبياض، ونحف جسمه بشكل مروِّع. أراد أن يقول شيئا غير أن عينيه اصطدمتا بعين رجل قدَّر أنَّه الطبيب. اختلس نظرة غضبى لزوجه، قبل أن يسأله الرجل مرتابا: ماذا جرى لك؟ في جسمك 20 جرحًا لم أشاهد مثلها في حياتي. قال: لا أعلم، أصابني الضعف والوهن بشكل فجائي. فقال الطبيب: كنت ملقىً على الأرض بلا حراك، جسدك كالخشبة. فأجابه: صدقني إنَّها حال غريبة تردني بين حين وآخر، دون أن أعرف لها سببا. فقال الطبيب: ألم يعتدِ عليك أحد؟ ألم تشرب سمًّا أو شيئًا من هذا القبيل؟ فأجاب: لم أحاول الانتحار إن كنت تقصد ذلك.
قال الطبيب: عمومًا لقد وصفت لك بعض الأدوية والمنشِّطات. ثم التفت لزوجته: أرجو أن لا تغفلي عن زوجك إنه بحاجة ماسَّة للعناية والراحة. غاب الطبيب، فانفجرت في البكاء... وهي تقول: حمدا لله أنَّك عُدَّت إلينا. فقال الزوج: سينتهي كل شيء خلال أيام، ناوليني هاتفي المحمول. استلمه بيد مرتعشة، تطلَّع فيه باهتمام، ثمَّ ابتسم رغم ألمِه الشديد... لقد دفعوا مبلغًا ضخمًا. حمدت الزوجة الله، وتابع: يمكننا الآن قضاء ما علينا من ديون، والبدء بمشروع جديد. فقالت: لن تفعلها مرَّة أخرى، أرجوك. ابتسم ساخرًا.. لم تعد بي طاقة على مرَّة ثالثة. أتعدني؟ سألته، وأجابها: أعدك.
ألقت برأسها على صدره، حين التفت للنافذة فشاهد نابان يطلّان من وراء زجاجها.

المصدر: جعفر الديري

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها