النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11370 الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 2 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

العدد 11333 السبت 18 ابريل 2020 الموافق 24 شعبان 1441

قراءة في ديوان «من حيثُ لا يدري» لليلى عيد (1-4)

جميلة مسلماني
رابط مختصر
ليلى عيد صحافية متمرسة وقلمها حر طليق، لها العديد من الإصدارات في الرواية والشعر الحديث.. اخترتُ الكتابة عن إصدارها الشعري «من حيث لا يدري»؛ نظرًا للحاجة الملحّة لتسليط الضوء على ماهية المرأة في عطاءاتها ورغباتها وجموحها وامتدادها، حيثُ يكمن في قلب الإنسان تناهيه، هكذا هي الشاعرة ليلى عيد، نفس بشرية دلالة جريئة على التجاوز التجريبي للاختزال، حيث يحتكم العقل بتطويع نمط الوعي بالمدارك المحيقة بنا..
اكتمال أنثوي مفعم بالعشق يعكس مرآة صافية النفس، لا تخشى انتفاضة المشاعر على الرغم من كل هذا الثقل.. تواجه بنضج شخصي انعكاسات الحياة وتناضل حتى تصل الى الانفتاح نحو ذاتها والآخر، لا تخلط بين الحرف والحرف.. لا تأويل في سداد القصد وسط هذا الكم المتأجج من عاطفة ترشح بين ضلوعها.. ترسم بالكلمات صورًا كأنها تزيح غيم السماء وتعيد تشكيله، حتى كأنها تعيد صياغة تكوينها على أكمل وجه وتبقى ثابتة قادرة على أن تجرك إليها، تتركك تتأمل وأنت في حيرة واندهاش من حيث لا تدري!
عاشقة بالفطرة.. وامرأة شعر بالفطرة لا تكتم مكنوناتها، تجعلك تستشف بأنفاسها المتأججة حبًا وتورطك في القراءة حتى تكشف لك سر هذا اليوسف.. بين رجل إلهي وبين نقيضه... بين مدن ممسوخة وذاكرة وشوارع وجثث وحزن واحتفاءات وبين بحثها عن حنان رجل وظل ظل يغيب.. وعن حلم يراودها.. بين خفتها ومناوشاتها وحراكها تواصل البحث عن أشياء فقدتها.. وبين اعترافاتها بولادة ذاك اليوسف تبقى تريد لها أن ترى ما تريد من يوسف وما ليس به..



كتابها «من حيث لا يدري» هو تجربة فريدة تنفتح فيها على القارئ لتكشف الكثير من أسرار ولادة البشر، لا سيما اختلائنا في تلك النفس والصعود بها الى أنقى الأماني شريطة العودة الى الفطرة، فطرة الخلق في تكوينه وفي ذاك التجلّي بقدرتنا على الالتفاف حول ذواتنا.
لعل هذا الكون تالف بما فيه! عالمها يشبه الكثير منا وعنا، حين لا نقدر على هذا الفيض من الهلاك وحين لا تنفع كل المحاولات لا يبقى لنا سوى تمنيات نرمم بها جدارات أنفسنا لتصبح تعويضًا قد يشفع لها، أو لنا كبديل لما ما لا نريد.. «من حيث لا يدري» هو رصد عيش تفاعلي تشقى بهلاكه الكثير من النساء، ولكن القليل منا يستطيع الاستدراك منه وعليه بما يشبه الهروب، ليمسي تحولاً بانطلاقته نحو بداية الخلق التكويني للبشر.
ليلى تريد أن تنام في رحم أمها جنينًا كي لا تعرف شيئًا عن الحياة، كأهل الكهف، لتعطل كل مقومات الحياة فيها، تستهل كتابها بتمهيد ينبعث إليك ويجعلك مشدوهًا بسلاسة تركيب اللغة في نحت تصويري متتابع. ففطرتنا تقتضي نومًا لا مفر منه، هو مرحلة بيولوجية إلزامية في حيوات الأفراد، كان وسيبقى دومًا حالة استرخاء ضرورية لا حركة فيها ولا شعور والقصد منه تجديدًا لخلايانا وسلامًا تستجديه منفردة تستسقي نومًا لا تستفيق منه تصبو منه مكانًا آمنًا وحقيقيًا في حضن نبي أصيل يمنحها حنو أبيها.
أحن الى النوم
في رحم أمي
جنينا
لا يعرف عن الحياة شيئًا
أريد نومة أهل الكهف
ولا أريد أن أستفيق
إلا في حضن نبي أصيل
يشبه وجهه وجه أبي.
خبايا ليلى حكاية آتية من انشطار القمر، فعفاريتها تشطر القمر قلبين أحمر بأحمر، كأنما هذا الوهج يتقلقل بين ضلوعها مترنمًا ثم متوددًا لا ينفك يوقعها بفخ أسئلة مدجّجة تضج بها لتنطلق إليك عبر قلبها.. تحث ذاتها للبحث عن جواب لسؤال يدور بين ثناياها فتتعثر خطأ في وجهة الرؤية.. حتى لأنها تقول: «ورحت أسمن من كلام لا أقوله».. تصل قمة تورم نسائي ببلاهة منذ بداية النص وسط عجزها فتسمن تلك المرأة! فهل تسمن امرأة من كلام مجازه أتعس ما تخشاه النساء؟! صورة جدلية البنية والتركيب تجعلك تجفل وتخشى ارتطامها بك.. فتقف أمامها مذهولاً في رعب وخشية!
عندما انشطر القمر إلى قلبين
أحدهما أحمر
والآخر أحمر
أحدهما أحمر
والآخر أحمر
بدأت العفاريت لعبتها
بحثت عنه
في الجهة الخطأ
ورحت أسمن من كلام لا أقوله...
كم من امرأة تتجرأ على بيع شعرها للمطر كي تستعيد صوت أمها وأبيها.. كم من امرأة تستطيع أن تطارد ما يؤرقها وسط الرصاص في قلب مدينة ممسوخة رصاصها أقوى من الأشباح، فإذا بها تلتقط رزم ذاكرتها لتجد جثثًا تشرب من عرقها، ثم ما تلبث تهاود نفسها تتحايل بها عليه وعليها، تطعمه ضوءًا كانت تخبأه في الماضي، تجعله يشرق إليها ولكن عبثًا يجفل عنها دون جدوى.
صوت أبي
صار بعيدًا
كذلك صوت أمي
بعت شعري لمطر
لم يعد يتوقف
ونسجت شعاعًا
*
صوته الذي يشبه صمتي
جرح هدأتي
همت أطارده
*
في ليل المدينة الممسوخة
كان الرصاص أقوى من الأشباح
*

حينها
لم يرني خلفه
ألتقط رزمة ذاكرة
من آخر شارع محروق
أفتحها
وأقرأ رسالته
لكل تلك الجثث
لم يرني أيضا
أسير
على جهات الحزن المكسور
أشرب عرقه البارد
كعرق أخوتي وقتها
أطعمه حفنة ضوء
خبأته لنفسي
ليشرق
وألقاه
لو بعد عشرين معركة
ما أصلبك يا ليلى.. قلة من النساء تستطيع أن تخلع عباءة الغيرة.. صعب يا ليلى أن نقوى مثلك على ذواتنا، لا سيما في درء غليان القلب وسط جموحه وانشطاره.. كيف لنا أن نكون قليلاً منك؟ هي ما عادت تغار بعد الآن.. ما بقي لها إلا أن تعتب تستسقي به عزاءها.. حتى وسط خذلان ذاك الغيم، ما عادت تغضب بل أضحت تتساءل! وما زالت لا تعلم سر احتفائها بحكمة حمقاء، ما زالت لا تعلم سر جحوده بها بعد أن أطعمته صوتها ولعله أغلى ما تملك!
وإنني لست أغار
أعتب
على غيم يعتريه
ويكشح دخاني
*
أحزن
لسرعة القطارات
تأخذ حقيبة
وضبتها له
*
وإني لست أغضب
أتساءل فقط
عن سر إحتفائي
بحكمة حمقاء
أطعمته صوتي
دون أن يسمعه...
من حيث لا يدري
المصدر: جميلة مسلماني - كاتبة عربية مقيمة في المملكة

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها