النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11370 الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 2 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

العدد 11354 السبت 9 مايو 2020 الموافق 16 رمضان 1441

علي قلبك يا مريم

علي خميس الفردان
رابط مختصر
تنفست مريم الصعداء بعد ستة شهور مشبوبة بالتوتر مع زوجها. ومكابدة صراخ البنات وخلافاتهم، وشعورهم بالسأم والملل، وتحمل عبء تعليمهم بالطرق التقنية الحديثة. حقاً كانت أياماً صعبة: الحمدلله ها قد انجلت الغمة وانزاح وباء الكورونا. اليوم سينتهي ألمي وسينشغل بدوامه عني. ها هو اليوم يحضر اجتماعا مهما، لترتيب إجراءات عودتهم للعمل بالشركة.
كانت مريم امرأة تعشق الهدوء لا تدري كيف تحملت فوضوية علي والبنات في هذه الفترة. منظمة تحب بيتها وتكره بعثرة المكان. تضيق ذرعاً من بقاء زوجها في البيت، فهي ترى أن البيت سكن للرجل، وليس مكاناً للعمل. فهو الطائر الذي اعتاد التحليق والتغريد خارج عشه، يتلهى ويكسب رزقه. وعندما يأوي إليه يسعد حبيبته مريم وبناته. لكن مكوثه الطويل في البيت، قلب كيانه وأحاله إلى جحيم. يتدخل في الصغيرة والكبيرة، ويعترض على كل شيء. لقد تحول من ذلك الرجل الحنون المسالم الوديع، إلى رجل فض حاد الطباع، شديد العصبية، يصرخ لأتفه الأسباب، ولا يعجبه العجب.
وهل سأنسى يوم لطم فاطمة على سفرة الغذاء، لا لشيء إلا لأنها قالت: لا تشتهي السمك. قضت المسكينة ليلتها تبكي وتشهق وتتنفس بصعوبة. بينما هو يكابد آلام الندم ويزداد كآبة وضيقاً. لم يكن هكذا من قبل. بل كان حنونا طيباً محباً. كان يخشى على بناته من النسمة.
أطلقت مريم خيالها عبر النافذة المطلة على حديقتهم. الأشجار تتمايل طرباً، تداعبها نسمات الخريف، تبسمت بعينين غارقتين في تأملات بعيدة: ها قد انتهى عذاب العزلة، وأطلت الأيام السعيدة. ستعود بعد قليل من عملك، وتأخذني بأحضانك، تضمني كما كنت، وتمطرني بقبلات الشوق والدلال. تداعب طفلتيك وتقذف بهما عالياً في الهواء مرحاً. تحمل في يديك الشيكولاتة اللذيذة التي تحرص على إحضارها لأنني أحبها.
لقد أعدت مريم كل شيء لتحتفل معه بهذا اليوم. استنفرت كل قواها. فأعادت ترتيب مواضع أثاث البيت، وفازات وأصص الزهور. وعلقتْ لافتة جميلة مرزكشة في واجهة غرفة المعيشة. كتبت عليها: وداعاً للعزل والتباعد، وداعاً للكورونا، لا لعمل الرجال من البيوت.. وأشعلت البخور، وارتدت فستاناً عزيزاً عليها، كان آخر هدية من علي في يوم زواجهما. وخبزت كعكة زينتها بصورة لطائرة تقلع من مدرج المطار.
بينما كانت ساهمة، رن الهاتف فأخرجها من حلمها اللذيذ. هتفت بلهفة وتودد: مرحباً حبيبي، متى تعود. لكن الجواب جاء صادماً: مريم... لقد انتهى كل شيء. شهقت وتداعت في المقعد: انتهى كل شيء، كيف؟ لن أعود للشركة مرة أخرى. نشجت باضطراب وقد جف حلقها وتعرق جبينها: استغنوا عن خدمتك؟ قال بنبرة أكثر هدوءاً، وقد أحس بجزعها: ليس تماماً مريم. بل ستغلق الشركة مكتبها المحلي وتحوله إلى مكتب افتراضي بعد نجاح التجربة. لذا أعفونا من الحضور. تهدج صوتها برجفة واضحة: لم أفهم علي.. وحدة وحدة علي. سنواصل العمل من منازلنا.. أجابت بضعف وقد زاغت عينها: إلى متى؟ أجاب بنفاذ صبر: لا أدري.
انقبض قلب مريم وأحست بالدوار: لا تمزح يا علي.. والله لا أمزح. تصفحي الجرائد، حتى الدولة ستعتمد... وقبل أن يتم كلامه، أحست بلوعة، ودارت بها الدنيا، وسقط الهاتف من يدها، وهي تقول: بس يا علي.. ما أحتمل أكثر.. آه يا قلبي. ناداها: مريم.. مريم..مريم..

المصدر: علي خميس الفردان

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها