النسخة الورقية
العدد 11173 الإثنين 11 نوفمبر 2019 الموافق 14 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:31AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

«الماء.. طبيعة وثقافة» للأنثروبولوجية فيرونيكا سترانغ

الماء.. من الوفرة ونشوء الحضارة إلى الندرة والتسبب في الحروب!

رابط مختصر
العدد 11164 السبت 2 نوفمبر 2019 الموافق 5 ربيع الأولى 1441
«ثم ماءٌ يتدفق فيك ناقلاً دمك عبر الأوردة والشرايين، ومرطباً لحمك وعظامك، ومتحكماً في الشحنات الكهربائية التي تسمح للأفكار بأن تمور في دماغك، ومخلصاً جسدك من الفضلات، وجاعلاً جلدك ناعماً، وغاسلاً قرنيتي عينك وأنت تقرأ. فدون ماءٍ يتدفق باستمرار، محافظاً على جميع وظائف هذه الأجهزة المعقدة، سيتجه جسدك سريعاً نحو التوتر، وصولاً إلى الألم، ومن ثم الانهيار التام». هكذا تفتتحُ أستاذة الأنثربيولوجيا ودراسة المجتمعات البشرية، البريطانية (فيرونيكا سترانغ) كتابها «الماء.. طبيعة وثقافة»، المترجم من قبل هيفاء أبو النادي، والصادر عن «مشروع كلمة للترجمة».
ففي هذا الكتاب، ترتحلُ (فيرونيكا) بالقارئ في رحلةً متعددةً الأبعاد، تتناولُ جوهر من جواهر الحياة للكائن الحي، وهو الماء، خاصة بالنسبة للكائن الإنساني، إذ تركزُ على العلاقات الإنسانية بالماء من حيثُ «كيف نتفاعل معه، وما نعتقدهُ حوله ونفهمه عنه، وكيف نستخدمه في الواقع والخيال»، وذلك باستنطاق العدسات الثقافية أو دراسة الحالة «البيوثقافية» بين الإنسان والماء، ذلك البديهي في حياتنا حد النظر إليه بوصفه هامش، رغم أساسيته وضروريته الحاسمة في استمرار الحياة من عدمها، ليس على الصعيد البيولوجي فحسب، بل وكذلك على الصعيد الثقافي، نظراً لكونه «يتغلغل أيضاً في عواطفنا وخيالاتنا، موفراً بذلك الاستعارات اللازمة للتفكير؛ إنه ينساب عبر المعتقدات الدينية، كما في الممارسات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية».
هذا النظر للماء ببعده «البيوثقافي» راجعٌ إلى كون كل ماهو طبيعي «ينظر إليه، ويجري استيعابه وتلمسه من خلال عدسة ثقافية»، إذ أن الثقافة تتأثر «بالخصائص المادية للعالم الذي نعيش فيه، وتتموقع داخله. ويكمن الوعي الإنساني في الأجساد الـ (بيوثقافية)، بحقائقها الفسيولوجية، والكيميائية، والوراثية، التي تؤثر وتتأثر بالأفكار والممارسات الثقافية»، كما تبين (فيرونيكا).
تنطلقُ (فيرونيكا) بسردٍ يزاوجُ بين الأسطوري والعلمي للتاريخ الطبيعي للماء على الكرة الأرضية، ذلك السرد المطعم بأبعاد المعتقدات القديمة عن نشأت الماء، والمدعم بالفرضيات والنظريات العلمية التي حاولت فك الغموض عنه، بوصفهِ مسألة لطالما شغلت الإنسان عبر الأزمنة المختلفة، وفي مختلف الثقافات، وصولاً إلى العصر الحديث، الذي أضحى فيه العلم هو الباتُ، بيد أنها تؤكد بأن العلماء حتى وقتنا الراهن، لم يجمعوا على أصل الماء، إلا أن ارتباطه بالكائن الحي، فسرته كثيرُ من النظريات، ابرزها نظرية التطور لـ (تشارلز داروين) وعلوم الوراثة لـ (لويس باستور).
ويتصلُ هذا الارتباط بين الكائنات الحية والماء، بالإنسان، نظراً لكون البشرية كما تبين (فيرونيكا) «أحد الأنواع الكثيرة التي تشارك في عملية تدفق أوسع للحياة العضوية»، فبالنسبة لنا، لا يقتصرُ الماء على كونهِ أساسياً في حياتنا من حيثُ المشرب، والاستحمام، والتطهر، إلخ... بل يشكلٌ «نسبة 67 بالمئة تقريباً من الأجسام البشرية. وتشبه أسنان البشر الصخور باحتوائها على 12 بالمئة منه فقط. أما العظام، التي تعد مجازاً خشب الجسم، فيشكل الماء فيها نسبة 22 بالمئة. وتحتوي أنسجة الدماغ، كما الأرض الرطبة والخصبة والغنية بالمواد الطبيعية، على 72 بالمئة من الماء، وفي الدم -على الرغم من أنه أكثف من الماء بكل تأكيد- ماءٌ بنسبة 80 إلى 92 بالمئة».
هذا إلى جانب العديد من الارتباطات التي تبينها (فيرونيكا) بين الإنسان والماء، قبل أن تنتقل إلى الجوانب الثقافية، مستعرضةً جملةً من الأساطير من مختلف الثقافات: بلاد الرافدين، مصر، الهند، الصين، اليونان، الأمريكيتين، وصولاً للأديان، إذ تؤكد المؤلفة بأن جملةً من الأديان اشتركت «في تأويلاتها الكونية، لا على صعيد الأفكار الكبيرة التي تناولت قدرة الماء الخلاقة فحسبت، وإنما على صعيد مفاهيم توليد الحياة الأكثر مباشرة أيضاً. وينعكس هذا في أفكار أصحابها حول الآلهة التي تجسد علميات خلق الحياة في العالم».
وتيشر (فيرونيكا) إلى أن هذه الاعتقادات تشتركُ في كون (الماء حي)، أي بعتباره «يتدفع عبر العالم بغية تفعيل الحياة وتمكينها»، وهذا ما جعلهُ يأخذُ أشكالاً مقدسة لدى العديد من الشعوب، فكما نعرفُ يعدُ الماء أساساً من أسس التطهير في الأديان السماوية، وهو أساسُ من أُسس التعميد في المسيحية، كما أنهُ كذلك في لدى الصابئة المندائيين، ولدى الهندوس، وغيرهم من الديانات.
هذا إلى جانب استخدام الماء لدى العديد من الثقافات الإنسانية، بوصفه مادة للحياة، ولتفسير مختلف المفاهيم، والمجازات، كالزمن، والديمومة، والفناء... ففي بعض الممارسات الصينية التقليدية، يتم «كتابة القصائد على الأرضيات المرصوفة على ماء سيتبخر في غضون دقائق، مما يؤكد اعترافاً مفاده أن كل حالات الوجود مؤقتة»، فيما تمثلُ الثقافات الأخرى معتقداتها بتوظيف الماء توظيفاً مجازياً، لشرح تلك المفاهيم التي أمنت بها، وليس بعيداً عن ذاكرتنا قول (هرقليطس) باستحالةً عبور النهر مرتين.
هذا الارتباط بين الماء والفكر الثقافي بكل أشكاله الأسطورية والفلسفية، يعبرُ عن مدى ارتباط الإنسان بالماء طوال تاريخه، منذُ خروجه الأول من أفريقيا، حتى انتشاره في كل بقاع الأرض، وحول ذلك تقول (فيرونيكا) «لطالما ارتبط الماء ارتباطاً وثيقاً بتدفق البشر في جميع أنحاء العالم»، مضيفةً «أن حركات السكان منذُ الأزل كانت مقيدة أو ممكنة بالاعتماد على تجمد الماء وذوبانه في العصور الجليدية الكبرى، وفترات ارتفاع درجات الحرارة. ومع مرور الزمن، سافرت مجموعات بشرية إلى أماكن جديدة على امتداد ممرات الأرض المائية، حول السواحل، وفي وقت لاحق، عبر المحيطات»، هذا إلى كون الحضارة نشأت بجوار الماء، فنقول (حضارة ما بين النهرين)، في إشارة لنهري دجلة والفرات، أما الحضارة الفرعونية فكانت لصيقةً بنهر النيل العظيم، وكذلك السند، والفرس، واليونان، وغيرها.
وبطبيعة الحال لم تقتصر علاقة الإنسان بالماء في انعكاستها الثقافية والدينية، بل تطورت إلى السياسية، والاقتصادية، من خلال تطويعهِ واستخدامه، أو كما تعبر (فيرونيكا) ترويضه، عبر مختلف الأدوات التي استطاع إنشائها واستخدامها للتغلب على جبروته، كالسدود البسيطة، وحفر الأنهار، والمسالك المائية، وبذلك «ارتباط التحام السلطة مع آليات الحكومة الضرورية لإنشاء الدول والإمبراطوريات الوطنية ارتباطاً وثقياً بالتنمية المائية»، فهذه السلطات والأمبراطوريات اعتمدة اعتماداً كبيراً على الماء، كما تم توظيفه في المدن بأشكل مختلفة، وفي مختلف المجالات الحياتية، بكل أشكال المياه على الأرض، سواء كانت عذبة، أو مالحة، أو كبريتية... إلخ.
ولم يقتصرُ هذا التوظيف على الأبعاد التنموية، بل ارتقى إلى الأبعاد الجمالية، إذ تبين (فيرونيكا) بأنهُ «ظل الماء -على الدوام- موضوعاً للتفكير والمشاركة الوجدانية، فكل تطور في تقنياته جلب معه أشكالاً فنية تحتفي بصفاته الجمالية»، وهذا ما تمثلهُ النوافير بكل أشكالها، والأحواض الحجرية المنحوتة، وغيرها من الأشكال التي ترجعها المؤلفة إلى بلاد سومر القديمة، التي شيدت وزخرفت أولى القنوات عند الينابيع، كما تقول.
ومن الجانب الجمالي إلى الاقتصادي «إذ أطلقت التوربينات البخارية سراح الإنتاج من سطوة الاعتماد المباشر على الممرات المائية. ودارت عجلة الثورة الصناعية بسرعة، في أوائل القرن التاسع عشر، دافعة أنشطتها الإنتاجية في جميع أنحاء العالم»، كيف ذلك؟ عبر المحيطات والبحار، والسدود، الذي تعتبرها (فيرونيكا) الاختراع البشري الذي يمثلُ قوة الإنسان، لكن هذه القوة الإنسانية تحملُ جوانب خطيرة، إذ تنتقلُ المؤلفة من هذا الجانب إلى الجانب السياسي، مبينةً «إن الاعتقاد بأن المجتمعات تملك حق بناء السدود يقدم رؤية إيديولوجية للعلاقات البشرية البيئية تقف على النقيض من التنسيق التعاوني السابق مع الأجناس الأخرى والبيئات المادية»، فالإنسان القديم الذي بنى السدود والقنوات، احترز من إعاقة تدفق الماء، بينما اليوم، نجدُ في العديد من الأمكنة صراعات على هذه المسألة، وأقربُ ما يشهدهُ الواقع اليوم، تعثر المحادثات بين مصر وإثيوبيا حول «سد النهضة» أو كما يطلقُ عليه «سد الألفية».
وتخلصُ (فيرونيكا) في نهاية كتابها البنورامي الموسع، عن الماء، إلى القول: «كان استخدام الماء لأغراض الري والزراعة والطاقة الصناعية محوراً لنمو البشر المطرد. وبالمثل، تكمن أهميته في السماح للمجتمعات بتطوير اقتصادات تعتمد على التنمية المستدامة، والتوسع في استخدام الماء والأراضي وجميع المورد الأخرى. كان هذا مفيداً للكثيرين من الناحية المادية، ولكنه بدا مكلفاً جداً للبشر الأقل قدرة، ولباقي المخلوقات، التي تعتمد مثلهم على الماء سواء بسواء»، في إشارة لما يقوم به البشر من تلويثٍ بمختلف المواد للماء في كل الأمكنة.
هذا إلى جانب الحروب المائية، التي تتربصُ بمختلف بلدان العالم، إذ تؤكدُ (فيرونيكا) بأنهُ «يمكن للخلافات المائية أن تنشب بتسارع مخيف، وتزداد وتيرتها أيضاً كلما احتدم تنافس البشر على توجيه الماء والتحكم بجريانه»، مستعرضةً تاريخ هذه الصراعات، تحت عنوان «حروب الماء»، ذاكرة العديد من النماذج ابرزها ما شهدتهُ منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا «كالصراعات بين تركيا، وسوريا، والعراق على نهر دجلة والفرات. وبين مصر، وإثيوبيا، والسودان على نهر النيل. وبين الكيان المحتل، ولبنان، والأردن، والأراضي الفلسطينية على نهر الأردن». لهذا تؤكدُ (فيرونيكا) بأناّ «في حاجة إلى استبدال مصالحنا بتبجيل الماء باعتباره الزمن، والذاكرة، والحركة، والجريان، فهو مثل المد والجزر للقلب والخيال، وكجوهر (الثروة) الحقيقي، حين تمتزج الصحة بالكمال».


المصدر: سيد أحمد رضا

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها