النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11760 السبت 19 يونيو 2021 الموافق 9 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

من عزلة الظلّ إلى فضاء التجريد المخفف..

العدد 11753 السبت 12 يونيو 2021 الموافق 2 ذو القعدة 1442

شريفة يتيم: لا بدّ من جهة تأخذ على عاتقها الترويج للفن التشكيلي البحريني عالميًا

رابط مختصر
على إيقاع التناغم اللوني، تطوف بلا وعيها في فضاءات اللوحة البيضاء، لتترك للون قدرته الجاذبة على تكوين اللوحة، دون تدخل واعٍ في تفاصيلها، فاللوحة كما تراها أشبه برحلة صوفية، يترك المعقول وراء مرتحلها، «ليأخذك اللاوعي إلى ارتحالاتك فيها، هي أقرب لأعمال اللامعقول أو اللامقصود، القادر على خلق نسق وانسجام في تفاصيلها، حيث يتجلى اللون بقدرته الخلاقة، بعيدًا عن قصدية التناظر المقيت، وواحدية اللون الميتة»، فاللوحة مساحة لتفريغ تلك الأحاسيس اللاواعية النابعة من ذهنية فنانها، والتي تتجلى ما أن تلامس الريشة سطح كانفسها، مستثيرةً تسلسلاً من اللمسات الأخرى التي تشكل في مجملها تكوين اللوحة، ليترك للوعي مساحةً ضئيلة يشغلها في نهاية العمل، حيث يكون مسؤولاً عن التهذيب والتشذيب، لتصير اللوحة قابلةً للعرض.

هكذا تنظر الفنانة (شريفة يتيم) للعمل الفني بوصفه تجليًا للسيكولوجية الداخلية للإنسان، فالفن «أداة علاج وتنفيس» نشهد تجلياتها اليوم ونحن في ظل هذا الوباء الكريه، إذ يبرز الفن أداةً لتجميل حياة أضحت لا طبيعية بسببه، ويحولها بفعليته إلى حياة جميلة ملأى باللون.. وهذا ما يجعل الفن في ظل هذا الوباء ضرورةً ملحةً، وهو السبب ذاته الذي دفع يتيم لإطلاق معرضها الشخصي في «جاليري بنت الشيخ»، الكائن في «المودا مول»، إلا أن إجراءات الإغلاق الجزئي الأخيرة حالت دون افتتاحه، بيد أنه «كما للون مقدرة على بعث البهجة والأمل.. سنأمل دائمًا أن ينتهي هذا الوباء، وتعود الحياة إلى دورتها الطبيعية»، وعندها سيكون المعرض مشرعًا أبوابه أمام الجمهور.
من هذا الأمل ندخل إلى تفاصيل تجربة الفنانة يتيم، مستطلعين اشتغالها الذي دام سنينًا في عزلة الظل، إذ لم يسبق لها أن شاركت في معرض، أو أقامت معرضًا شخصيًا، إلا في بواكير بداياتها، فقد كانت ترسم لنفسها كما تقول، مع حرصها على تطوير وعيها الفني ومتابعة الجديد في عالم التشكيل، من خلال الدراسة الدائمة وورش العمل.. وهذا ما تفصّل فيه من خلال هذا الحوار:

] تبدأ التجارب الفنية بالموهبة المبكرة التي تقود نحو اشتغالٍ فني محترف، يرتكن للإشهار لتعريف الآخرين بحضوره على الصعيد الفني، بيد أنك اخترت الظل، وقلة قليلة تعرف اشتغالك الفني، فمتى بدأ هذا الاشتغال؟
كالآخرين، استهواني الفن منذ بداياتي الأولى، بيد أن ذلك تعزز مع تخرّجي من الثانوية، إذ قادني شغفي بالرسم لدراسة التربية الفنية في «معهد المعلمات» الذي تحول إلى «كلية البحرين الجامعية للعلوم والآداب والتربية»، التي شكّلت نواة «جامعة البحرين». وفور تخرّجي عملت مدرسةً للتربية الفنية في «وزارة التربية والتعليم»، إلا أن ذلك لم يدم سوى بضع شهور، تركت التدريس بعدها بسبب المنهج الذي لم يرتقِ إلى طموحاتي آنذاك لفن تشكيلي شمولي وطموح.
سافرت بعدها إلى لبنان لدراسة علم النفس، وخلال دراستي هناك كنت حريصةً على تطوير مهاراتي الفنية، فحضرت العديد من ورش العمل.. ومنذ ذاك لم تنقطع علاقتي بالفن، رغم انشغالي عنه على الصعيد المهني. فبعد تخرّجي واصلت فضولي الفني، فكنت أقصد عددًا من البلدان العربية والأجنبية لحضور الورشات الفنية، كالأردن وبريطانيا، وفي السنوات الأخيرة انتظمت في دراسة الفن بفرنسا، لأكون بذلك مطلعةً على كل جديد، إلى جانب الرسم الذي لم أنقطع عنه يومًا.

] ما الذي دعاك لاختيار الظل والاشتغال في صمت، مع أن الساحة التشكيلية البحرينية نشطة منذ بداياتها وحتى اليوم؟
واقعًا يعود السبب الأكبر لانشغالي المهني طوال السنين الماضية، إلا أني لا أحب الظهور بطبيعتي، وهذا ما جعلني أمارس اشتغالي في الظل.. فرغم مشاركتي في بواكير تجربتي الفنية بمعرض مشترك نظمته «جمعية البحرين للفنون التشكيلية» أواخر ثمانينات القرن الماضي، إلى جانب مشاركاتي السابقة في المعارض المدرسية، إلا أني حبذت الظل في مسيرتي اللاحقة، ولم أكن مهتمةً بإقامة أي معرض فني، إذ انصبّ اهتمامي على تطوير تجربتي الفنية، لهذا كنت في مسعى دائم للالتحاق بورش العمل والدورات الفنية، وهذا ما أوصلني أخيرًا للالتحاق بدورة على يد الفنان العالمي الكردي الفرنسي (عنايت عطار) الذي أتتلمذ على يده، وقد ألحّ عليّ، هو ومجموعة من الأساتذة، لعرض أعمالي أو الخروج من منطقة الظل تلك؛ نظرًا لنضج تجربتي ووصولها إلى مرحلة الخصوصية التي تجعل من أعمالي ذات هوية تعكسها للمتلقي دون أن يقرأ اسمي.
على إثر هذا الإلحاح، كان من المقرّر أن أقيم عددًا من المعارض الفنية في بلاد مختلفة، كتركيا لترددي الدائم عليها على مدى (13) عامًا، وروسيا التي نسّقت مع السفير أحمد الساعاتي، سفير البحرين، لهذا المعرض، إلى جانب فرنسا، إلا أن الجائحة اجتاحت العالم وعطّلت كل هذه المشاريع، فلجأت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة (إنستغرام)، إذ أنشأت صفحةً بمنزلة معرض افتراضي دائم لاشتغالاتي الفنية.

] وماذا عن إقامة معرض في الداخل؟
كالمعارض الأخرى، عطّلته الجائحة، إذ أعددت لهذا المعرض مؤخرًا، وكان من المقرّر أن يفتتح أبوابه للجمهور في «جاليري بنت الشيخ» بـ«المودا مول» لصاحبته تهاني العصفور، إلا أن الإجراءات الاستثنائية المتعلقة بالإغلاق الجزئي التي اتخذها «الفريق الوطني للتصدي لفيروس كورونا» أجّلت هذا المعرض لما بعد رفع الإغلاق، وسيكون حينها متاحًا للجمهور، إذ سيتسنّى لهم الاطلاع على أعمالي الفنية التي حرصت في اختيارها على أن يتعرّف المتلقي البحريني والمقيم إلى اشتغالي بمختلف مراحله.

] ما توصيفك لمراحل اشتغالكِ على مدى زمنية ممارستك للفن؟ وما المبرّرات التي دعتك للانغماس في إطار مدرسة دون أخرى؟
يمكن توصيف البدايات بالانطباعية، حيث انعكاس المرئي من الطبيعة والأمكنة، وتسجيله بشكل فني، إلا أن ذلك لم يلبث حتى تطور، بعد انغماس معمّق في الاطلاع والقراءة، والتعذية البصرية من خلال زيارة المعارض على الصعيد المحلي والخارجي، ما أدى إلى تطوير تجربتي، والتحرّر من الانطباعية للغوص في عوالم السريالية التي أسرتني بجمالياتها، فكنت أمزج بينها وبين الانطباعية، وهو ما أخذني إلى فضاء الفنون الرمزية التي نقلتني بدورها إلى التجريد.
وباطلاع أساتذتي على المنحى التجريدي الذي أخذته لوحاتي، أوصوني ألا أنغمس في التجريد البحت؛ نظرًا لعدم اتساقه مع تجربتي الفنية، لهذا اتخذ اشتغالي التجريدي منحى مخففًا، وهو ما أسميه بـ«التجريد المخفف». مع العلم بأني كنت رافضةً للتجريد بوصفه فنًا غامضًا، يخالف طبيعتي التي تجنح نحو الوضوح، خاصة في العمل الفني، لكني أرتضيته مخففًا كتطور طبيعي لاشتغالي، خاصة أني شغوفةٌ بفن الكولاج، الأقرب للتجريد من المدارس الأخرى.
إلى جانب كون التجريد يمتاز بالعمق، فهو بمنزلة تحدٍ يستدعي دراسةً لاستكشاف أغواره، هذا بالإضافة إلى كونه مليئًا بالغموض الذي استهواني، فاللوحة ملأى بالطلاسم التي تستدعي التفكيك والقراءة، وهذا ما يترك للمتلقي حرية التأويل، التي كنت أرفضها كما أشرت سلفًا، إلا أني استهويت ذلك الجانب، ورحت أنغمس فيه أكثر.. خاصة أن الرمزية أضحت توجهًا عصريًا، ليس في الفن التشكيلي فقط، بل في الأدب، والمسرح، والسينما...


] ماذا عن الموضوعات، تلك التي توصف على أنها أفكار تنطلق اللوحة على أساسها، فما الذي حاولت في اشتغالك معالجته أو استحضاره؟
ليس من شيء مسبق.. تجيء الأفكار بعفويتها الطارئة، فتكون من وحي رواية قرأتها، أو موقف عايشته، أو حدث عابر شهدته، أو ذكريات نوستالجية مرت بذهني... ومن وحي كل ذلك أجدني أنطلق في مشاريعي، وقد سبق أن عملت على توصيف التجربة الصوفية فنيًا، كما خصصت سلسلة لوحات لـ«الفريج» قديمًا، والأسواق، والشبابيك، والحارات، وغيرها من المواضيع التي عملت عليها بنظرة فنية مختلفة، وبعض هذه الموضوعات لم أقرّرها سلفًا، إنما طرأت من حيث اللاوعي، حين أكون بعفوية أمام كانفس اللوحة الأبيض الذي يستثير بشكل لا واعي مخيّلتي، وأنطلق في اشتغالي متتبعة هذا اللاوعي، وهي حالة أشبه بالحالة الصوفية، أو الغياب في اللوحة، استرد بعدها الوعي لأعمال التشذيب والتهذيب.

] نظرًا لكونكِ تمارسين اشتغالكِ في الظل، فكيف لكِ أن تستقي ردود الفعل النقدية؟
هناك من الأصدقاء من هم على اطلاع على تجربتي الفنية، إلى جانب أساتذتي الذين دائمًا ما يتابعون اشتغالاتي بشكل نقدي، ونظرًا لمتابعتهم للحركة الفنية العالمية، فهم أكثر مقدرةً على توجيهي نقديًا بما يتواءم وأحدث التوجهات الفنية، المؤسسة على أسس مدروسة.

] الساحة التشكيلية في البحرين ساحة نشطة من حيث الاشتغال وعدد الفنانين، إلا أنها تفتقر للنقاد، فكيف تقرأين هذه الساحة؟ وهل يشكّل غياب النقد الفني مشكلةً حقيقيةً؟
لنؤكد بادئًا أن البحرين بلد عريق على المستوى التشكيلي، وقد أنجز فنانوه العديد من الأعمال والمشاريع التي لقت رواجًا على الصعيد الإقليمي والعالمي، لكن ذلك لا يتسق ومدى العطاء الفني المحلي، فالرواج على المستوى العالمي محدودٌ جدًا، وهذا يدعونا إلى التساؤل عن أدوار الجهات الفاعلة في هذا الصدد، خاصة الجانب الرسمي، كما لا نعفي القطاع الخاص من الدور الذي ينبغي عليه أن يقوم به تجاه الثقافة عمومًا، والفن على وجه خاص.
كما أن هذه الساحة مبتلاة ببلاء الشللية، ونقص الدعم، فالفنان بحاجة ملحّة للدعم الرسمي، وأن يولى اهتمامًا على مختلف الأصعدة، إذ بذلك يتسنّى له تجاوز الحدود الجغرافية لينطلق عالميًا، وليكون قادرًا على إطلاع العالم بالمستوى الفني الذي بلغته التجربة عمومًا، إلى جانب كونه رسالةً ثقافيةً تعكس مديات التقدم الإبداعي والثقافي.
أما على صعيد النقد الفني، فهو الناقص في المعادلة التي يفترض أن تشكل الساحة الفنية المكونة من (فنان + ناقد + متلقٍ). فمنذ متابعتي لهذه الساحة لم أجد ناقدًا فنيًا حقيقيًا، قادرًا على دراسة التجارب الفنية، وتوجيهها، وقراءتها وفق المستحدث على الصعيد الفني العالمي.

] قد يبدو من الصعب الدعوة لخلق نقاد فنيين، لكن ماذا عن معالجة الخلل الآخر المتعلّق بدفع الفن البحريني لتجاوز الحدود الجغرافية والانطلاق عالميًا.. ما الذي تقترحينه؟
كما أسلفت، الفنان بحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي من الجهات الرسمية والخاصة، وإلى جانب هذا الدعم أقترح إيجاد وسيط معني بالفن، كشركة فنية مثلاً، وظيفتها تقتصر على الاشتغال الفني التشكيلي في البحرين، بحيث تمتاز برؤية شاملة لواقع التشكيل محليًا، وقادرة على معرفة مواضع النقص، كما ينبغي على هذه الشركة أن تعمل على تتبع الحركة الفنية أولاً بأول، واختيار الأعمال للترويج لها عالميًا، بالإضافة إلى تنظيم المعارض، وإقامة الندوات وورش العمل، عبر استضافة الخبرات الفنية العالمية. وتحمل على عاتقها جعل الفنان البحريني على دراية بالمستحدث في عالم الفن، وعلى دراية بالدراسات الفنية. فمثل هذه الشركة أو الجهة سيكون لها دور فاعل لو قدر لها الوجود، في وضع الفن التشكيلي البحريني على خريطة التشكل في العالم.
المصدر: سيد أحمد رضا

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها