النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11651 الثلاثاء 2 مارس 2021 الموافق 18 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

ترجم قبل عدة سنوات.. وأعاد «مشروع نقل المعارف» ترجمته دون داعٍ

العدد 11634 السبت 13 فبراير 2021 الموافق غرة رجب 1442

«معنى الحياة» للناقد إيغلتون.. محاولةٌ لبلوغ ما لا يُبلغ!

رابط مختصر
أيمكنُ الإجابة على سؤال «ما معنى الحياة؟»، باختزالات كالسعادة، السلطة، الثروة، القوة، الرغبة، المكانة، الجاه.. أم أن الإجابة خليطٌ من بعض تلك الأمور أو كلها؟ إن سؤال المعنى سؤالٌ صعبُ في ذاته، لكن أيمكنُ أن نحاول الوصول إلى ما نركنُ إليه؟ ومن القادر على أن يصيغ لنا إجابة نطمئنُ إليها؟ أهو الدين، أم الفلسفة، أم العلم، أم الفن، أم الروحانيات، أم هي أفكارٌ تُجمعُ من كل تلك المجالات، لتصاغ في أشكالٍ تندرج تحت مفهوم (تطوير الذات) أو غيرها؟ ثم هل صحيحُ هذا السؤال؟ وهل كلمة (معنى) في الجزء الأول ذات معنى؟ أتملك كلمة (حياة) دلالات محددة حتى نسأل بهذا التركيب الصحيح لغوياً، والغمضُ أو الخاطئ تفكيكياً؟
تبدو المقدمة في ذاتها مبعثرة، أو مشتتة، هذا لأن الإجابة على سؤال المعنى تبعثرك في كل اتجاه، وتشتتك، فإن إردت أن تظفر بمعنىٍ للحياة، فليس كتاب «معنى الحياة.. مقدمة وجيزة»، للناقد البريطاني (تيري إيغلتون) مناسبُ للوصول إلى إجابةٍ نهائية، ستجدها في مكانٍ آخر.. فلا سبيل للحصول على إجابة نهائية، تستريح إليها في هذا الكتاب.

إعادة ترجمة المترجم!
صدر الكتاب مؤخراً ضمن «مشروع نقل المعارف» التابع لـ«هيئة البحرين للثقافة والآثار»، وقامت بترجمته الباحثة السورية رندة بعث، بيد أن الكتاب سبق وترجم للعربية بترجمةٍ رصينة، وممتازة لا تقل جودة عن ترجمة «نقل المعارف»، وذلك قبل عدة أعوام (2014)، عن «مؤسسة هنداوي للثقافة»، إذ ترجمتهُ المترجمة المصرية شيماء الريدي، ولسنا نعلمُ لم تكلف المشروع مشقة ترجمتهُ مجدداً؟ إذ أن الأولى إيلاء الكتب غير المترجمة أولوية، فليس من داعٍ لهدر الموارد، في وقتٍ نحنُ اشدُ حاجة لنقل كمٍ لا يحصى من الكتب الغير مترجمة، والتي يأمل الكثيرون أن تترجم، ولهذا يفترضُ بالمؤسسات العربية، المشتغلة في مجال الترجمة، أن توجد نوعاً من التواصل والتنسيق، لتنظيم هذه الجهود، والخروج بأكبر قدرٍ من الإستفادة.

مبحثُ سام..
عودةً للكتاب، سنحاولُ في هذه القراءة، إلقاء نظرة على ما يريدهُ (إيغلتون) من موضوع هو في ذاته موسعُ ولا متناهٍ، مع العلم بأن سلسلة «مقدمة قصيرة جداً» أو «وجيزة» مشروعُ يلقي نظرةً شمولية (بانورامية) على مختلف الموضوعات، ليقدم ألماحةً بسيطةً عنها، فالكتاب يقعُ في (175)، يحاول عبرها (إيغلتون) الوصول إلى أصلح الإجابات عن سؤال «ما معنى الحياة؟»، ذلك السؤال الذي شغل ذهنية الإنسان منذُ بواكيرهُ الأولى، ليتجلى في إجابات متعددة، وذات أبعاد مختلفة، فالمعنى يبقى دون إجابةِ حاسمة.. ويقرُ (إيغلتون) بذلك في مقدمته، إذ يقول: «معنى الحياة موضوع يناسب الممسوسين أو الفكاهيين، وأتمنى أن أكون قد وقعت في المجموعة الثانية أكثر مما في الأولى»، واصفاً هذا المبحث بـ «المبحث السام»، نظراً لصعوبت الخوض فيه، لكن دعونا ننظر كيف حاول (إيغلتون) معالجة هذا المبحث، الذي يمسُ مختلف نطاقات المعرفة الإنسانية؛ من الدين، إلى الفلسفة، وصولاً للأدب، والفن، والعلوم..
يقسمُ (إيغلتون) كتابهُ إلى أربعة فصول، مستحضراً فيها الفلسفة، والسينما، والدين، والمسرح، والأدب، وحتى الموسيقى.. وكل جوانب الثقافة الإنسانية، ليصل إلى مفاهيم يشاركها قارئ الكتاب، وبالطلع لن يصل إلى إجاباتٍ منتهية، عن سؤال سيبقى مطروحاً ما بقي الإنسان، أو ما ينوبُ عنهُ من كيانات واعية.

جدوى السؤال..
يؤكدُ (إيغلتون) بأن وظيفة الفلسفة أن تحلل الأسئلة، أكثر من كونها تعطي إجابةً عنها، فسؤالٌ مثل «ما معنى الحياة؟»، قد لا يكون ذي معنىٍ بمنظور الفلسفة، أو هو أشبهُ بسؤال «ما طعم علم الهندسة؟»، هذا ما يجعل (إيغلتون) يلمحُ لنا صعوبة الخوض في البحث عن معنى، «نسطتيع أن نضفي معنىً على الحياة بالحديث عنها؛ لكن لا يمكن أن يكون لها معنى بحد ذاتها أكثر مما يمكن أن يكون هنالك معنى لغيمة»، ولهذا يستعيضُ عن هذا السؤال بسؤال آخر يجدهُ أهم من الأول وهو «لماذا يوجد أي شيءٍ أصلاً، بدلاً من العدم؟»، ثم يروح في تفصيل هذا السؤال، مستنداً إلى أطاريح الفيلسوف (فتغنشتاين)، الذي وصل إلى اعتقاد يفيد بأن «عدداً كبيراً جداً من الألغاز الفلسفية يصدر من أشخاص يخطئون في استعمال اللغة»، بمعنى صياغة أسئلة صحيحة من الناحية اللغوية والنحوية، ولكنها خاطئة من حيثُ المعنى!
هذا ما يسلط الفصل الأول الضوء عليه، تفكيك فلسفي لسؤال معنى الحياة، من فلاسفة القرن التاسع عشر، وصولاً لما بعد الحداثة، حيثُ أن السؤال نفسه لم يظهر إلا في القرون الأخيرة بصيغته الحالية، واشتد الاهتمام به في القرن العشرين، وعلى ذلك يقول (إيغلتون): «قد يكون واحد من أسباب تفكر القرن العشرين بقلق في معنى الوجود على نحوٍ أكثر اكتراباً من معظم الحقبات أنه اعتبر حياة الإنسان رخيصة على نحو مرعب».
ويستنتجُ (إيغلتون)، في نهاية هذا الفصل بأنهُ «كلما سخرت العلوم الإنسانية لحاجات الاقتصاد، تخلت عن مهمة تحري الأسئلة الأساسية؛ فسارع لملء مكانها بائعو - الوهم - (....). بات معنى الحياة الآن صناعةً مربحة. التهمت بحماسة كتب تحمل عناوين من قبيل (الميتافيزيقا من أجل المصرفيين التجار). لقد اتجه رجالٌ ونساءٌ تحرروا من سحر عالم مهووس بصنع المال نحو متعهدي الحقيقة الروحية الذين جمعوا مبالغ طائلة من بيعها».

عن (المعنى) في ذاته
يمهدُ (إيغلتون) لمساءلت المعاني التي تدعي أنها تجيب على سؤال معنى الحياة، ففي الفصل الثاني «معضلة المعنى»، يؤكد بأن هذا السؤال، «هو أحد تلك الأسئلة النادرة التي تكون فيها كل كلمة إشكالية»، حيثُ يخوضُ في تفاصيل إشكالية كلمة (معنى)، من مرادفاتها، وما نريدهُ من دلالةٍ عند استخدامها، مستعرضاً مقاطع أدبية من مسرحيات شكسبير ليوضح لنا هذا الإرباك، ليتساءل فيما بعد: «لماذا يسعى المرء إلى معرفة معنى الحياة؟ هل هو متأكد من أن ذلك سيساعده في أن تكون حياته أفضل؟»، ويستعرض آراء الأدباء، والفلاسفة، وعلماء النفس حول ذلك، ليستعرض وجهة المناصرين للمعنى بالمفهوم الخير، وأولئك الذين يرونهُ معنىً شريراً، وبين هؤلاء يقول (إيغلتون) «على وجه الإكمال، كان التاريخ البشري بالفعل حكاية شح وبؤس واستغلال أكثر مما كان خرافة كياسة وتنوير. وأولئك الذي يفترضون أنه يجب بالفعل أن يكون للحياة معنى، معنىً يرتقي بالإنسان، عليهم مواجهة التحدي المحزن لشخصٍ مثل شوبنهاور، إذ يرغمهم عمله على الكفاح بقوة لجعل رؤاهم تبدو أي شيء أكثر من سلوان مسكن»، وكأن (إيغلتون) يجانب الجهة التي ترى في البحث عن المعنى لا معنى، وهذا ما يؤكدهُ قوله «تخيلك الزائف بأن العالم يمكن أن يكون نوعاً ما حافلاً بالمعنى على نحو متأصل هو الذي يجعلك تشعر بالتحطم عندما تكتشف أنه ليس كذلك».

وهم المعنى أو أفوله
في الفصل الثالث «أفول المعنى»، يشرحُ (إيغلتون) مجموعة من الأعمال الأدبية لكبار الفلاسفة والروائيين، ليسجل ملاحظاته عليها، خاصة تلك الميالة للعبثة، مؤكداً بأن العبثية التي يرى فيها أنصارها حلاً لمعضلة المعنى، هي في حد ذاتها تشكل جزءاً من معضلة المعنى، وهذا ما حدى بالأديب (صمويل بيكيت) إلى الهروب من البحث عن معنى، وذلك في مسرحيته «في انتظار غودو»، والتي تمثل «تأجيل مستمر للمعنى» كما يقول (إيغلتون) الذي يبحرُ في عالم (بيكيت)، الممثل لأفول المعنى، أو كما يسميه «تأخير المعنى»، والذي تتجلى في عددٍ من الأعمال الأدبية التي يتطرق لها (إيغلتون).
ليصل إلى نتيجةً مفادها بأنّا «منغمسون بالفعل وسط المعنى، أينما وجدنا أنفسنا. نحن منسوجون بمعاني الآخرين، وهي معانٍ لم يتسن لنا اختيارها، على الرغم من أنها توفر الحصانة التي نتوصل ضمنها لفهم أنفسنا والعالم. بهذا المعنى أو ربما بكل المعاني، تغدو فكرة أن بوسعنا تحديد معنى حياتنا وهماً».


ماذا عن (الحياة)
يتطرقُ الفصل الرابع إلى سؤال «هل الحياة هي ما نصنعه منها؟»، إذ يناقشُ في هذا الفصل إشكالية كلمة (الحياة)، متسائلاً: «أليس من المؤكد أن السبب في عدم قدرتنا على التحدث عن معنى الحياة هو عدم وجود شيءٍ محدد هو الحياة؟». إن كل توصيف للحياة، يقارعهُ (إيغلتون) بجسارة، إذ يسخر من أولئك الذين يتحدثون عن الحياة باستعارات من قبيل: الحياة مضحكة، ملهى، وادٍ من الدوع، سريرٌ من الورد.. هذه الاستعارات، «بالكاد تبدو تبدو (...) صالحة لبناء قضية»، بيد أنهُ كذلك ينتقد أولئك القائلين «بأن كل (المقولات) المتعلقة بحياة البشر خاوية»، واصفاً مقولتهم هذه بأنها كذلك «خاوية»، ذلك لأنهُ «من غير الصحيح أن حقائق ملموسة معينة هي وحدها تملك أي قوة».
وعندما نقول بأن السعادة هي الهدف الذي نكافح من أجله، وهي معنى الحياة، أو الحياة هي السعادة، فإن (إيغلتون) يقول «ما الذي يعدُ سعادة؟»، حيثُ يناقش معنى السعادة بوجهة نظر أرسطو، وسبنوزا، وماركس، وعدد من الفلاسفة، ليخلص إلى أنهُ «إذا كانت السعادة حالةً عقلية، فربما تتوقف جدالاً على ظروف المرء المادية»، فهي في نهاية المطاف قضية ليست مفروغاً منها، أما من يذهبون إلى القول بأن الحياة هي القوة، أو بأن القوة معنى الحياة، فهو معنىٍ أشكالي، أما الثروة، «فنحنُ نعيش في حضارةٍ تنكر بورع أن الثروة غايةٌ في ذاتها، وتعاملها تحديداً على هذا النحو عملياً». أما ما ذهب إليه (فرويد) من كون معنى الحياة هو الرغبة، فيصفهُ (إيغلتون) بالمعنى التأملي، «وإذا كان للحياة معنىً حقاً، فمن المؤكد أنه ليس من هذا النوع».

ماذا عن معنى الحياة؟
يستنتجُ (إيغلتون) بأن إجابة سؤال «ما معنى الحياة؟»، أقرب ما تكون كامنة، أي أنها تستدعي تفصيلاً، لكنهُ يخلصُ إلى وسيلة لتمثيل هذه الإجابة، إذ يرى بأن «معنى الحياة ليس حلاً لمعضلة، بل مسألة عيشٍ بطريقة معينة. فهو ليس ميتافيزيقياً، بل أخلاقي. كما أن ليس منفصلاً عن الحياة، إلا أنه ما يجعلها جديرة بالعيش؛ ما يعني نوعية معينة من الحياة وعمقاً ووفرة وكثافة فيها. بهذا المعنى، معنى الحياة هو الحياة ذاتها، منظورًا إليها بطريقة معينة»، ورغم ذلك، يؤكدُ (إيغلتون) بأن هذه الإجابة لن تطوي السؤال، فهو يقول: «من سمات الحداثة أنهُ نادراً ما يطوى أي سؤال مهم. الحداثة هي، الحقبة التي نتوصل فيها إلى إدراك عجزنا عن الاتفاق حتى على أكثر القضايا حيوية وأساسية».
المصدر: سيد أحمد رضا

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها