النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11651 الثلاثاء 2 مارس 2021 الموافق 18 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

العدد 11641 السبت 20 فبراير 2021 الموافق 8 رجب 1442

«زهرة الأوركيدا» لجعفر يعقوب.. كورونا الاختبار!

علي خميس الفردان
رابط مختصر
يطالعنا الروائي الأستاذ جعفر يعقوب في روايته زهرة الأوركيدا. بغلاف أبيض، وزهرة أوركيد وردية اللون، وحارس يعتمر قبعة، دون أن يرتدي كماماً يحميه من مخاطر جائحة الكرونا، التي كانت شاغل هذه الرواية. وللبياض والزهرة والحارس دلالات سيميائية، تسقط نفسها على أجواء وشخوص الرواية. فالأبيض يرمز لدى كل الشعوب للنقاء والسلام. وهي الصبغة التي لونت مزاج الشخصيات التي كشفت عنها حوارات عكست نوايا الخير في جميع محطاتها. وزهرة الأوركيد هي أجمل وأقدم الزهور. يعود تاريخها لعام 700 قبل الميلاد. لقبها كونفوشيوس بزهرة عطر الملوك. ويعتقد قدماء الصينيين أن رؤيتها في المنام، تعبر عن الحاجة للحب. لذا جاء اختيارها موفقاً، لتعبر عن حب سامٍ، تجسد في أكثر من موضع. حب أمير لأخته سارة المدللة. وحبه العذري المتبادل مع زميلته أزهار. أما الحارس فيحمل دلالة على الحفظ والأمان والاستقرار والصديق المخلص، كما ورد في تفسير الأحلام لابن سيرين. وقد تمثل في مواضع كثيرة من الرواية. أمير حارس أخته بعاطفته الفطرية. أزهار حارس أمير العقائدي. الصديق حسن حارس أمير الفكري. الكاتبة تسنيم حارسة الأم رزان الروحانية. والحارس الأقوى حضور الإيمان بالله الذي ظهر جلياً كحارس لعقيدة الشخصيات طوال الرواية.
انسابت الرواية بسلاسة كنهر متدفق. بلغة سردية جميلة وحوارات سهلة ومباشرة. وبلغة فصيحة. اتحفنا خلال رحلة الفصول التسعة عشر، بلطائف التضمينات والإشارات الدلالية. وقد بدت الرواية أنها تستهدف فئة الشباب على وجه الخصوص. دعم هذا الاتجاه أن أكثر الشخصيات من فئة ينتمون لجيل المدرسة والجامعة.
تجولت بنا الرواية بين دولتين وبيئتين. تركيا، حيث حطت الأسرة في مطار أنقرة في ختام رحلة ممتعة حافلة بالمرح والمشاهدات الجميلة. والبحرين موطن الأسرة. ولم يوغل كثيراً في وصف الحياة في تركيا وطبيعتها وطبائع الناس فيها، إلا تلميحات تشير إلى بعض المناطق ووصف المطار والفندق. فلم يضمن الكاتب شخصيات تركية تلعب أدواراً مهمة. فقد كانت مجرد محطة عبور مثيرة افتتح بها روايته. ثم البحرين حيث موطن جميع الشخصيات. وهنا أيضاً لم تقدم الرواية للقارئ الأجنبي صورة لطبيعة المجتمع البحريني المادية والاجتماعية. سوى شذرات عابرة.
نسجت فصول الرواية حول حدث محوري أساسي هو ظهور جائحة كرونا في العالم. وقصتين رئيستين: الأولى قصة الإغلاق وعلوق المسافرين في المطارات خارج البحرين. كانت تدور حول علوق عائلة أمير في مطار أنقرة. والثانية رحلة أمير من الشك إلى الإيمان في حوارات عقائدية مبسطة دارت بين أمير الذي يعيش حالة الشك، التي كشفها اعتقاده أن هناك ظلماً في اصابة الأبرياء من الناس بفيروس المرض دون ذنب اقترفوه، وبين أمه وصديقه حسن وأخيراً بينه وزميلة دراسته أزهار المؤمنة، ذات القدرة على المحاورة بصبر وبصيرة. تخلل الرواية أحداث فرعية داعمة كوفاة الخالة حكمية والصديق الرياضي رحيمي بفيروس كرونا. والتطوع ضمن الفريق الوطني لمقاومة جائحة كرونا. ووفاة أزهار وهي تؤدي واجبها الوطني.
نحت المؤلف شخصيات الرواية بعناية. أظهر من خلالها حالتها الطبيعية النفسية والحركة الواقعية. وقد خدم ذلك انسياب الرواية وبلوغ غايتها المنشودة. ولو تناولنا الشخصية المحورية، نجدها: شخصية أمير. ذلك الشاب المدلل الذي لم يخبر من الحياة شيئاً سوى اللهو والمتعة. متكلاً في كل شيء على عائلته. يعيش حالة الشك (أبي تسمح لي بسؤال: لماذا يتركنا الله وحدنا مع الكرونا؟ أليس هذا ظلمٌ فوق طاقتنا؟) ص79 (يا عبقري -يعني صديقه حسن-، أرني ماذا فعل الله ليحمينا من الكرونا) ص82. ويعبر عن شكه في عقيدة التطير بالغربان (كنت استخفُّ بهذا التفكير المنحط. كما أرفض تلك التصورات الحجرية، التي تعشعش في موروثنا الثقافي. كم كنت أجادل أمي وحسن العبقري في خرافة تلك التقاليد). قدوته في ذلك والده حسين الليبرالي(هو متخلفٌ وأنا صعبٌ. ربما ذلك ما أخذته عن أبي التقدمي). يشفق على أمه المؤمنة. ويسم صديقه حسن بالفيلسوف الرجعي (تساءلت عن العبقري حسن هل هو متخلفٌ أو مستحمرٌ، لمجرد أنه صار يسلم بالأفكار الدينية، ويتصالح معها كحقائق مطلقة. لماذا لا يضع نسبية لكونها خرافة، منبتها الجهل بتصورات عقلانية متنورة). وبذلك هيأ شخصيته للتحول عندما عاد والتقى زميلته أزهار (كنت أعلم أن إيماني يتزعزع ويقيني على شفا السقوط في بئرٍ عميقٍ مظلمٍ لكني كنت غير مستعد لمواصلة الطريق كالأعمى) ص82. (الآن تزلزلت السكينة التي اثَّثت بها أمي قلبي الصغير) ص83.
وبالنظر إلى بعض الشخصيات المؤثرة في الرواية نجد: شخصية رزان أم أمير إمرأة بسيطة كانت غير محجبة. صدمت بفقد بكرها حسام، فتحجبت تعيش مع خوفها وسبحتها، تتلو القرآن صابرة محتسبة (هي برغم ما يحدث لم يتأثر يقينها، بأن تنزل عليها مائدة من اللطف) ص83. ادمنت قراءة روايات الكاتبة الكويتية تسنيم الحبيب. لذا كان تأثيرها على أمير تأثيرا عاطفيا سطحيا. أما حسين والد أمير فمحام علماني ليبرالي قوي. عصبي المزاج لكنه طيب حنون. كان له اثر قوي على أمير في أن يعيش التحرر من الإيمان السادج، والشك في الغيبيات. أما الخالة حكيمة، فمتصوفة. أهدت أمير مجموعة فردوسي الشعرية في سن الخامسة عشرة، فغرست بذلك أصولاً إيمانية بقيت في الخلفية تنتظر وقتها. وصديقه وابن عمه حسن. نحيف طويل كنخيل عذاري. متدين، يقبل على القراءة. مهووس بتفسير الأحلام. يقدس النوم. الكاتبة تسنيم الحبيب. تدمن أم أمير قراءة رواياتها. تشعر أن هناك تماسا روحيا وألفة بينما. قالت عنها (تتكئ على خيط من المشاعر الدافئة التي تنقلك من ومضة ضوء إلى أخرى لتشعر بالصفاء الروحي. ثم تستلك بهدوء لاكتشاف جوهرك الإنساني. إنها تبحث عن الأنا الضائعة فينا لنبلورها في غدير نقي نستحم فيه لنكون اكثر طهارة) ص33.
ثم أزهار. فتاة جامعية، وزميلة لأمير في مشروع جامعي. مثقفة مطلعة، قوية الإيمان والحجة، لبقة الأسلوب. تمكنت من استمالة أمير والتحليق به من قاع الشك إلى واحة الإيمان. فحدث التحول: (رنت كلمة سارة في أذني وغبطتها على هذا الهدوء الروحي الذي تسكن فيه كما تسكن الفراشة على ضوء القنديل) ص83. وكانت سببا في إقدامه على التطوع. نبض قلباهما بالحب. لكن فيروس كرونا اختطفها منه قبل الأوان. وكأنها وجدت لتكمل رسالتها وتمضي.


الرواية بأسلوبها السردي، وأجواء حواراتها أصلح لفئة الشباب. وقد وثقت الرواية جانباً من مأساة جائحة فايروس كرونا، في شهوره الأولى. وربما يأخذ البعض على هذا تسرع الكاتب في توثيق حدث لم تكتمل صورته بعد. ولكن المتأمل يكتشف أن الكاتب لم يكن يريد التوثيق. بقد ما كان يريد الاستفادة منه كجسر لغايته الكبرى. فوظف الخوف المصاحب لظهور الحدث لينسج قصة تحول أمير من الشك إلى الإيمان.
وجه الكاتب قارئه ضمنا لمجموعة من القيم التي أفرزتها معاناة الشخصيات ممثلة لشرائح اجتماعية، جراء جائحة كرونا: منها قيم التعاون في المطار والتطوع. البحث عن الحقيقة قيمة فكرية وإنسانية عالية تمثلت في رحلة أمير. الصبر على فجائع الفقد. قيم الإخلاص والتفاني في خدمة الوطن.
ذكرتنا هذه الرواية بقصص السيدة بنت الهدى كظت «الفضيلة تنتصر» ورواية «الخروج من مدينة الزجاج» لتسنيم الحبيب. فقد وظف الكاتب الجائحة لخدمة غرض ايديولوجي، قدم من خلالها لقرائه الشباب المشكك في قدرة الله وإحاطته، أنموذجاً لشاب خاض تجربة الشك والبحث عن حقيقة الإيمان من خلال محاورة بسيطة شيقة بين أمير وزميلته أزهار. مؤكداً من خلال العديد من الرسائل الضمنية، أن الاعتقاد لا يمكن أن يخضع للإكراه. والأساس فيه حرية الإنسان. والحوار الحر المتجرد القائم على الدليل والبرهان، هو الطريق السليم. وأن جمال الحياة يكمن في رباط الحب العجيب. فهو خيط السبحة التي تجمع حولها الخرزات المتنافرة. لذا فتح خــيط المحبة بين أمير وأزهار قلبه على القناعــة وتقبل الحوار والتأمل في الدلائل. وختــم بأن جمال الحياة يكمن في التضحية وخدمـة الأوطان، فكان التطوع خاتمة الحب والإيمان.
المصدر: علي خميس الفردان

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها