النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11651 الثلاثاء 2 مارس 2021 الموافق 18 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

في سياق حديثه عن ميديولوجية الفيلسوف الفرنسي دوبريه.. الباحث السوداني عثمان:

العدد 11627 السبت 6 فبراير 2021 الموافق 24 جمادى الآخرة 1442

من مشكلات الثقافة العربية استلاف النظريات بنتائجها!

رابط مختصر
في محاضرة شرح فيها المفاهيم الأساسية لـ«نظرية الميديولوجيا» التي قدمها الفيلسوف الفرنسي (ريجيس دوبريه)، استعرض الباحث السوداني غسان عثمان، أواخر (ديسمبر) الماضي في «مركز الشيخ إبرهيم للثقافة والبحوث»، هذه النظرية، عبر محاضرة معنونة بـ«دوبريه: الميديولوجيا والكتابة العربية»، مقاربًا هذه النظرية على أبنية الثقافة العربية، وتحولاتها، متطرقًا إلى سياقات الاستفادة منها لفهم الوسيط الحامل للرسالة، وما يمارسه هذا الوسيط من تأثير على المعرفة.

في معنى «الميديولوجيا»
إذ تعرف (الميديولوجيا) بوصفها النظرية المختصة «بدراسة وسائل الاتصال والتواصل وتأثيرها على الإنسان من حيث تشكيل الوعي والتأثير الأيديولوجي، وفرض القيم والمفاهيم الجديدة»، وإذ إن (الميديولوجيا) لا تتعلق بالوسائل الحديثة فحسب، كوسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإنترنت المختلفة، إنما تشمل كل أشكال الوسائط، من التلفاز والراديو.. وصولاً إلى كل أشكال الحوامل (الوسائط) التي استخدمها الإنسان، قبل أن يشرع في الكتابة على الرقم الحجرية، أو الرسومات الجدارية، إذ استخدم اللغة، والصوت، بوصفها وسائط ناقلة للرسالة قبل كل أشكال الوسائط الأخرى، التي تتوالد اليوم بشكل متنامٍ.
غسان، الذي مارس اشتغاله البحثي منتجًا مجموعة من الأعمال الفكرية، من بينها «محمد عابد الجابري.. قراءة في نقد العقل»، و«العلمانية؛ في نقد السؤال الحضاري»، و«الهوية.. تفكيك المقولات الفاسدة»، و«عنف النخبة.. قراءة في التكوين والامتياز»، تنامى اهتمامه بهذه النظرية من منطلق سؤاله: «لماذا حينما نقرأ في الثقافة والتراث العربي، نجد أسماءً بعينها تخترق الزمان الثقافي، وتعيش حياةً أكثر من حياتها؟ فلماذا يعيش المتنبي أكثر ممن زامنوه من شعراء؟ وتبقى مقدمة ابن خلدون حاضرةً أكثر من نصوص كثيرة؟ ولماذا تعلو نصوص وتسقط نصوص؟»، هذه التساؤلات أخذت عثمان إلى فضاءات (الميديولوجيا) التي تؤكد أن الوسيط أهم من الرسالة.
يقارب عثمان هذا الفهم بما طرحه المفكر الفرنسي (ميشال فوكو) حينما أشار إلى أن «الكلمات والأشياء حينما تتشكل في نظام للخطاب، تنتج معارف ليست هي المعارف ذاتها التي صنعت بها، بل تتحوّل الأشياء داخل الكلمات إلى كلمات متناهية، تقبل بأن يصبح لها تأويلات لا نهائية»، وهذا ما يعني أن اللغة بوصفها وسيطًا تمكن الخطاب من الانتقال من المرسل (منتج هذا الخطاب) إلى المتلقي (الذي يقرأه)، بيد أن اللغة ذاتها بوصفها وسيطًا، تفتتح آفاقًا متعددة لفهم الخطاب، فلا يعود لزامًا أن يتلقى المتلقي الخطاب كما أراده المرسل، وإنما بمنظار تأويلي آخر.
لهذا يرى عثمان أننا «أمام نظرية جديدة تنظر للمعرفة وتحاول اكتشاف أحوال الكتابة، وكيف يمكن لهذه المعرفة أن تعيش في أزمان ثقافية لا متناهية»، ومن هنا جاء اشتغل عثمان بقضية المعرفة، والكتابة، والوسيط، والزمن، والسلطة، وغيرها من المفاهيم التي تتصل اتصالاً مباشرًا بما طرحه (دوبريه) في نظريته.


الوسيط بوصفه مخلقًا
يؤكد عثمان أن (دوبريه) شدد على أن «البيئة التي يعيش فيها النص، وتعيش فيها اللغة، أو بشكل إجمالي (الحوامل) ليست بيئة بكماء، تنقل من وإلى.. دون أن يكون لها تأثير ممارس»، ويقارب ذلك بالنظر إلى ما تركته الحضارة الفرعونية، «فهذه الحضارة دوّنت الكثير من التدوينات التي كانت آنذاك تدوينات للحياة اليومية، لكن حينما ننظر إليها اليوم لا ننظر لها بوصفها يوميات هامشية في حياة أفراد، وإنما قراءة لواقع حياتي تاريخي»، فبالرغم من كون كتابها لم ينظروا إليها على أنها كذلك، أو أن أناسًا سيأتون في المستقبل لقراءتها بهذه الصورة، إلا أنها تشكل وسائط تحمل حوامل من المعرفة تحوّلت من معرفة بسيطة آنذاك، إلى أخرى (ذات أهمية) في وقتنا الحاضر.
وهذا ما يجعل عثمان يرفض النظرة الكلاسيكية التي تعتقد أن «الوسيط: صوتًا، كتابةً، صورةً... إلخ، لا يبني محتوى ما مع الأمر الذي يحمله»، مشيرًا إلى أن (دوبريه)، تأكيدًا لدور الوسيط وتشكيل الحوامل، كتب متوسعًا في «حياة الصورة وموتها»، إلى جانب ذلك يقول عثمان إن (دوبريه) يرى «الفنون عمومًا بوصفها أفخاخ الوعي، وذلك يعني أن طبيعة الفهوم التي تتركب على الصورة، أو على قرائتنا للنص ما، في زمن ثقافي تختلف باختلاف البيئة الثقافية أو زمنها الذي يمارسها الحامل لهذه الفنون»، فالوسط -كما يبيّن عثمان- «هو العلاقة التكافلية بين المحتوى والمتلقي»، ولفهم أوسع، نعود للباحث التونسي عبدالسلام الزبيدي الذي قدم (دوبريه) للعالم العربي عبر كتاب «الميديولوجيا لدى ريجيس دوبريه.. فلسفة الإنسان المبلغ»، إذ يبيّن الزبيدي أن (الميديولوجيا) «مبحث يقدم تحقيبًا للتاريخ عبر وسائط الإبلاغ والنقل للأفكار والعقائد والأساطير والأيديولوجيات، بالإضافة إلى دور الواسطة في تشكيل رؤيتنا للعالم، أي أن الواسطة (كتابًا أو كنيسة أو وسيلة إعلام) تفكر نيابةً عنا».

الميديولوجيا والكتابة العربية
يلفت عثمان إلى أن «واحدةً من مشكلاتنا في الثقافة العربية هي استلاف النظريات بنتائجها، فيما المطلوب هو اكتشاف طبيعة الأدوات التي صنعت هذه النتائج، وتطبيقها على بيئتنا للخروج بنتائج تخصّنا»، مبينًا «إذا ما نظرنا للمتنبي كنموذج من الثقافة العربية، سنجده حيًا، وسيعيش طويلاً، مع أنه لم يستند إلى سلطة أكثر من سلطته كشاعر، لكن ما جعله يحيا ليس مقتصرًا على ما قدمه فقط، وإنما هناك سلطة ما غائبة، مارست شيئًا من إعادة توليد وتكرار لمحتوى ثابت يسمى (شعر المتنبي)، والسؤال ما هو هذا الوسيط؟».
يعتقد عثمان أن الزمن الثقافي لعب دورًا في ما يتعلق بنموذج المتنبي، ولفهم هذا الدور لا بد من قراءته بآليات (الميديولوجيا) كما يطرحها (دوبريه)، إذ تحاول هذه النظرية إلى جانب محاولاتها المتعددة، «دراسة كيف تتحوّل الكتابة أو الشعر.. إلخ إلى سلطة»، مع التأكيد أن الكتابة هي الأخرى «فخ، إذ تتعدّد الفهوم للنص الواحد، إذ يكون النص قابلاً لخلق فهوم جديدة دائمًا»، وهذه الفهوم تولد معها سلطات جديدة كذلك.
ويشير عثمان إلى أن «الكتابة العربية تحمل معنى هوياتي، فقد استوعبت المعارف، وحوّلتها بقوة اللغة والوعي إلى نص عربي، وهذا لا يقتصر على الكتابات المكتوبة باللغة العربية، وإنما بكل اللغات التي انصهرت في الثقافة العربية، في فترات قوتها، وهذا يجرّنا إلى ما استطاعت العروبة بالمعنى الهوياتي أن تقوم بصهره فيها، إذ كانت لغة المعرفة؛ نظرًا لتحوّلها إلى وسيط»، أي أن المفكرين آنذاك، كانوا مضطرين للإلمام بهذه اللغة لفهم الواقع المعرفي لذلك الزمان، إذ مارست العربية (بوصفها وسيطًا أو ميديولوجيا) سلطةً على هؤلاء المفكرين، لتعلمها والكتابة بها.
ويختم عثمان بالتأكيد على أهمية (الميديولوجيا) التي «تضع بين أيدينا أداةً ذات أهمية بالغة لكشف الصلات غير المرئية بين (الوسيط)، وبين (المعرفة)»، مضيفًا أن (دوبريه) «استطاع أن يخلصنا من الحتميات التي تعتقد أن ثمة سلطة نهائية نمظهر بها المعرفة، إذ استطاع أن يجلي نظرية (مارشال ماكلوهان) في اعتباره الوسائط امتدادًا لحواس الإنسان، وينبهنا (دوبريه) إلى أصالة البحث عن هذه الوسائط، من خلال تشريح الوعي بها».
المصدر: المحرر الثقافي

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها