النسخة الورقية
العدد 11173 الإثنين 11 نوفمبر 2019 الموافق 14 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:31AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

في اليوم العالمي للعلم لصالح السلام والتنمية

ليكن العلم ثقافة في متناول الجميع.. كي لا يترك أحدٌ خلف الركب!

رابط مختصر
العدد 11171 السبت 9 نوفمبر 2019 الموافق 12 ربيع الأولى 1441
يرنُّ المنبه، وما تلبثُ حتى تشرعُ في الاستيقاظ من سريك، لتعد كوب قوتك بجهاز إعداد القهوة، وتحملها معك إلى سيارتك في اتجاه عملك، وما أن تصل، تسجلُ حضورك، عبر جهاز تسجيل الحضور الإلكتروني «البصم»، ثم تجلس على مكتبك، للشروع في العمل على حاسوبك، مستخدمًا الإنترنت لاستقبال الرسائل الإلكتروني والرد عليها... وهكذا يمرُ يومك وكل أيامك بمشتركِ لا يمكنك تجاهلهُ في كل تفاصيل حياتك، ذلك هو «العلم» الذي تمكن بتجلياته ومخرجاته، أن يدخل في كل تفاصيلها، من مأكلك، إلى صحتك، فاقتصادك، ورفاهيتك، وكل شيء!

لقد أضحى العلم محور رئيس في حياة البشرية، ونظرًا لأهميته البالغة، تخصصُ «الأمم المتحدة» العاشر من نوفمبر (يوم غد) من كل عام، للاحتفال به، بوصفهِ «اليوم العالمي للعلم لصالح السلام والتنمية»، إذ تسلط الضوء من خلاله على الدور الذي يؤديه في المجتمع، وفي حياة الأفراد، وتذكر بالحاجة إلى إشراك الجماهير في المناقشة المتعلقة به، أملًا في أن يكون يومًا يحتفي بهِ العالم كما يحتفي بالعديد من المناسبات الأخرى.

درءًا لتخلفنا!
ترفعُ «الأمم المتحدة» شعار «اتاحة العلوم أمام الجميع لكي لا يترك أحد خلف الركب» ليكون شعارًا للاحتفاء هذا العام، إذ من خلال ذلك، يرادُ للعلوم أن تُربط بالمجتمع على نحو أوثق، لضمان الإطلاع عليها من مختلف فئات الناس، واستبيان تطوراتها، وما يمكنُ أن تقدمهُ من مساعدة لتيسير حياتنا، إلى جانب التأكيد «على الدور الذي يقوم به العلماء في توسيع فهمنا لهذا الكوكب وفي جعل معجتمعاتنا أكثر استدامة».
كذلك، يهدفُ هذا اليوم لتعزيز الوعي العام بدور العلم في المجتمعات، وجعلها أكثر سهولة وشمولًا، إلى جانب تعزيز التضامن الوطني والدولي من أجل العلم المشترك بين البلدان، وتجديد الالتزام الوطني والدولي باستخدام العلم لصالح المجتمعات، ولفت الانتباه للتحديات التي يواجهها العلم، ورفع الدعم للجهود والمساعي العلمية. إذ تؤكدُ «الأمم المتحدة» بأنهُ، ورغم الجهود التي تبذلها بعض البلدان، «هناك تباينات كبيرة في المناطق والبلدان في ما يتعلق بالوصول إلى العلم والتكنولوجية والابتكار، والتمتع بفوائدها»، وهذا ما يحتم ضرورة اتاحة العلم للجميع، وجعل البحوث العلمية والبيانات متاحة ومتفوحة، وهو ما تأسس على إثره، حركة عالمية متنامية تطالب بذلك تحت مفهوم «اتاحة العلوم أمام الجميع»، والتي تدعو لزيادة التعاون والاكتشاف العلمي بشكل كبير، وتسهيل اعتماد التقنيات، لينعكس كل ذلك على المكاسب المتعلقة بالتنمة المستدامة، حتى بالنسبة للدول النامية، والمجتمعات الفقيرة.

عالمٌ مفهوم أقل خطر علينا!
قد تبدو الدعوة بالاحتفاء بيوم العلم، دعوةً غريبة على الأفراد، خاصة إن لم يكن لهم اشتغالٌ مباشر بميادينه، لكنها ليست كذلك بالتأكيد، فمنذُ أمدٍ والعلماء يعملون على تبسيط العلوم، لتكون ثقافةً عامةً، تسهمُ في إخراج الناس من بعض الظلمات إلى النور، والكثير منا يعرفُ العالم الأمريكي (كارل ساغان)، صاحب أشهر برنامجٍ تلفزيوني مختصُ بتبسيط العلوم على الأطلاق «الكون»، والذي أسهم بمبادرته ومؤلفاته، في إنزال العلم من بروجه العاجية، ليكون ثقافة في متناول الجميع، مهما كانت شكل خلفياتهم الثقافية.
ولكن لماذا العلم؟ سؤالٌ قد يردُ في أذهاننا، وقد كتب الفيزيائي الأمريكي ومبسط العلوم (جيمس تريفيل) كتابًا يحمل ذات العنوان «لماذا العلم؟»، يؤكدُ فيه «إن عالمًا مفهوم لنا هو عالم أقل خطرًا علينا، لذا فإن فهم العالم هو في النهاية هدف العلم»، ويضيف «لست في حاجة إلى أن تكون فيلسوفًا لكي تتبين آثار العلم والتكنولوجيا في حياتك. تأمل حياتك في يومك العادي»، وإن استجبت لدعوى التأمل هذه، فستجدُ حياتك تعتمدُ على مخرجات العلم، أو التكنولوجيا التي تعتمدُ في عملها على فتوحاتٍ علمية، وقوانين، واكشافات رائعة جعلت الحياة يسيرةً بشكلٍ لا يمكنُ لأجدادنا الذين عاشوا مطلع القرن الماضي أن يتصوروها حتى في مناماتهم!

ركيزة بناءٍ حضاري
يوصفُ المترجم المصري البارز، شوقي جلال، الذي عمد لترجمة العديد من الكتب العلمية، العلم بكونهِ ظاهرة اجتماعية ثقافية، تتحدُ من أنشطة المجتمع، مؤكدًا بأن العلم ليس مجرد اكتشاف معلومات علمية أو حيازة ذهنية لمعلومات، وحيازة مادية لتكنولوجيا، إنما العلم «هو منهج في فهم ودراسة الواقع اعتمادًا على العقل الناقد بهدف التداخل التجريبي للتغيير. والعلم هنا أبنية معرفية نسقية.. العلم ظاهرة اجتماعية ثقافية، وذلك باعتباره نسقًا معرفيًا متحدًا مع بنية وأنشطة المجتمع. إنه ليس معارف متفرقة، بل منهج موظف في خدمة بنية المجتمع يعمل على تماسكها واطراد تقدمها، ومواجهة تحدياتها ورسم معالم مستقبلها. ولهذا هو مؤسسة اجتماعية وعنصر حضاري، أي ركيزة البناء الحضاري».
ولكي تسود هذه البنية وتتغلغل في تفاصيل مجتمع ما، يتطلبُ من هذا المجتمع أن يكون متعاطيًا ومنتجًا للعلم، «أن ثقافة العلم لا تنشأ ولا تسود لتمثل مناخًا عامًا إلا في مجتمع منتج للعلم، هو وطن للعلم، ومن ثم تكون ثقافة العلم عامل دعم وحفز نحو المزيد.. المزيد من الإنجاز، والمزيد من الاستمتاع بالحياة، من حيث الفهم لظواهر الحياة، والفهم لقواعد إدارها».

أفراد ومؤسسات
عندما نتحدثُ عن ضرورة أن يكون العلم ثقافة عامة، فنحنُ نعني بذلك دعوة الأفراد، والمؤسسات، والدول ليكون العلم شيءً محوريًا وبنيةً يؤسسُ عليها في مختلف مناحي الحياة، فالاقتصادُ اليوم قائمٌ في جزءٍ عظيمٍ منه، على مخرجات العلوم، وليس بغريب أن تكون أكبر الشركات على الأطلاق هي تلك التي تمارس اشتغالها بمخرجاته، كـ «مايكروسوفت» و«شركة أبل» و«أمازون» وغيرها.. وليس بمستغربٍ كذلك أن تكون أفضل المراكز الصحية حول العالم هي تلك التي تعمدُ مختبراتها للبحث والكشف في أحدث الأساليب والطرق العلاجية، ثم أننا ندرك جيدًا بأنهُ في ظل نمو عدد سكان العالم، فلا شيء غير العلم قادرٌ على أن يوفر الغداء لهذا العدد المتنامي، كما أنهُ لا شيء كان قادرًا على مد متوسط أعمارنا سواهُ.. هذا ما يجعلُ العلم ضرورةً ما أن نتجاهلها، حتى نغور في التأخر والتخلف، وخسارة فرص في تيسير الحياة وتحسينها، وترويض غضب الطبيعة، والتغلب على ما يضرنا، ومصارعة أعدا أعدائنا. وكلنا يعلمٌ اليوم بأن العلم وحدهُ المتصدر لمجابهة عدوٍ فتاك كالسرطان، وهو المتصدر في تحسين صحتنا، وحتى هزيمة شيخوختنا الحتمية وتأجيلها!
هذا الدور يؤكدُ عليه (مارك إيركسون) صاحب كتاب «العلم والثقافة والمجتمع»، مبينًا بأن العلم والمعرفة العلمية تتغلغلُ في المجتمعات، وكذلك منتجات الجهود العلمية كالتكنولوجيا التي نستخدمها كلنا «نحن نستهلك أمثلة متعددة من العلم وندمجها في مفاهيمنا اليومية. يحدث ذلك بطرق مختلفة متعددة مثل التعليم وأجهزة الإعلام والثقافة، وكذا من خلال التداخلات العلمية والطبية التي تتعرض لها أجسامنا، أو من خلال عملنا في بيئة علمية، أو إذا كنا عرضة لبعض النظم العلمية مثل انضمامنا أو انفصالنا عن مؤسسة علمية رسمية، أو من خلال استهلاكنا للمنتجات التكنولوجية. فنحن دائمًا وباستمار في حالة من بناء مضمون العلم من خلال أفعالنا وتفاعلاتنا، وذلك من خلال طرحنا لمفاهيم في الوقت نفسه الذي تفرض فيه علينا مفاهيم أخرى. ولا يبدو أن لنا خيارًا في ذلك في ظل سيادة قصة العلم في مجتمعاتنا».
وفي كتابه «لأن الإنسان فانٍ» يقول الجراح الأمريكي (أتول غواندي) «لقد غير الطب والصحة العامة مسار حياتنا؛ فقد كان الموت طوال التاريخ -حتى فترة قريبة جدًا- واقعًا مفروغًا منه، وحاضرًا في الأذهان باستمرار، وكانت هذه هي الحال، سواء أكان الفرد في عمر الخامسة أم في الخمسين، لقد كان كل يوم جديد مثل رمية بالنرد»، ويضيف «لكن حدث بمرور السنين، ومن خلال تقدم الطب، أن الضربة القاضية صارت تبتعد أكثر فأكثر».

من الذرة إلى الكون
لقد اصطحبنا العلم في رحلةً ملحمية أغرب من كل الأساطير، فمن الكون الفسيح إلى ما دون الذرة، ومن العقل إلى الجينات، ومن البيولوجيا إلى التحرير الجيني، ومن أعماق المحيطات إلى غور المجرات... أنها رحلة لا يمكنُ إيجازها، وبالرغم من ذلك ما تزال البشرية تسعى لفهم الكثير مما لم يفهم بعد، وما تزال الدعوة قائمة للجميع ليكون شريكًا في فك طلاسم كل شيء يحيط بنا من الأجسام ما دون الذرية إلى الأكوان اللامتناهية المحتملة!
يبينُ لنا الأنثروبولوجي السعودي، سعد الصويان، في كتابه الموسوعي الشامل «ملحمة التطور البشري» بأن «الحل الذي يقدمه العلم لمعضلة الوجود ليس الوعد بالانتقال إلى عالم آخر له قوانينه المغايرة لقوانين الطبيعة والحياة الدنيا. ما يقدمه العلم هو التفاؤل بمستقبل أفضل من خلال محاولة فهم أعمق لهذا الوجود وتسخير قوانين الطبيعة لخدمة أغراض الإنسان وحل مشاكله في الحياة»، ويضيف «حينما يقدم العلم فرضية عن نشأة الكون أو عن العناصر التي تتركب مها مادته أو عن مكونات الذرة أو الخلية فإن ما يدفع الناس لتقبل هذه الفرضيات ليس لأنها فرضت عليهم، ولا حتى لما تتمتع به من قوة حجة ومنطق. ما يعزز مصداقية العلم هو ما يترتيب على نظرياته من آثار ملموسة ونتائج تقنية تغير أسلوب حياة كل فرد وتشكل العالم من حولنا، بحيث يستحيل تجاهلها أو العيش بمنأىً عنها».
لهذا فالعلم جديرٌ بأن يحتفى به، فمن دونه «لا يملك الإنسان في حالته البدائية إلا أن يستسلم للقضاء والقدر، إذ لا يملك المعارف ولا الأدوات الضرورية وليس بوسعه أن يعمل شيئًا أو أن يغير في مجريات الأمور أو سير الأحداث، أو حتى فهمها وتفسيرها والتعامل معها بشكل سليم. تصبح عيشة الإنسان في مثل هذه الظروف مجرد محاولات لا تنقطع لإدارة أزمات متلاحقة من أجل تقليص الخسائر وتخفيف الأضرار، وكل ما يطمح إليه هو الحد الأدنى الذي مكنه من البقاء على قيد الحياة».
المصدر: سيد أحمد رضا:

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها