النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11316 الخميس 2 ابريل 2020 الموافق 9 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

ضامًّا بين دفتيه مجموعة من الدراسات الحديثة في هذا المجال الجديد

العدد 11304 السبت 21 مارس 2020 الموافق 26 رجب 1441

«الأنثروبولوجيا الرقمية».. قراءة الافتراضي كواقع إنساني

رابط مختصر
ضمن مشروع «نقل المعارف» التابع لـ«هيئة البحرين للثقافة والآثار»، صدر مطلع العام الجاري كتاب «الأنثروبولوجيا الرقمية»، وهو كتاب يضم مجموعة من البحوث مقسمة على خمس أجزاء، كتبها على التوالي أكاديميين أنثروبولوجيين، تحت إشراف (هيذر أ.هورست) الأستاذة في كلية الميديا والتواصل بأستراليا، و(دانييل ميلر) أستاذ الثقافة المادية في كلية لندن الجامعية، متطرقين من خلاله لحقل جديد يدرس الفضاء الرقمي بوصفه فضاءً أنثروبيولوجيًا، ليكون بوابة للإطلال على العديد من الدراسات المستقبلية، والأبحاث الجديدة المتعلقة بالوسائط الرقمية والتكنولوجيا.
يتوسّع الكتاب في دراسة مختلف المجالات المتعلقة بالرقمي، ويقاربها بالمفاهيم الأنثروبولوجية، كما تتشعب أطاريحه داخل السياق الواحد، بدءًا بمقدمته التي تمثل الجزء الأول من الكتاب والتي كتبها المشرفان عليه، وهي مقدمة موسّعة تسلط الضوء على هذا الموضوع، تحت عنوان «الرقمي والإنساني؛ تمهيد للأنثروبولوجيا الرقمية»، وهذه المقدمة لوحدها تمثل كتيبًا مستقبلاً، إذ جاءت متجاوزة (90) صفحة.
ومن خلالها يتبيّن أن هدف الكتاب، إلى جانب دراسة النظريات الجديدة في الأنثروبولوجيا، استعمالها لتعزيز فهم ما نحن عليه الآن، «وما كنا عليه دائمًا»، كما يقول المشرفان، إذ «بإمكان الرقمي أن يكون أداة فاعلة للتفكير مليًا في ما يعنيه أن نكون بشرًا»، وهي المهمة الأساسية للأنثروبولوجيا.
ويرتكن الكتاب إلى ستة مبادئ، تشكل في مجملها الأسئلة والانشغالات الرئيسة للأنثروبولوجيا الرقمية، من حيث هي تخصص، وأول هذه المبادئ أن الرقمي نفسه يكثف الطبيعة الجدلية للثقافة، وأن الإنسانية ليست ذرة واحدة عظم وسيطها بانبثاق الرقمي، بالإضافة إلى الالتزام بالشمولية التي هي أساس المنظور الأنثروبولوجي حول الإنسانية، إلى جانب تأكيد أهمية النسبية الثقافية والطبيعية الكونية لمصادفتنا الرقمي، وإنكار الافتراضات القائلة إن الرقمي يجانس بالضرورة ويعطي صوتًا ورؤية لأولئك الذين تم تهميشهم من طرف الحداثيين. أما المبدأ الأخير فهو الاعتراف بمادية العوالم الرقمية التي هي ليست أقل أو أكثر مادية من العوالم التي سبقتها.
وتطوف المقدمة على العديد من المفاهيم الإيضاحية، وهي في الحقيقة مقدمة عسيرة، مالم تقرأ مجددًا بعد الانتهاء من قراءة الكتاب نفسه، إذ تتطرق لمفاهيم من قبل «الثقافة ومبدأ الأصالة الزائفة»، و«منهجية التجاوز من خلال مبدأ الشمولية»، و«الصوت ومبدأ النسبية»، و«المعيارية ومبدأ المادية»، وغيرها من المفاهيم التي لا يمكن استضاحها ما لم تكن لدى القارئ خلفية متصلة بالموضوع، إلا بعد الانتهاء من قراءة الموضوعات التي يزخر بها الكتاب.
في الجزء المباشر بعد المقدمة، أو الجزء الثاني، المعنون بـ«موضعة الأنثروبولوجيا الرقمية»، والذي يحتوي على ثلاثة بحوث، انطلاقًا من بحث «إعادة التفكير في الأنثروبولوجيا الرقمية» للباحث (توم بولستورف)، إذ يسلط الضوء الباحث الضوء على التضمينات التأسيسية لما تعنيه الأنثروبولوجيا الرقمية، كالعلاقة بين الافتراضي والواقعي، وتبيان الانخراط في الممارسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، إذ يرى (بولستورف) أن «الحياة الثانية هي عالم افتراضي، مكان لثقافة إنسانية تم تحقيقها من خلال برنامج حاسوبي عبر الإنترنت»، وهذا العالم الافتراضي يظل «موجودًا حتى عندما يغلق الأشخاص حواسيبهم»؛ نظرًا إلى وجوده على خوادم الشركات في مختلف الأنحاء.
أما المشرفة الأولى على الكتاب (هيذر أ. هورست) فتكتب البحث الثاني تحت عنوان «تكنولوجيا الميديا الجديدة في الحياة اليومية»، مشيرًا إلى أن الحياة المنزلية التي كانت ولا تزال الاهتمام الأول لتخصص الأنثروبولوجيا انتقلت لدراسة الميديا الجديدة في البيت، فقد غيّرت هذه التكنولوجيا البنية التحتية لإيقاع الحياة اليومي داخل هذا الحيّز، إذ يعالج في هذه الدراسة العلاقات بين المكان ومفاهيم الذات.
ويختم هذا الجزء بتناول «الجيوميديا؛ إعادة تأكيد الفضاء في الثقافة الرقمية»، لـ(لين دي نيكولا)، دارسًا نظام المعلومات الجغرافية، وكيف شكل فارقًا في تاريخ البشرية الحالي، إذ يبيّن أنها تعيد تشكيل المفاهيم التقليدية للثقافة، داعيًا إلى ضرورة فحصها، خاصة من قبل الأنثروبولوجيين؛ نظرًا إلى كونها «حاسمة في فهم المنطق التام للأنثروبولوجيا الرقمية».
ويذهب الجزء الثالث من الكتاب لتناول موضوع «التنشئة الاجتماعية للأنثروبولوجيا الرقمية»، ابتداءً بورقة «الإعاقة في العصر الرقمي» لـ(فاي غينسبورغ) الذي درس فيها «كيف يمكن للتكنولوجيا الرقمية التفاعلية أن توفر منصات غير متوقعة وقوية تتيح لذوي الاحتياجات الخاصة التواصل مع الجمهور على نطاق واسع، وتسمح الميديا بالانخراط في النقاش بضمير المتكلم حول عالمهم وتجاربهم».
فيما تقدم الدراسة الثانية «مقاربات للتواصل الشخصي»، وهي من إعداد (ستيفانا برودبنت)، إذ تبيّن الباحثة أن لظهور الأنثروبولوجيا الرقمية نتائج شخصية خاصة؛ «لأن التواصل نفسه يعد مركزيًا في شكل كبير بالطريقة التي تكونت بها العلاقات وعولجت بها»، وترتكن الباحثة على سياق بروز كثير من تكنولوجيا التواصل الجديدة التي شكلت «توسيع لبيئاتنا الاجتماعية»، وأماتت المسافات، ما جعل الروابط المبنية على المكان تتكسّر، لتحل محلها الروابط المبنية على المصلحة التي تم إنشاؤها عن بعد، في استقلال عن القرب المادي، كما تقول الباحثة.
وفي السياق ذاته، تناول المشرف الثاني على الكتاب (دانييل ميلر) «مواقع التواصل الاجتماعية» والدلالة الخاصة لهذه المواقع بالنسبة إلى الأنثروبولوجيا، مبينًا أن هذه الأخيرة ارتبطت تقليديًا بدراسة العادات والتقاليد في مجتمعات ذات نطاق صغير، أما الرقمي فرفع من سرعة التغير الاجتماعي، ومثل نموذجًا للتحول السريع، إذ يؤكد (ميلر) أن «الانتشار الهائل لمواقع التواصل الاجتماعية يعني أنها قد تصبح قريبًا مظهرًا لكل مجال للدراسة الأنثروبولوجية في المستقبل؛ انطلاقًا من الحياة الاقتصادية والدين إلى دراسات التطور الأنثروبولوجيا ذاته».
ومن هذا السياق إلى سياق «تسييس الأنثربولولوجيا الرقمية»، وهو موضوع الجزء الرابع من الكتاب، مشرعًا أولى دراساته بورقة (جون بوستيل)، حول «السياسات الرقمية والالتزام السياسي»، إذ يبيّن أن الاستعمال المتزايد للميديا الرقمية من طرف الفاعلين السياسيين المختلفين (الصحافيين، والسياسيين، والنشطاء، والمرشدين الدينيين) قد نشأ عنه أدبيات لقت رواجًا، مولّدة حقلاً متعدد التخصصات، يدرس رقمنة السياسات التقليدية، وبروز أشكال جديدة للحياة السياسية النائشة، مثل ويكيليكس، وحركة أنونيموس، والحكومات الرقمية، والديمقراطية الرقمية، وغيرها.
أما الباحثة (يلينا كرانوفتش) فذهبت لتناول «البرمجيات المجانية وسياسات التقاسم» التي منحت مدخلاً مقنعًا إلى مقاومة معاني التقاسم، التي بدورها -كما تقول الباحثة- تعد مفتاحًا للخلافات بخصوص الإطار النظري القانوني والسياسي والتكنولوجي للميديا الرقمية.
وليس بعيدًا عن ذلك «العولمة الرقمية المتنوعة» التي تسلط الضوء عليها (بارت برندرخت)، إذ تتناول المستقبل الرقمي وقلقه، فقد بات «مستقبلنا ليس مفتوحًا على مصراعيه فحسب، بل يعتقد أنه سيكون رقميًا على نحو متزايد»، مبينة كيف أثرت الثورة الرقمية على الممارسات المختلفة حول العالم، وكيف بدأت مسارات صغيرة تخلق تحولات كبيرة.
إلى ذلك، كتب (جو تاكي) عن «الالتزام الرقمي؛ الصوت والمشاركة في التنمية»، متناولاً مقاصد التصويت وخلق رأي، إذ يبيّن «يتعلق الصوت بالقوة على تمثيل الذات والحق في التعبير عن رأي ما»، ونظرًا إلى كون التنمية مفهومًا مؤكزيًا لعصرنا، فإنه من خلال هذه الدراسة، يبحث العلاقة بين الميديا والتكنولوجيا والتنمية، لافتًا إلى أن «الاتصال من أجل التنمية وتكنولوجيا المعلومات، يجب أن يبقى على مستوى الانخراط الملموس والإحساس بالتناقض والنتائج المعقدة التي كان النقاش المبكر للفجوة الرقمية يميل إلى التعتيم عليها».
ويختم الكتاب بالجزء الخامس الذي يتناول «تصميم الأنثروبولوجيا الرقمية»، انطلاقًا من دراسة (آدم درازان) حول «أنثروبولوجيا التصميم: العمل على التكنولوجيا الرقمية ومعها ومن أجلها»، والذي يبيّن الإسهام البارز للعمل والتفكير الأنثروبولوجيين؛ الحاسب الشخصي، والبريد الإلكتروني، والوجيهات من نمط وندوز، والهواتف الذكية، كلها أمثلة لأشياء ساعد في صياغتها الأنثروبولوجيين منذ سبعينات القرن الماضي.
فيما يذهب (هايدري غيسمار)، إلى الافتراض وما يمثله من صورة حقيقية عن المتاحف، وذلك تحت عنوان «متحف+رقمي=؟»، مبينًا أن المتاحف وقاعات العرض انتقلت إلى بيئات رقمية، وأضحى البشر يجرّبون الأشياء أولاً قبل معايشتها واقعيًا، عبر الصورة الرقمية، أو المحاكات الرقمية الشائعة حاليًا.
وينتهي الكتاب ببحث (توماس م. مالابي) عن «اللعب الرقمي وتصميم اللعبة وروادهما»، موضحًا أن الاستعداد للعب هو، بكيفيات عدة، الشعور الأخير الذي تحول إلى موضوع رغبة مؤسسية، إذ لم يعد مسألة متعة لا تؤدي إلى إنتاج، كما كان سائدًا، بل أضحى اللعب الرقمي متصلاً بالمؤسسات، ومرتبطًا ببعض أشكال الإنتاجية، وكما يقول: «توجد الأنثروبولوجيا في موقع يؤهلها لمساعدتنا على فهم ما يعنيه هذا بالنسبة إلى البشرية المنخرطة بقوة في التجربة الرقمية الشعبية باللعبة».
المصدر: سيد أحمد رضا

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها