النسخة الورقية
العدد 11173 الإثنين 11 نوفمبر 2019 الموافق 14 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:31AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

اللؤلؤة والبحر (6 - 6)

قراءة في ديوان «تهويدة لنجمة البحر» للشاعر علي عبدالله خليفة

د. وجدان الصائغ
رابط مختصر
العدد 11171 السبت 9 نوفمبر 2019 الموافق 12 ربيع الأولى 1441
يقول الشاعر «أوغـلـتْ فـيَّ (أنـُـوشـْـكـا) وتـمـادَت ْ/‏ ثـمَّ ألـقــَـتْ بـفـصُـوصٍ.. خـَـرَزاتْ،/‏ قـالت: اخــتـرْ اثنتين/‏ فـتـأمَّــلـتُ نِــثــَـارا ً من فـُـصُـوص ٍ و خـَـــرَزْ/‏ كانـَــت ِ الألــوانُ شـَـــتــّى/‏ وبَــريـقٌ كـانَ يــدعــوني إلـى لـَـونــيــن ِ،/‏ فــاخــتــرتُ اثـنـتـيـن ْ/‏ هَــمَــسَـتْ: شـَـيءٌ جَـمـيــلٌ!!/‏ إنــَّــهُ الـحُـبُّ الـذي اخـْــتـَـرتَ كما اخـْــتــرتَ الـحـيـاة/‏ فأضِـفْ واحــدة ً أخـْـرى../‏ عَـلا كــلَّ مُـحـيـاهـا ابـتـسـامٌ وعَـجَـب ْ،/‏ طـالـعَــــتــْــني بارتِــيــابٍ/‏ وبـمـا يُـشـبـهُ أنْ تــَـرثي لـحـال ٍ/‏ فـي طـريق ِ الـتـهْــلـُـكـة ْ /‏ آه ِ، مـا أشــقى الـذي تـخـتـارُ فـي الـحـبِّ!/‏ تــُـريــدُ الـعـِـشـْــقَ حـتى ُذروة ِ الـعـِــشـْــق ِ../‏ وحـتى الـمُــنـْــتــهـى.. مــنْ دون ِ حَــــد ْ../‏ وتــُـنادي وردة َ الــنــُّـور لــتـــفـْــنى/‏ كــفـَـراش ٍ فـي الــصَّــهَـد ْ؟!/‏ آه ِ، مـا أشـْــقــَـاكَ! مـا أغـْــَربَ.. مـا أبـْـعـَـدَ مـا تــَـصـبُـو/‏ فـمَـنْ أنــتَ.. ومِـنْ أيِّ بـَــلـَـدْ؟!».
من الواضح أن صوت أنوشكا هو المهيمن على مناخ النص في مقابل غياب واضح لصوت الذات الساردة وهو انتقال يسلمه النص لصوت الشخصية الثانوية التي اختفت من على مساحة النص لتظهر ثانية في الخاتمة وعبر حوار خارجي مع أنوشكا، لاحظ المشهد الأخير: «صَـاحِــبـي قـَـالَ: دَعــيـهِ،/‏ ضَـاقــت الأرجـاءُ بـالـحُـلـمِ/‏ وزهـْـرُ الــنــور ِ يُـفـضي/‏ بـالــذي قــدْ لا يُـضـاهِــيـهِ أحَــدْ».
ومما تجدر الإشارة اليه أن المتخيل الشعري شاء أن يضيف بعدا سيريا لتلك القصيدة التي امتزج فيها الشعري بالسردي حين ثبت في نهاية القصيدة المكان الجغرافي (باريس) والزمان التقويمي (21 مايو2007) ليمنح أفق التلقي سانحة أن يبصر ملامح الشاعر على مرايا القصيدة بوصفه الشخصية الرئيسية للقصة.
ومثل ذلك البعد السيري نجده في قصيدة «فــيـلا جــوزفـيـن.. عــبـدالـصـمـد!!» التي تضع لعبدالصمد (العامل المسن في المطعم) ملامح مستلة من رحم الواقع مقابل (فيلا جوزفين) ذات المرجعية المعمارية والتاريخية والثقافية العريقة - حسب المقدمة النثرية التي ذيّلت بها القصيدة - حيث تبدأ على شكل حوار خارجي بين الشاعر ونادل المطعم، لاحظ كيف وظّف المتخيل الشعري تفعيلة الرجز (مستفعلن) لينسج صورا شعرية مكثفة الدلالة لتشكيل تفاصيل قصة متكاملة العناصر: «عَـبْـد الـصّـمَـدْ!.. عَـبْـد الـصّـمَـدْ؟!/‏ مَـهْـلاً.. نَـعَـمْ،/‏ كانَ هُـنا عَـبْـد الـصّـمَـدْ../‏ نَـعْـرفـُـهُ، لـكـنَّـهُ مـا عَـادَ يَـعْـمَـلُ عـنْـدنـا،/‏ مـنْ مُــدّةٍ../‏ تـَـركَ الـمَـكـانَ، ولـمْ يَـعُـدْ..».
ويوظف المتخيل الشعري تقنية الخرم الطباعي في حواريته التي انتظمت القصيدة برمتها ليشرك التلقي في ملء الفراغ بتساؤلات تناسب طبيعة الأجوبة التي رددها نادلي مطعم فيلا جوزفين، لاحظ الآتي: «....../‏ بـاللهِ، لا أدري.. ولا هُـنـا يَـدْري أحَــدْ/‏ أشْـيَـاؤهُ.. مَـحْـفُـوظَـةٌ/‏ للـيـومِ في الـسّـردابِ.. ظـلّـتْ مُـودَعَـةْ/‏ لـرُبَّـما يَـأتي إلـيْـنـا.. عَـائِــداً../‏ أوْ رُبَّـمـا مـنْ أهْـلـهِ يَـأتي خَــبَـرْ./‏....../‏ بـاللهِ، لا نَـدْري إلـى أيّ الـدّرُوبِ قَــدْ مَـضى».
يضيء الخرم الطباعي للسؤال التالي عن بعد جديد في غياب عبدالصمد الغامض، تأمل الآتي كيف انخطف السياق القصصي باتجاه وصف ملمح آخر لملامح عبدالصمد الداخلية: «...../‏ لا... لا... أبَــدْ،/‏ لا شـيءَ مِــنّـا رَوَّعَـهْ/‏ كـانَ كَـمِـثْـلِ حَـبَّـةٍ مـنَ الـبَـرَدْ/‏ جـاءَتْ إلـيْـنا.. صُـدْفَــةً/‏ حَـطَّـتْ قَـلـيْـلاً، ثُـمَّ ذابَــتْ في الـصَّـهَـدْ».
إن الحوار الخارجي يزيح الغبار عن الغياب الملغز لعبدالصمد إلا أنه في سياق الصور الشعرية يبدو غيابا مبررا تحت أوار الثنائية المتضادة (حبة من البرد /‏ ذابت في الصهد) ليكون غياب عبدالصمد المعادل الموضوعي لغياب القيم وينعطف الحوار ليصف ملمحا نفسيا آخر لتلك الشخصية الرئيسية(عبدالصمد) التي هيمنت رغم غيابها على مساحة النص الحاضر والبنية المسكوت عنها معا، تأمل الآتي: «عَـبْـد الـصّـمَـدْ../‏ كَـمْ طـيِّـبـاً وخـيِّـراً../‏ وَفـَّـا الـوَظـيـفَـةَ، واجْـتَـهَــدْ/‏ كانـتْ لَـهُ فـي كـلِّ يَـوْمٍ وَقْــفَــةٌ/‏ نَـرْقـى بِـهـا../‏ حَـتّى مَـعَ الأشْـجـارِ نَـمّى صُحْـبَـةً../‏ وَاسْـتَـمْـطَـرَ الـغَـيْـمَ رَذاذاً/‏ لـزُهُــورٍ في أصَـيـصٍ مُـبْـتَـعَـدْ/‏ فـي حَـضْـرةِ الـبَـحْـرِ، مَـعَ الـمَـوْجِ تَـمَـاهـى/‏ مُـبْـدِعـاً فـي رُدْهَـةِ الـدّارِ غُـيُـومـاً مِـنْ زَبَــدْ/‏ سَـوّى إلى بَـعْـضِ الـقُـلـوبِ مَـعابـِـرَ../‏ كَـمْ لا مَـسَـتْ لَـمْـسَـاتـُـهُ/‏ لـلْـبَـعْـضِ شَـيْـئـاً في الـزَّمَـانِ يُـفْـتَــقَــدْ».
وينسج المتخيل الشعري من التكرار الايقاعي لحروف مفردة (الحب) ملمحا اخر يكشف طبيعة الصلة الانسانية لعبدالصمد بالشخصيات الثانوية التي غابت ملامحها الخارجية والداخلية في مقابل حضوره البهي على مساحة النص، تأمل الآتي: «نُـحِـبُّـهُ،/‏ لا نَـدْري ما الـشَّـيءَ الـذي فـيْـهِ نُـحِـبْ../‏ شَـيْءٌ غَـريـبٌ جَـاذبٌ/‏ يَـسْـري شُـعَـاعـاً دُونَ قَـصْـدٍ أوْ عَـمَـدْ/‏ وَهْـوَ الـذي أحَـبَّــنـا/‏ حُـبَّ الـيَـتـيـمِ لـجَـدِّهِ..؟».
ثم ينتقل الحوار الخارجي ليعكس صلة عبدالصمد بالمكان وبأناسه حين يرد: «مُـسْـتَـأْنِـسـاً هـذا الـمَـكانَ.. مُـؤْنِـسـاً/‏ كـلَّ الضُـيُـوفِ.. فَـراشَـةٌ تـَـطُـوفُ../‏ أوْ قُـلْ وَتـَـراً/‏ يَـهْـتَـزُّ لَحْـنـاً دافِــئـاً.. لا يُــبْــتَــرَدْ».
ثم يعود النص الى تقنية الخرم الطباعي في خاتمة المشهد اذ يرد: «......./‏ يَـا لَــيْــتَــنـا يـا سـيِّـدي، نَـدْري الـذي قـَـدْ غَـيَّـبَـه/‏ تُـراكَ هَـلْ كُــنْــتَ هُـنـا؟/‏ قُـلْ مَـا الـذي يَـدْعُـوكَ/‏ أنْ تَـسْـأَلَ عَـنْ عَـبْـد الـصّـمَـدْ؟!».
ويزيح المشهد الشعري الأخير - الذي جاء عبر وعي الشاعر المتأمل غموض هذا الغياب - عن تكرار واع لما ردده عمّال المطعم: «شَـيْـئٌ غَـريْـبٌ.. جَـاذبٌ../‏ يَـسْـري شُـعَـاعـاً، دُونَ قَـصْـدٍ أوْ عَـمَـدْ../‏ تُـشِـعُـهُ رُوحُ الـبَـشَـرْ../‏ بَـعْـضِ الـبَـشَـرْ../‏ يَـتْـرُكُ فـيْـنـا أثـَـراً.. لا يَـمَّـحـي../‏ نَـبْـحَـثُ في الدًّاخِـلِ عَـنْ سِــرٍ لَـهُ../‏ فَـــلا نَــجــدْ».
وهي خاتمة تكثف البعد الإنساني للقصيدة التي وقفت عند عبدالصمد بوصفه رمزا إنسانيا يضاهي الرمز العمراني الحجري لفيلا جوزفين عبر التدرج في وصف بهائه الروحي ونقائه الذي غمر ناس المكان، وتفنن في ترسيم صفاته النفسية التي جعلته يصبح ميزة من ميزات المكان، أضف إلى ذلك أن عبدالصمد لم يكن نادلا حسب بل كان إنسانا أضفى على حجر المكان إنسانيته.
المفصل الخامس: طقوس كتابة القصيدة، حيث تعكس قصائد المجموعة رحلة الشاعر مع القصيدة /‏ الحلم التي هي في مجملها رحلة شيقة مضنية، تأمل مثلا قصيدة (كما لؤلؤٍ في الصّـدَف) ولاحظ كيف قرن المتخيل الشعري بين (القصيدة /‏ الحلم) وبين (لؤلؤ في صدف): «كما لؤلؤٍ في الصّـدَفْ/‏ تخـتـفـيـنَ بـعـمْـق البحارْ/‏ أيا صدفــًا ضمَّ جنبيكِ أين يكونُ القرار؟!/‏ على أيّ موج ٍ تــُراني سأبحرُ../‏ كيفَ لي أنْ أراكِ؟/‏ على أيّ قاعْ؟!/‏ قطرةٌ من ندىً، قيل لي، خـبَّـأتــْـها الـمَـحارْ/‏ وقيل، بأنّ اللآلئَ تحـْـتاجُ غـوْصــًا عـمـيـقــًا/‏ وتحتاجُ ريحـًا، وقلـبـًا قـويـــًا.. شُـجاعْ/‏ وتحتاجُ شـيـئــًا عـجــيــبـاً.. /‏ يُـؤجّــجُ في الـرّوحِ كــلَّ جُــنـُـون الــشّــراعْ».
من اللافت أن المتخيل الشعري يرسم صورة شعرية مركبة ضاجة بالحركة وعبق الحواس في إطار مركزية واضحة لتحولات قطرة الندى التي تصبح لؤلؤة مكنونة في عمق البحار في مقابل حركة الغواص المغامر(وقلـبـًا قـويـــًا.. شُـجاعْ) الباحث أبداً عنها. بقدر ما يكثف المتن زرقة البحر وألق (قطرة الندى التي صارت لؤلؤة) وبقدر ما يضيف بياض الشراع وجنون الريح حركة مربكة على اللوحة بدأت بتساؤلات: (أيا صدفــًا ضمَّ جنبيكِ أين يكونُ القرار؟! /‏ على أيّ موج ٍ تــُراني سأبحرُ../‏ كيفَ لي أنْ أراكِ؟ /‏ على أيّ قاعْ؟!) تحيل إلى طقس كتابة القصيدة وولع المبدع أنى كان بالجديد الطريف والمدهش والمبتكر، وقد فضح السطر الأخير (وتحتاجُ شـيـئــًا عـجــيــبـا ً.. /‏ يُـؤجّــجُ في الـرّوحِ كــلَّ جُــنـُـون الــشّــراعْ). طبيعة الهبة الربانية التي يجب أن يمتلكها الشاعر قبل الشروع بالدخول لفراديس الإبداع.


المصدر: د. وجدان الصائغ - جامعة ميتشغان الأمريكية

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها