النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11651 الثلاثاء 2 مارس 2021 الموافق 18 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

حين تعصر العصافير ورد القمر ولا ترتوي

العدد 11606 السبت 16 يناير 2021 الموافق 3 جمادى الآخرة 1442

قراءة في مجموعة «ندى الأشواك، وبطاقة عشق» للشاعر علي عمران (1-2)

د. كاظم مؤنس
رابط مختصر
صدرت حديثًا مجموعة شعرية للشاعر الدكتور علي عمران بعنوان ندى الأشواك، وبطاقة عشق، والجدير بالذكر أن المجموعة حملت أيضًا ترجمة لجميع القصائد باللغة الإنجليزية، قام بترجمتها الدكتور حميد مطر.. وكلاهما يعملان في الجامعة الأهلية. ومن خلال رحلتنا في ثنايا مجموعة الشاعر لتلمّس الخصائص والسمات الفنية والموضوعية التي تشكل خصائص القصيدة ذهبنا لمناقشة المرتكزات الآتية: العنوان، اللغة، معجم الشاعر وصناعة الصورة.

العنوان
يحدد العنوان من البداية موضوعات الشاعر، سواء في بطاقة عشق أو ندى الأشواك الذي يجمع متعارضين شفافية الندى وأذى وخز الأشواك، فالعنوان هو عتبة الدخول إلى المجموعة الشعرية ونافذة تطل على الليل والموت والدمع ومهجة تكتوي بنار العشق، فهوالمرآة العاكسة لشخصيات تتوجع تتألم تحزن تتغرب، لكنها تحلم بغدٍ تنشر فيه الضياء، وتمسح الجراح الكبار، وترتحل في سفر يضمها بخضرةِ الشجر، هو اللقاء المنتظرالموعود بين الشاعر والقمر، هكذا تبدو المجموعة بعتبتها. ولعل قصيدة ندى الأشواك تصويرًا لحوار الشاعر وهو يخاطب أناه وخضرة الشجر وعقله الذاهب في جنح الظلام: «كدمعة الندى /‏ كنت غريبا /‏ يا أنا ياعشيقتي.. يا دمعة الندى /‏ يا عقلي الذاهب في جنح الظلام /‏ لا تجزعي... فمهجتي لك لثام /‏ سنغترب غدًا، لنشتري الضياء /‏ ونمسح الجراح /‏ ونركب الشراع /‏ ليومنا المعـَـد للسفر/‏ ياخضرة الشجر/‏ غدا يضمنا لقاءٌ أيها القمر».
شاعر حالم وقصيدة لا تخلو من مشاعر جياشة تنفث بالعشق اللاهب، بطلها تتلبسه الغربة التي كانت، والغربة التي يحلم بها، ويسعى إليها في غدٍ، عله يشتري الضياء ويمسح الجراح، أملٌ ينشده في الإغتراب، وفي سفرٍ محال، وتنتهي القصيدة على موعد مع الغد. والغد لايجيء. و تبقى الأماني أسيرة التمني. وفي مجموعة الشاعر يمكن تلمّس ثلاثة أنفاس تختلط مع نفس الشاعر تتجلى في قصائده هي السياب نزار قباني ومحمود درويش بوضوح في قصائد (إلى صاحبة العيون الخضراء وبطاقة عشق ويوم سعيد في صويلح).

اللغة في القصيدة
ولأننا لا نستطيع أن نفصل بين القصيدة ولغة الشاعر، فالقصيدة بأدواتها بألفاظها وكلماتها هي الفضاء الذي تتمخض فيه خبرات الشاعر، وكما يقول فرلين «الشعر يعيش في لغته»، فاللغة هي المرتكز الأساسي الذي تبرز من خلاله القصة والموضوع والغاية والعواطف المستثارة، وتكشف اللغة لدى عمران أن الاحتراق بنار الحب والوله والشغف بالعشيقة لم يتمثل في عنوان المجموعة فحسب، بل كان أيضًا من أبرز الموضوعات وأكثرها حضورًا وتكرارًا في مجموعته الشعرية: «عشيقان/‏ في جسدٍ /‏ انا والليل/‏ يؤرقني، أخاف عليه /‏ وعيوني مسجونةٌ بين يديه /‏ لطالما سحب الرِدا عني /‏ فـأوجعني.../‏ أموت من الإرهاق.. يا زمني/‏ ايها الفجر... أنتظر/‏ فأنا مثقلٌ بالجراح/‏ هاجرٌ نومَي الحلو/‏ وراحة البالِ مسلوبة من ضلوعي».
وهي لغة على بساطتها تبقى ناعمةً فاتنةً خاليةً من الجفاف والخشونة، مفرداتها تلامس المشاعر وتوقظ الإحساس والجمال. كما تكشف اللغة عن ذاتية طاغية في قصائد المجموعة، وبالتالي فهي تكشف عن صدق الشاعر مع نفسه، وما شعره إلا مرآةٌ صريحةٌ لكل ما يحس به ويعبر عنه، كقوله: «مختنق انا /‏ برحيق عينيك /‏ وقلبي برج نار في هواك /‏ ومنهــا أيــضا /‏ إني صرخت بأعلى صوت /‏ يامن تملكين الكلمات /‏ ربة الشعر اجيبي أين عشاق البيان /‏ فانا حاملٌ كل هموم المفردات /‏ لهب القوافي في دمي /‏ وعيون الكلمات».
ومهما تغلفت قصائده بالتعبير الاستعاري أو المجازي، فهي قصائد ذاتية غنائية ترتبط بتجربته وتصور نازلات الزمان وعذابات جراحاته الكبار، يتكشف ذلك بكل وضوح في قصيدته (عائد): «عائدٌ.. /‏ من لا مكان /‏ شاربٌ كل الجراح /‏ جارعٌ كل كؤوس الانتظار.../‏ وبقلبي ألف سيفٍ من عذابات الزمان».
وللغة أيضًا جمالياتها الداخلية التي يمكن أن نتلمّسها في القيمة الإيحائية للأصوات، هذه الأصوات لوحدها لها توظيف جمالي عند الشاعر فصوت حرف الألف المقصور أو الممدود ومرادفاته، كما في قصيدة سلم منسجم مع الحالة التي يعبر عنها الشاعر أو يعيشها: «سلم /‏ وصافح قلبيا /‏ إني تعديت البلا /‏ إني هرعت إلى الردى /‏ إني أنا قطر الندى /‏ سلم /‏ فدتك حياتيا /‏ إني مددت أياديا /‏ أنت الهجور ومابيا /‏ إني سحبت ردائيا». وتستمر القصيدة حتى يصل الشاعر للقول: «حبيبي ها هنا /‏ حبيبي قد دنا /‏ حبيبي يا أنا».
ويستغرق هذا الحرف مع النص طويلاً، ويوظف الشاعر هذا الصوت بدلالته في الكلمات التي استخدمها في حالة النداء والفداء وبيان الحال، ورجاء الحبيب المفدى عسى أن يسمع النداء فيسلم على قطر الندى، وهو حرف متكرر يفجر دلالات مختلفة منسجمة مع حالة وصورة الأنا لدى الشاعرالذي ينتهي في قصيدته إلى التوحد مع الحبيب بقوله: «حبيبي ها هنا /‏ حبيب قد دنا /‏ يا حبيبي يا أنا».
فينتج عن تكرار الصوت نغمًا موسيقيًا محبَّبًا ليس في القافية فحسب بل أيضًا في السطر الشعري، وتتميز لغة علي عمران كونها لغةً سهلةً مصنوعةً بعنايةٍ، وهذه ميزة تتوج باستمرار المشهد الاستهلالي على وجه الخصوص، والجدير بالذكر أن قصائد الشاعر ملأى بالتساؤلات، وهي بالضرورة ترجمة لرؤى وقلق نفسي يتجلى بحوار الشاعر مع شخصياته، كما في قصيدته (خيول المساء): «سألتك...يا أجمل طيرٍ/‏ بأجملِ كفٍ /‏ لماذا تطير العصافير تحت المطر؟ /‏ وتشرب ريح الشتاء /‏ وتعصر ورد القمر؟ /‏ وتمشي على الشوك طول الدهر».
وتتحايث هذه التساؤلات مع سؤاله العدمي عن عدم جدوى العمر كما في قصيدته (يجي العمر بلا أحداق): «أما آن لليل من رعشة؟ /‏ أما آن للدرب من شمعة؟»، وتستمر القصيدة حتى تصل لسؤال الشاعر: «من يمسح دمعات محترقات؟ /‏ في الكبد الظمأى وفي الأغصان /‏ ويجيء العمر بلا أحداق /‏ بلا أحضان /‏ بلا أرواح». فلا شمعة تضيء الدرب ولا ليل ينقضي ويمضي العمر بلا أحداق يرتقب الأحداث.
المصدر: د. كاظم مؤنس

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها