النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11370 الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 2 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

العدد 11347 السبت 2 مايو 2020 الموافق 9 رمضان 1441

قراءة في ديوان «من حيثُ لا يدري» لليلى عيد (3-4)

جميلة مسلماني
رابط مختصر
في الجزء الثاني من النص نرى تحولاً جديًا كأنها محاولة أولية للوصول إلى القليل من التوازن بعد جحيم هلاك امرأة تورطت بيوسف دون مقاومة أدى بها إلى حد التصوف وجرها مقتادة دون حيلة.. هذا التغيير الجزئي ابتدائي يصلنا بإبداع فني عبر محاور جديدة بإيحاءات تنفتح أمامنا بكثير من الاستقلالية في التركيب عبر انتقال جزئي كأنها تخرج الآن لترى ذاتها المسحوقة به. هي الآن تنصت إلى صوت الداخل في تفاعل ارتجاعي لما يحيق بها من دوران مفرغ حول هامة رجل في مخيلتها. هي بدأت تستمع وتتعرف ببساطة إلى صوت الداخل لتراها تتوازى فيه بانفتاح كلي حول مجاري اللغة وقنواتها جنبًا إلى جنب مع كل الأفكار..
نقطة تحول في كيانها أسميها المرحلة الأولى، تلهث فيها بكثير من عجز تتحرك بإيماءة من إدراك حسي يعبر من صوت الأنا المحاصر والمكتوم المثقل بالذنب إلى ما يشبه العبور بصوت داخلي نحو مواجهة الآخر: «تطول المسافات مع يوسف/‏ أنفاقًا معتمة/‏ بين تاريخ وتاريخ/‏ لا بارقة ضوء/‏ لا شعاع/‏ لا ظل/‏ لا جوع/‏ ولا عطش/‏ يصبح الوقت عدما/‏ هو يشرق ويغرب/‏ وينسم/‏ ويقسم الموشحات/‏ حاوي عقارب الساعة/‏ هو الراوي وبطل الحكاية/‏ أعلم هذا/‏ ولا أمل/‏ يجلس بيننا/‏ يجلس معه/‏ سقراط وأفلاطون/‏ وبعض السحرة/‏ يستأذنون/‏ لا يطيلون السهر../‏ يسرق عباءاتهم (بمونة ألفوها منه)/‏ وينصب منها/‏ خيمة/‏ يدعوننا إليها/‏ لنستذكر مآسينا/‏ حروبنا الصغيرة/‏ والكبيرة/‏ فتطير في أرجائها/‏ أشلاء طواحين هواء/‏ وجثث (دون كيشوتات)/‏ لا تعد ولا تحصى...»
المواجهة تبدأ ضعيفة، ها هي تتجرأ وتطلب من يوسف أن يغير وجهه ويعطيها زمنًا آخر أخرس تدفن فيه كل النزف الغارق في لوعة.. فهي تريد فرحا تغني به تتوهج به يسقط من وقع أنفاسه رعشات تغيب فيها كل النظرات ترتفع من وهجه النقاب لتعطيها عمرا يطول في بلاد الياسمين: «آه يوسف/‏ اقلب صفحة وجهك/‏ وأعطني/‏ زمنًا أخرس/‏ أوئد مرايا الدم/‏ في بحر لوعاتي/‏ ارم علي/‏ لعنة الفرح/‏ ولنغن معا../‏ ويرق/‏ باستطاعته أن يتوهج من بعيد/‏ أتعرق برذاذ أنفاسه/‏ يسقط علي/‏ هنيهات خفق عذب/‏ ورعشة../‏ تتغيب النظرات/‏ أحجيات/‏ وتعود تمتمات ومناجاة/‏ هلوسات/‏ تطول وتطول../‏ عندها/‏ يرفع النقاب/‏ عن وجوهنا/‏ فتهطل أعمارنا/‏ وترحل عنا/‏ كقطعان داشرة/‏ أميرات الذهب/‏ رفوف الحمائم/‏ وبلادنا/‏ في جيوبها الياسمين..».
يوسف يستعصي على يوسف، بخطوات أولية تعتبر نقطة تحول في إجلاء يوسف بإخلائه من يوسف!! هي مرحلة نوعية انتقالية الوقع تتربص به من أعلاه حتى أخمصه فهل يجدي به شيئًا؟
يستكين يوسف مسمرًا بينها يستجدي الساعات يظن مثلها أن السكينة بداية خلاص تنادي به كل الاحتفاءات تتكون منها ولادات قد لا تعود فأين السكون؟
«ونجلس مسمرين/‏ ساعات/‏ وساعات/‏ ننتظرها أن تعود/‏ نظن أن سكنتنا المشبعة/‏ تناديها/‏ ستسمع هي/‏ وتعود/‏ لنودعها/‏ لحظات فقط/‏ قبل أن تموت/‏ لكنها لا تعود..»، يتموضع يوسف في إنتصاراته فرحا بانتصار على الوقت الملعون هذه اللحظة تنزلق من بين يديه...كأنه من سلالة منقرضة تزدرء القلب ولا تخشى شيئا يتأفف من سؤالها ومازال لا يخشى شيئًا والريح هودجه المتأتي وسط لغة لا اصدار لها لا يفهمها سواه. هي تأمر يوسف الجاحد أن يستمع إلى الحقيقة القاسية وأن لا شفاه له بعد الآن فقد أخفت شفاهه فلا السم يأتيها ولا الكلام ينطق منه...هي الآن تحدد انطلاقة جديدة كي تحد من طغيانه.
ليس سهلاً إعادة التشكيل ليوسف هي ترميم تحجر فيها طغيان الرجل واستبداده تحاول أن تفرغ عنها حمولة زمن ثقيل أنهكها.. فها هي تسأله عن حلم منحته إياه؟ فأين هو هذا الحلم؟ «كان يوسف متكئًا/‏ على كتف ليل هارب فرحًا/‏ ربما/‏ بآخر انتصار له/‏ على الوقت/‏ (هذا الوقت الملعون يدهمنا أبدا، ويخترقنا شبحًا) /‏ أم حزينًا؟/‏ لأن كل الانتصارات/‏ لم تعد له/‏ لحظة واحدة.. /‏ هكذا/‏ لأنه هو/‏ لأنه من سلالة انقرضت/‏ لأنه يخشى شيئًا/‏ لا يفصح عنه/‏ لأننا لا نفهم لغته/‏ أعتلى منصة الريح/‏ معلنا إزدراءه القلب.... /‏ اسمع/‏ اسمع يا يوسف الجاحد/‏ لن تقبل أحدا/‏ ولن تستطيع الكلام/‏ أخفت المرأة فمك المسموم/‏ سرا على شفتيها... /‏ أعطيته حلما/‏ رآني/‏ سالته/‏ أي حلم/‏ يا يوسف تستحق؟/‏ أف كم يتكلم البشر/‏ تهدجت عيناه/‏ المثقلتان بحروب/‏ ثم زأرتا/‏ لن أبوح بأحلامي.. /‏ لماذا تهز كياني/‏ هل أشحذ سكين عيني الأخرى؟/‏ ها يموت لأحيا/‏ لأم أموت ليحيا؟».
وأنت تقرأ هذا الرجل يخيل إليك أن الحب عند يوسف هو بديل عبثي مغاير.. يتكوم فيه بفعل تراكم داخلي منه، حالته سببها نقص حنان في طفولته عكس الفطرة.. يتأرجح به كسوء فهم لا يعالج نفسه..هو أشبه برجل تربص بقلبه هلاك بكل قصد، فما كان له إلا أن يرميه عامدًا متعمدًا كأنه يسير بقدميه نحو محطة قطار وسط مطر غزير منهمر وهو ممسك بمظلة سوداء ثقبها بأنفاسه فما عادت تنفع لشيء.. صار هو مهبط المطر لا جدوى منه...
ينهار من مطر.. من أنقاض تهزه وتعيد تعريفه.. ينشطر نصفين! لا يؤلمه الموت إن يأتي بل يؤلمه الحب لفرط حرمانه.. دوامة يدور فيها لا تضيء شمسه توق المطلق نحو ما ليس فيه. وجوده لا تحديد فيه سوى إفتقار لا يقوى على متعة العيش ومتعة الحب تسحقه لأنها بديله الوحيد في ذات يظن أنه لا يستحقها..
«آه يا يوسف الأهوج/‏ لن تعلم/‏ كم منت أريد/‏ ارتشافك ببطء/‏ كسل ناعس/‏ لا يشبه نهار عمل/‏ ولا وطنا../‏ اسمع/‏ اسمع مرة أخرى/‏ أحتار من ذاتي المتحولة/‏ أمام روائحك/‏ من قلبي/‏ ومن سر تلك الرؤى/‏ أياد تشدني/‏ تنزلني/‏ تجرني/‏ إلى بحر/‏ لا يشبه بحري../‏ لكن الكل يعلم/‏ أن يوسف لا يحتار/‏ سمعناه مرة يقول/‏ إنه تقيأ/‏ كل قلب/‏ من أحشائه/‏ فلا تستغربوا/‏ ولم أكن أحمل مظلة/‏ عندما أمطر صوته/‏ القسمات الداكنة...».
الحبّ عندها فائض يبدأ ليستمر. بحث كوني يشبه حراك المدارات وإن شاء أن يهبط بها ولا يرتفع.. يتدفق بعمق تأثير التحديق إليه، بفعل تكرار شوق أنثوي فريد.. خلقت فانبثق يوسف عبرها كانتفاضة صاعقة تشوه ولادة لم تستطع فيها أن تمحي الخلل..
هي ضائعة ولم تجدها إلا عبره! تفرح مباغة الغيم ثم تطير ترسم غيمة أخرى.. كل ذلك من صنع حرفها المذعور من هول مأساتها به..


المصدر: جميلة مسلماني

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها