النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11370 الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 2 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

العدد 11340 السبت 25 ابريل 2020 الموافق 2 رمضان 1441

قراءة في ديوان «من حيثُ لا يدري» لليلى عيد (2-4)

جميلة مسلماني
رابط مختصر
يبدأ الجزء الأول بعد تمهيد بلغة سلسة لا إنهاك فيها، تتراص الصور أمامك فتراه يغيب باتجاه رصيف صار أحمق، بوصف مؤجج لغضب ذاك الرجل يوسفها.. بتحديد كامل الإدراك هي لا تريد هذا الصقيع ولا كل هذا الدفء تماما كالفراشات تؤمن أن اقتراب النار حريق يلدغ والابتعاد عنها برد يفتك.. هي الآن لا تفكر ولا تنتظر بل ترتشف زجاجة المطر لعل فيها خلاصا لسحق محتوم يلاحقها تستجدي به كي تتنفس أو لا تتنفس! أشبه باعترافات مبدأية دقيقة في تصوير ارتجافات وعواصف تكسر الهدب وتستدير: «غضب الحسن في يوسف/‏ استدار /‏ ومشى /‏ كليل آخر /‏ غاب في غمامة رصيف أحمق /‏ مثل صوتي ينادي /‏ مثل هدبي انكسر/‏ لم أكن أريد /‏ كل هذا الصقيع /‏ ولا كل هذا الدفء /‏ العاصفة لم تفكر /‏ ولم تنتظر /‏ رشفت زجاجة المطر كاملة /‏ وثملت».
يوسفها الآن شيطاني، يأتي فجرا صوته العالي مسموع فهل يريد قبلة؟ هو لا يريد قبلة منها ولا من آلهة القبل، هو الذي يستهويه عذابها ويطيب له عقابها. يوسف ليس بالرجل الجميل وليس بالرجل التقي.. هو لا يحسن التمثيل وغرامه شيطاني مختلف يجتازها رغما عنها، يجيد بقصد صدها، شرير يطبق على فمها، يبتر كل عاطفة تتأتى منها، غاضب لا يصدق سوى ما يريد ولا يريد له سوى شياطينا فيشن حربا يثقلها بها حتى يقتلعها كي تسجد له.. يوسف لا يسمع ولا يعود.. ما كان يوسف هذا يوسفها!!! «عند الفجر /‏ سأل يوسف نفسه /‏ بصوت مسموع /‏ ماذا يريد؟ /‏ قبلة؟ /‏ أم قبلة من فمي؟ /‏ من يسأل من؟ /‏ عن فم أو عن قبلة /‏ أنا إلهة القبل المشردة /‏ تسأل عن حبيب منتظر /‏ ضاع بين زمن مضى /‏ وآخر لا يأتي.../‏ غطي يد يوسف /‏ ريشة سكرى/‏ على فمي الملآن /‏ طارت /‏ بحثت حولي /‏ لم أجده /‏ في ضوء المكان الخافت»، «غضب يوسف /‏ من حسن في روحي /‏ من حنان رآه /‏ شرير /‏ يهوى لعبة الشياطين /‏ كسرت عينه /‏ جزه فرحي /‏ وما اندلق /‏ إلآ الصدق../‏ لكن يوسف /‏ لا يصدق /‏ ولا يريد إلا ما شياطينه تريد...».
فعل الكتابة عند ليلى هو خاصية شعرية تنجذب إليها بفعل القوة المتراصة تتصاعد فيها الصور باحتدام حاد يرتفع إلى الأعلى. فصل جديد يحكي ما لا يجمع بينهما، حتمية لا مفر منها، فهي تعلنها سلاما وهو يعلنها حربا يثقلها حتى أعماقها. تظل منتصبة صامدة بين ما لها وما بها، تحتار فتفتش عن طيف ضنين تعزي به أعماقها ولكن لا جدوى فيه ما تغير! يدهشنا صمودك يا امرأة بل يرهقنا ثقله عليك، كأنه طوفان عارم فكيف لك أن تعبري منه بعد هذا الكم من الألم! «أعلنت السلام /‏ أعلن الحرب /‏ ألبسني ما ليس لي /‏ أثقلني../‏ وفي الأعماق /‏ رحت أفتش /‏ عن يوسف الحسن /‏ عن يوسف آخر /‏ تراءى طيفه هنيهات /‏ لكنه غاب /‏ غاب...».


تتابع الصور فتصبح واقعية الحلم أكثر شراسة وضراوة فتقول صرت رهينة هلاك. أنت التي تتموضعي ولا تملكي سوى السؤال الآن لكن عبثا لا جواب له ودورك الوحيد فيه أنه محكوم عليك بالاحتراق من شهب عينيه.. وهو هو يوسف يشرب دم الأيام من قبعته.. أي شر هذا يحرق مراعييك ويأكلك بدم بارد دون رحمة أو رأفة.. وأنت العاجزة أمام ظلم تستجدين ملاكا.. أي هلاك هذا يا ليلى؟ «ذات مساء /‏ وضع /‏ قبعة الشر /‏ على رأسه /‏ جلس يحتسي /‏ دم الأيام المرة /‏ بشراهة وحش (هوليودي) / ساذج /‏ لا يحسن التمثيل...».
يوسفك الآن لا يسمع.. وقبعته تركت عمدا.. لكنك توهمت أنه يرتديها وأنه نسيها.. لا لم ينساها يا ليلى.. هو فقط يفعل ما يتراءى له بقصد..فيوسف لا يعرف أن يكون غير يوسف لا تعنيه فوارن براكينك ولا تعنيه أشياؤك المفقودة.. هو الذي يمشي فوقها ويتبختر. هو الذي لا يعود رغم صلواتك وابتهالاتك وما له بك إلآ أن يصرخ.. ما به ليس تحديدا لسياسة كون فقط وليس فلسفة كوكبية من عالم آخر.. بل هو إسقاط تصادمي لما بك.. رد عكسي مقصوده أن يصدم ويؤلم إلى أقصى حد.. لا نبؤة فيه!!
وأنت رغما عن كل شيء ما زلت بذاتك الممشوقة فوق الورق تنسجين حاجة جمة للارتواء حبا وحنانا فكيف يتيسر لك فهم فلسفة يوسف وأنت ترقبين فقط حلما أكبر. حلم الأمومة الذي يظل يراودك وإن لم تنال منه سوى صير الكلام... فكان له أن يحلل ويحرم أن يتمادى في طغيانه ليجعلك شيئا من أشيائه في كتابه المفقود! «يوسف لا يعود /‏ أعود أنا /‏ لأنني دائما أبحث /‏ عن أشياء مني /‏ ربما كانت في كتابه المفقود../‏ أجلس هناك /‏ أظن أنه قربي».
ما عادت صلوات يوسف تنفع.. فيلسوف شوه كونك دون أن يجفل.. لا نعمة لك فيما ينبع منه، وما يأتيك منه ليس سوى ذاتية وهمية متسلطة لا يبنى عليها. لا لن يستدره حنوك ولن يسمعك، هو فقط يفعل هو فقط يبيد يسترسل ظلما يعرف ما يفعل، هو ليس يبكي بفعل عاطفة الحب هو فقط يريد أن يرحل. «يتلو صلاته/‏ وفجأة /‏ يصرخ محددا سياسة جديدة للكون /‏ أنظر كالبلهاء /‏ لا أفهم /‏ أصر على أنه الفيلسوف /‏ أن نعما من كوكب آخر /‏ هبطت عليه /‏ وأبقته طفلا /‏ فيغمرني الحنان /‏ ويستدر حليبا في صدري...».
جزئية أخرى تتكامل فيها المشاهد، تصلك ليلى منهكة الروح وسط ارتياب يوسف.. سذاجة امرأة لا تدرك سوء النوايا حتى الآن! فأي هروب آمن لها وهي ما زالت مقيدة به فريسة سهلة يصطادها دون أن يجفل. تورط يجعلك تتساءل كيف الخروج من هذا المأزق.. صورة مبروزة في أذهاننا الآن.. هل لنا مثلها أن نعبر من تشوهات تصيبنا وتفتك بنا.. كيف لنا العبور ونحن عالقون بابتداءات لا منطق فيها.. وهل يشفع لها هذا الوعي بتغيير المسار.. تصبح ليلى أكثر انزياحا إلى ليلى.. تحاول أن تشد نفسها إليها.. تحاول انتشال روحها المسحوقة ولكنها تعلم الآن أن موتا محتما قادما يصيب ما يصيب وعيناه تتيه بها نحو صحراء تسقطها بحفاوة قاتل متمرس وما زال حتى الآن يحتكم بها ممسكا بالبوصلة إلى اللامكان... «تلك اللحظة /‏ لم تنفع صلاتي /‏ ولا النذورات /‏ أن لا يرى /‏ صقر عينه سذاجتي /‏ ويصطادني /‏ لكن يوسف لا يصطاد /‏ يطلق النار /‏ في أربعين اتجاه /‏ على رصاصة /‏ تصيب امرأة طفلة /‏ لا يستطيع /‏ أن يقتل /‏ كل النساء اللواتي /‏ قتلن أطفالهم../‏ وعيناه /‏ اللتان استقبلتاني /‏ بحفاوة الآلهة /‏ تسقطانني أحيانا /‏ وترديانني في صحراء...».
مرحلة أخرى يتمخض عنها بعض من الوعي في استدراج الإدراك لعلها المسافة بحدها الأقصى التي تجعلها تعلم أن الأقوياء هم يأخذون ما يريدون.. هو الوقت كفيل بكل شيء، فكيف لا وما بقي لها الآن إلآ أن تستعين بالمرآة مدركة أن القضية خاسرة والجلوس قبالته أم خلفه لا فرق فيه، وهو القادر على الانسجاب بنفسه كأنه سحابة ترقص تزفر الحياة وتشهق الموت؟ تمرد يوسف الجلي يجعلها تتساءل أهو نبي مليك أم نبي مات منذ زمن لتكتشف أن لا عذر له في تحطيم مرآة امرأة حتى تذوي بقاياها.. «في مساء آخر /‏ يشبه كل القضايا الخاسرة /‏ جلست المرآة خلف يوسف /‏ قبالته /‏ جلست مرآة أخرى /‏ كأنها امرأة../‏ صار سحابة /‏ مطرا سريا /‏ رقص في حضرة النظرة الوامضة /‏ وارتعش /‏ زفرة موت /‏ أم زفرة حياة؟ /‏ ظهر في الأفق /‏ نبي مات منذ زمن /‏ أهو نبيها المليك /‏ جاء يحطم البقايا /‏ أم جوادها الأغبر /‏ أتعبته مسافات/‏ غير موجودة /‏ إلا في أراضيها /‏ الشاسعة الحلم /‏ كسهول الموت؟».
مكتنزة بالحزن.. كم بقي من الوقت... لم يبق.. بل لم يعد لها منه شيئا.. وكل المسافات باتت أنفاق لا ظل فيها ولا شعاع. يوسف رجل أعدم الوقت وإدراكه بالشرق والغرب هو محض أنانية رجل لا يعبأ بالآخر، يجالس الفلاسفة والسحرة وكل ما يأتي منه لم يتغير.. يستبيح السرقة منهم يتماهى بخيمة ليست من صنعه ويدور يتطاير بين تاريخ وتاريخ يرتجل موشحات يروي فيها حكاياه... فأين أنت من هذا؟
المصدر: جميلة مسلماني - كاتبة عربية مقيمة في المملكة

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها