النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11316 الخميس 2 ابريل 2020 الموافق 9 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

العدد 11290 السبت 7 مارس 2020 الموافق 12 رجب 1441

عباءة الزنجبيل (2-3)

رابط مختصر
عباءة الزنجبيل المعلّقة على مسمار بجانب المكنسة خلف باب المطبخ أرتديها منذ سبع سنوات في سباقي مع الزمن؛ اللون الأسود خسر هيبته، واهترأ نسيجها كأن عروقًا من الشيب تتوالد فيها. هي نفسها عباءتي المعبّقة برائحة شاي كرك الذي صبّه علي شاميرو في شارع عراد منذ بضعة أيام. ألبسها بسرعة البرق، وقبل ذلك أمسح تحت إبطي العرق المندس، ثمّ ألملمُ شعري المنكوش.
يدور بصري في كل ركن من أركان المطبخ بحثًا عن الورقة التي كتب عليها الشرطي: (اذهبي إلى حمزة شمروخ)، ومن عادتي أن أجمع القصاصات والفواتير وأضعها بجانب الملح والفلفل أو أرميها وأنا مستعجلة في سلّة البطاطا والثوم والبصل أو ربما على سطح الميكرويف وأحيانًا يتعاون معي أطفالي ويلصقونها على باب إحدى الثلاجات.
جال بصري وأجريت مسحًا سريعًا.. حاولت أن أتذكر أين وضعتها، لا أذكر أني رميتها وهذا أمرٌ غير وارد، وكنت كلّما نسيت آكل كمشة جوز مع حبّات تمر... وأحيانًا أجلس على المرحاض في الحمّام لأستعيد ذاكرتي. اليوم يجب أن أذهب إلى هذا المدعو حمزة شمروخ! يبدو أن المشكلة ليست في ذاكرتي بل إنها الإضاءة الخافتة التي أستعين بها لأعمي بصري عن رؤية الأغبرة المتراكمة في المنزل، ففي وسط الصحراء تتعرض للغزو اليومي من قبل الغبار.
المشكلة ليست في ذاكرتي بل إنها متلازمة الفوضى التي أعاني منها منذ أن فحصت الغدة الدرقية وتبين أنها خاملة فتحولت بقدرة قادر إلى الحيوان الكسلان. فتشتُ بين علب البهارات مرة أخرى وتفحصت كل الملصقات على الثلاجات مرّة أخرى... شعرت بالدوار حتى وقع بصري على المكنسة الكهربائية.
أسقطتُ عباءتي على عجالة، انتعلتُ شبشبًا بلاستيكيًا لطالما علق في كوابح السيارة، قرأت العنوان على الورقة المجعدة التي كانت قد ابتلعتها المكنسة الكهربائية: (حمزة شمروخ لصيانة السيارات)، ولكن ما بال هذا الشرطي؛ فسيارتي ليست متعطلة وأنا أتدبر أمري بها.. ربما أحد الأضواء مكسور ولكن هذا ليس أمرًا سيئًا للغاية، أو من الممكن أن الرجّة التي تحدث في أعقاب تشغيل المحرك مُقلقة، في الواقع لا أعرف لما يريدني الشرطي أن أذهب لمحل الصيانة.
أخرجت هاتفي وقمت بتفعيل خدمة الإنترنت لأتمكن من تشغيل خريطة الموقع الجغرافي؛ صارت السيدة الجغرافية تهذر يمينًا شمالاً.. بالأمتار ولكنها لا تفهم جغرافية شوارعنا المعقدة، فحتى يمكن لشجرة نخيل أن تعيق عملها أو زحام السيارات أو المطبّات التي لا يفصل بينها سوى شهيق وزفير والحفر الامتصاصية والطين الذي لا يجف رغم ارتفاع حرارة الأرض هنا...
في مرّة كدت أسقط في البحر مباشرة بسبب المرأة الجغرافية في GPS.. إنها أرض بيضاء مصطنعة فرشت سطح البحر بلا اتجاهات وكمّمت أنفاسه، أين الزمان؟ وأين المكان؟.. أين الحدود؟، ظننتُ أنّ سبخة ستبتلعني.
فرقعت رأسي من الثرثرة ولذا أخرستها وأخرستُ الهاتف معها. السراب هنا يجعل الوجود بالأمر المستحيل، حرارة الشمس فقأت عينيْ وساح العرق فألهب جفنيْ.. كان وجهي يحترق وصرت لا أبصر شيئًا، ولكن أرى أضواء خافتة مثل تلك التي في مطبخي تتراقص على متن السراب... رفعت قنينة الماء وصببتها فوق رأسي لأصحو... وصلتُ البسيتين، يقال عنها أنها كانت في الماضي سيدة البساتين... أمّا اليوم فإنها معلنة الحداد على البحر. كان خفر السواحل من بعيد يشيرون إلي كأني ماعز يرعى رعيًا جائرًا فأدركت أنني أمام طريق غير نافذ.
المصدر: ليلى جاسر سلامة - كاتبة لبنانية مقيمة في البحرين

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها