النسخة الورقية
العدد 11173 الإثنين 11 نوفمبر 2019 الموافق 14 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:31AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

اللؤلؤة والبحر (5 - 6)

قراءة في ديوان «تهويدة لنجمة البحر» للشاعر علي عبدالله خليفة

د. وجدان الصائغ
رابط مختصر
العدد 11164 السبت 2 نوفمبر 2019 الموافق 5 ربيع الأولى 1441
تحدثنا في الحلقات السابقة عن مفصل الحس الإنساني وثقافة الحب، بالإضافة لمفصل الموت، ونصلُ هنا للحديث عن المفصل الثالث: الخريف: عكست مرايا قصائد مجموعة (تهويدة لنجمة البحر) وجها آخر للخريف أثقلته السياقات الشعرية بإيحاءات مغايرة، تأمل مثلا قصيدة (شجر لا يتعرى) ولاحظ كيف أدان المتخيل الخريف حين أصبح قرين غياب العنفوان: «سـألـتـُـكَ: إهـْـدأ قـليلا /‏ وَعَـايـنْ على الأرضِ خـطـْـوكَ /‏ لـسْـتَ ذاكَ الـذي كـان يـومـًا /‏ عـلى الـدّربِ يـمْـشـي /‏ وكـانـتْ زُهــورُ الـطـّـريــقِ لـهُ تـسْـتـجـيْـب /‏ تـأمـّـلْ.. /‏ وقـِـسْ مـا بــيْــن كـأسٍ وكـأسٍ /‏ وقــُـلْ لأشْـجـار هــذا الـخــريـْـفِ: تَـعَـريْ /‏ كـمـا شَـجَـرٍ فـي الـخَـريـــف /‏ فـكـمْ راهَــنَ الـقـلـبُ يـومــًا خَـريـْـفــًا يـمُــرُّ.. /‏ فـمـرَّ خَـريــفٌ.. ومــرَّ خَـريــف».
إن المتن الشعري أخذ شكل وصايا قدمتها الذات المتحركة على مسرح القصيدة للذات القارئة خارج النص وفي إطار وعي جمالي حاد كرسه استخدام أفعال الأمر (إهـْـدأ + َعَـايـنْ + تـأمـّـلْ + قـِـسْ + قــُـلْ)، وهي وصايا أخذت شكل حوارية تتحرك من داخل النص إلى خارجه تارة وتارة بين الذات الشاعرة وأناها على شكل بوح هامس وإن ارتكز على ثيمة الحوار الخارجي، لاحظ كيف وظف المتخيل الشعري ضمائر المخاطب المضمرة والمستترة للتحاور مع ذاته المتمردة على ناموس الطبيعة والحياة: «كـأنــكَ مـا كــنـتَ تَــدْري /‏ بـأنَّ الـسّـنـيـن تــمُــرُّ /‏ وتـأكــلُ مـن ثــمَــرٍ/‏ كـلّ يـومٍ لـهُ فـي الـعـُـروقِ نــزيف».
ينعطف المتن الشعري باتجاه توصيف تحولات الأمكنة والأزمنة، لاحظ الآتي: «وكـمْ في الـهَــزيـع الأخــيْـر مـن الـوجْــدِ /‏ نـاديْــتَ نـجـمـًـا /‏ فـعـَـزّتْ عـلـيـكَ سَـمـاءٌ بـالـنُـجُـومِ تـَجـود».
وتتكثف دلالات الوحشة والغربة حين يتوقف المتخيل الشعري عند ملامح الصديق والرفيق، قارن الآتي: «وكـنـتَ تـَـدري للـسُّـرى لا بُــدَّ مـن مُـؤنــسٍ /‏ وللـوحْـشـة الـصـفـْـراءِ لا بُـدَّ مـنْ ظـلِ روحٍ شـفـيْـف /‏ تـمَـاسَـكْ، /‏ وأسْـلـمْ قــيـادَ أمْـركَ واتــّــئِـدْ /‏ فـاللـيْـلُ فـي وحْـشَـة اللـيـلِ /‏ يا قلبي مُـخـيـف».
وتعكس قصيدة (كلما جاء نحوي) ملمحًا آخر للخريف الذي يكون نقيض الربيع الشعري، لاحظ كيف كثف المتخيل الشعري الفضاء الصوفي على أفق المقطع الأول من القصيدة ليعكس نورانية الوجد بالذات المقدسة: «كـلّما جَاءَ نَحْـويَ مـنـكَ أريـجٌ /‏ وشَـعَّ عـلى الـبُـعْـد مـنـكَ إليَّ بـريـق /‏ وداهَـمَ روحي الـشُّـعورُ الخَـفيُّ الذي /‏ كانَ ضـوءً عـلى حـافـةٍ للـطـريـق /‏ كـلَّما جَاءَ نَحْـويَ مـنـكَ فَـراشٌ /‏ يَـلوحُ كــنَجْـمٍ تَـراءى على الـبُـعْـدِ /‏ وأفْـضى لـطـيْـفٍ يُـخالـجُ مـنّـي الـشّـغَـاف /‏ تـمَـاسَـكَ قـلـبـي /‏ وهَـبَّ كـمَـنْ مَـسَّـهُ الـوَجْـدُ../‏ ألـقـى بـهِ قَـعْــرَ بِـئْـرٍ سَـحـيـق».
ويضيء المقطع الثاني ملامح الأنثى المستمدة جمالها وعنفوانها من ألق الطبيعة وبهائها حين يرد: «كـلّـما جـئـتِ نَحْـويَ عُـصفُـورةً /‏ مـن بـعـيـدٍ تُــناغـي /‏ وتَـهْـتُـفُ بـي أنْ تَـعَـالَ إلـيَّ هُـنا /‏ فـوقَ هــذا الـشَّـجَـر../‏ قُـمْ، تَـعـالَ نُـغَـنّي.. تَـعَـالَ نَـطـيـر /‏ تَـعَالَ، وجَـرّبْ فَـضَـاءً، وجَـرّبْ هَـوَاءً../‏ هَـواهُ الـشّـذا والـعَـبـيـر».
من اللافت أن الحوار الخارجي بين الذات المتحركة على مسرح النص والأنثى /‏ المعشوقة قد شكل توترا واضحا في طبيعة الصلة التي تصل إلى حد الغواية والإيقاع في شرك الخطيئة التي يقمعها صوت الذات الساردة حين تعلن: «تَـوَجَّـسْـتُ مـنْ خـيْـفَـةٍ فـي الـقَـرارِ /‏ وَلُـذْتُ بـذاكَ الـذي كانَ يُـنْـبـؤُنـي بـاحْـتـمَـال المَـصـيـر». ويكثف المقطع الأخير العزوف الواضح عن فضاءات تلك الأنثى حين يرد: «تَـماسَـكَ قَـلـبـي وَأشْـعَـلَ في العَـتْـمِ /‏ قَـوسَ الـرَّبـابْ /‏ وأغْـلـقَ دُونَ لُـحُـونِ الـخَـريـفِ الطَّـريـق». فنستنتج أن المتن يجعل من القصيدة (قوس الرباب) معادلاً فنيًا ونفسيًا يضيء ربيعًا شعريًا يتضاد وتفاصيل الخريف التي (أغلق) دونها واعيًا (الطريق).
المفصل الرابع: البعد القصصي: تعيد قصائد مجموعة (تهويدة لنجمة البحر) إلى الذهن صلة الشاعر بالقصة وعلى مدار أكثر من خمسين عاما واشج خلالها بين المتن الشعري والسردي بمهارة إذ كان يطوّع الإيقاع الشعري الخارجي بتفعيلاته والإيقاع الداخلي ونسيج الصور الشعرية في خدمة الفضاء السردي وعناصره المتنوعة من حوار خارجي وداخلي وزمان نفسي وتقويمي ومكان جغرافي ونفسي أضف إلى ذلك الأحداث والشخصيات الرئيسية والثانوية فضلاً عن أن المتخيل الشعري قد مهر في تغيير موقع الأنا الساردة التي قد تكون تارة إحدى الشخصيات المتحركة على مسرح النص وتارة ساردة فقط. لاحظ مثلاً قصيدة (قراءة..) التي جاءت على تفعيلة الرمل (فاعلاتن) يستهلها بوصف دقيق للمكان (المطعم) الضاج بالأصوات والشخصيات الثانوية المتحركة على مساحة القصيدة:
«حاشــدٌ بالـنـاس ِ منْ حـوليَ /‏ في تـلـكَ الـبـلادْ /‏ مَـطـعـمٌ بالـكـاد ِ يُـعـطـيكَ مكانـًـا للجلوسْ /‏ وعلى وقـْـع ِ أغـانٍ غـجــريـّــةْ /‏ يأكـلُ الجـمـعُ.. يُـغــنــّي /‏ وتـمُـوجُ الـطـاولاتْ /‏ بـصُـحـون ٍ وكــؤوس ٍ وخـَليطٍ مـنْ لـغـاتْ /‏ يَـهْــزجُ الـجَـمْـعُ ضَـجـيـجـًا ويُــنـادي الــنــّـادلات».
إن المتخيل الشعري قد وظف ببراعة تفعيلات بحر الرمل (فاعلاتن) والتكثيف الدلالي للصورة الشعرية لرسم مشهد حيوي للمكان الجغرافي النائي (مطعم + تلك البلاد + طاولات) مزدحم (بالكاد يعطيك مكانا للجلوس) والحركة المائجة (يَـهْــزجُ الـجَـمْـعُ ضَـجـيـجـًا ويُــنـادي الــنــّـادلات ْ) الممتزجة (وقـْـع ِ أغـان ٍ غـجــريـّــةْ + خليط من لغات) وتنتقل كاميرا النص إلى الشخصية التي تشاطر الأنا الساردة الحركة داخل هذا الفضاء، لاحظ الآتي: «وصَـديـقـي - بـاســمًا - يَــنـظـرُ في عَــيْـنيَّ حـيـنــًا /‏ ثــمَّ يـرتـــدُّ لـجَــمـع ِ الـسّـامــرينْ».
ويتوقف المتخيل الشعري عند الزمن التقويمي الذي يرد ممتزجا ببقية العناصر القصصية في المقطع التالي: «وقـلـيـلا ً.. فـقـلـيـلْ /‏ تـخـْـفـُـتُ الأصْواتُ.. يـَـنـفـَـضُّ الـحُـضُـورْ../‏ يَـهـدأ الـمَـطـعـمُ.. يَــبـقـى نـَــفـَـرٌ /‏ يَـجـمَـعُ الأشْــتـاتَ ذكــرى بالـصـوَرْ». ثم ينعطف باتجاه الشخصية الرئيسية التي طفق المتخيل الشعري يصفها من خلال وعي الأنا الساردة ومونولوجها: «و(أنـُـوشْــكـا) تحتَ ثِــقــْـل ِ الـعُــمْــر ِ والجـِـسْــم ِ خـَــفـَـيــفـَـة /‏ تــنـْـقــُـلُ الـخَــطـْــوَ، وتـبـقـى عـنـدَ بـَـعـض ِ الـجـالـسـيـنْ /‏ وأراها بَـعـدَ حـيـنٍ ثــمَّ حـيـنْ /‏ تــنـْـثـُــرُ الألوانَ.. تــَـروي.. تــبْــتــسِـمْ.../‏ تــَـجْــمَـعُ الأمْـوالَ والإعْـجـابَ».
ويٌغلق المشهد الشعري على حدث اللقاء بين (الأنا الساردة /‏ الشخصية الرئيسية) وآنوشكا عبر حوار خارجي: «جاءتـنـي وقـالـتْ: أقـْـرأُ الـكـَــفَّ /‏ إذا شِــئـْـتَ، فـهَـاتْ». لم يسترسل المتخيل الشعري في وصف تفاصيل ذلك اللقاء العابر إلا أنه اكتفى في المشهد التالي بالشروع فيه محيلا بذلك إلى عنونة القصيدة (قراءة)، تأمل الآتي: «طالعـتْ كــفــِّي (أنـُـوشـْـكـا) بابـتـساماتٍ مُـريـبَـةْ /‏ طالـعَــتـْــني»، ثــمَّ أغـْـضَـتْ: «يـا لـَـدربٍ كــنـْـتَ بالـشـَّـوكِ مَــشـَــيـــتْ! /‏ كـمْ طـَويــتَ الـعُــمْــرَ ما بـيـنَ شـَــقـاءٍ وتـَـعـَـبْ؟! /‏ ولـمـاذا أنـتَ والـعُـصْــفـُـورُ فـي مَــرمـى حَـجَـرْ؟! /‏ ولماذا أنـتَ فـي الـيـُـتـْـم ِ رَبــابٌ /‏ سـادرٌ فـي نـَـغـَـمٍ لا يُــغـْــتــَــفـَــرْ؟! /‏ أمْـطـَـرتـْــني بــسُــؤالٍ وســؤالْ /‏ واسْـتـلـذتْ طـرْحَ تــلـْـكَ الأسـْــئـلـةْ /‏ فـإذا كـُــلُّ حـيـاتـي شـَــفـَـراتٌ وسِــنـان /‏ وخــوابــي أسْــئــلــة /‏ وكــتـابٌ تــَـقــْـرَأ الأحــداثَ فــيـــهِ /‏ وتـُـسـمِّي لي مَـحَــطـاتٍ../‏ تـًـنادي لي ُرمـوزا وحُــروفْ».
وينتقل المتخيل الشعري من أفق الحوار الخارجي بين أنوشكا والأنا الساردة الذي درّج فيه نبرات الصوت من النبرة العالية الى الخافتة إلى الهامسة إلى حوار داخلي متخم بصور شعرية تفصح عن احداث ملتهبة وازمنة ملبدة بالوجع وأمكنة مفخخة بالشراك وشخصيات مراوغة متربصة وحوارات محمومة بالضغينة، لاحظ الآتي: «وأنـا مـا بَــيـنَ شــيءٍ يُـشـْـبـهُ الـحُـلـْــمَ /‏ ولا يـشـْـبـهُ شـيـئــًا في الحَـقـيـقـةْ /‏ و (أنـُـوشـْـكـا)، دونَ أنْ تــُـدركَ في الـعُـمْـق يَــدَيـْهـا /‏ تـُـمْـسِـكُ الـجُـرحَ وتـــتــْـلـو ما تـبـقــّى مـنْ جـراحْ /‏ وكــتابـي كـُـلـُّـهُ كـانَ عَـجـــيـبَ الـصّـفـَحاتْ /‏ و(أنـُـوشـْـكـا) طـائــرٌ يـَـرقــُـبُ حَــقـْـلاً /‏ مـنْ عُــلـوّ ٍ يَـحـْــتــرقْ /‏ ويَــرى كــيْــفَ تــُـعِــيــدُ الــنــَّـارُ تــَـشـْــكــيــلَ الـمَــعـَـادنْ /‏ والـلــيـالـي كــيـْــفَ تــَــبـْـدو/‏ حِــيـنَ تــَــرتــَـجُّ مــنَ الــقــاع ِ الــمَـــدائـِــنْ».
وينتقل المتخيل الشعري إلى شعيرة فلكلورية حين يرد عبر الأنا الساردة: «أوغـلـتْ فـيَّ (أنـُـوشـْـكـا) وتـمـادَت /‏ ثـمَّ ألـقــَـتْ بـفـصُـوصٍ.. خـَـرَزاتْ»، ويضيء الحوار الخارجي وجهي الشخصيتين الرئيسيتين عبر تدرج واعٍ لنبر الصوت من الارتفاع الى الهمس، تأمل الآتي: «قـالت: اخــتـرْ اثنتين /‏ فـتـأمَّــلـتُ نِــثــَـارًا من فـُـصُـوص وخـَـــرَزْ/‏ كانـَــتِ الألــوانُ شـَـــتــّى /‏ وبَــريـقٌ كـانَ يــدعــوني إلـى لـَـونــيــنِ /‏ فــاخــتــرتُ اثـنـتـيـن /‏ هَــمَــسَـتْ: شـَـيءٌ جَـمـيــلٌ!!/‏ إنــَّــهُ الـحُـبُّ الـذي اخـْــتـَـرتَ كما اخـْــتــرتَ الـحـيـاة /‏ فأضِـفْ واحــدة ً أخـْـرى../‏ عَـلا كــلَّ مُـحـيـاهـا ابـتـسـامٌ وعَـجَـب /‏ طـالـعَــــتــْــني بارتِــيــابٍ /‏ وبـمـا يُـشـبـهُ أنْ تــَـرثي لـحـالٍ /‏ فـي طـريق ِ الـتـهْــلـُـكـة /‏ آه ِ، مـا أشــقى الـذي تـخـتـارُ فـي الـحـبِّ!/‏ تــُـريــدُ الـعـِـشـْــقَ حـتى ُذروة ِ الـعـِــشـْــقِ../‏ وحـتى الـمُــنـْــتــهـى.. مــنْ دون ِ حَــــدْ../‏ وتــُـنادي وردةَ الــنــُّـور لــتـــفـْــنى/‏ كــفـَـراشٍ فـي الــصَّــهَـد ْ؟!/‏ آه ِ، مـا أشـْــقــَـاكَ! مـا أغـْــَربَ.. مـا أبـْـعـَـدَ مـا تــَـصـبُـو/‏ فـمَـنْ أنــتَ.. ومِـنْ أيِّ بـَــلـَـدْ؟!».
المصدر: د. وجدان الصائغ - جامعة ميتشغان الأمريكية

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها