النسخة الورقية
العدد 11173 الإثنين 11 نوفمبر 2019 الموافق 14 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:31AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

تأمّلات في مسرح القسوة

د. أمّ الزين بن شيخة
رابط مختصر
العدد 11157 السبت 26 أكتوبر 2019 الموافق 27 صفر 1441
يقول الفيلسوف الفرنسي المُعاصِر ألان باديو: «علينا الذهاب إلى المَسرَح ثلاث مائة وخمساً وستّين مرّة في السنة». لكنْ ألَيس ما نعيشه كلّ يوم من أحداثٍ على الركح الكبير لمَسرَح التاريخ الدموي المُعاصِر كافياً لإشباع حاجاتنا إلى المَسرَح؟ أيّ مَسرَح يشبه هذا العصر الذي اختلطت فيه الكوميديا بالتراجيديا، والمأساة بالملهاة، وتهريج السياسيّين بخطابات الدُّعاة؟ أيّ شكلٍ من المَسرَح بوسعنا، نحن الذين أتعبتنا الثنايا وأنهكتنا أحلامنا الساذجة في غدٍ أفضل، الانتماء إليه اليوم في أوطانٍ هشّة؟ مَسرَح القسوة أم مَسرَح العبث؟ مَسرَح الوضعيّات أم مَسرَح الموت؟
تتعالى أصوات المَسارح وتختلط في أذهاننا المعطوبة ملحمة بريشت وصراخ أرتو، وتتصافح كلّ الأيادي القذرة فوق عقولنا ليلاً، كي تتقيّأ بعض الغثيان في شكل ثنايا لا تؤدّي..ويرقص جنون أرتو وآلامه منذ مصحّة روداز وهو يصرخ تحت الصعقات الكهربائيّة مع جثامين كانتور من أجل أن يقهقه عالياً مَسرَح العبث على لسان بيكيت الذي يعرف جيّداً أنّ غودو لن يأتي أبداً وهو مع ذلك يصرّ على انتظاره. نحن أيضاً لا زال لدينا مساحة واسعة للفراغ، لمزيدٍ من الأشباح على الركح..لأجساد بلا أعضاء..لأغنيات سوف نغنّيها بأجسادنا قبل اللّغة، وفي ما هو أبعد من الدراما وأبعد من البشر.
وقَّع فرانسوا ليوتار مفهوم «ما بعد الحداثة» في الفلسفة بكِتابٍ له تحت عنوان الوضعيّة ما بعد الحديثة انطلاقاً من أطروحة ألمعيّة لا تزال مُغرية إلى حدّ الآن هي «نهاية السرديّات الكبرى». وإنّ المقصود بذلك هو سرديّة التقدّم التنويريّة، وسرديّة الجدليّة الهيغليّة، وسرديّة اليوطوبيا الماركسيّة...إلخ. غير أنّ نهاية السرديّات قد دَفعت بالعالَم إلى فقر روحي وعاطفي مدقع، إلى نَوع من «القحط الأنطولوجي»، على حدّ تعبير لنيغري؛ الأمر الذي جعلَ فيلسوفاً كبيراً في قامة ألان باديو اليوم يُصرِّح «أنّ هذا العصر قد فقدَ القدرة على الأفكار الكبرى»، وأنّ شعارات العدميّة الجماليّة التي ما انفكّ أحفاد نيتشه يوزّعونها على عقول الناس في ضرب من الاندفاعة الرومنسيّة البهيجة، قد وقع إنهاكُها هي الأخرى.
نعم الأفكار تتعب أيضاً، وكلّما سقطت فكرة كبيرة سقط معها عالَمها برمّته، حينئذ يحين الوقت لبومة المينارفا كي تحلِّق عالياً مُنبِئة بنهاية عصر ما، وحينها فقط «تأتي الفلسفة -بعبارة هيغل- من أجل أن ترسم لوحة رماديّة فوق لوحة رماديّة، ذلك يعني أنّ عصراً ما قد أُصيب بالشيخوخة»، وقد آن الأوان لبدء جديد. كانط عرَّف الحريّة بكونها «القدرة على بدء شيء جديد». لكنْ مَن يملك هكذا اقتدار من أجل بدء جديد؟ ربّما وحده الإنسان الأرقى أو «ما بعد الإنسان» بوسعه أن يُقدم على هذا الأمر، لأنّه يملك إرادة الاقتدار الكفيلة بتجاوُز هذا النمط من الإنسان العدمي الكسول الذي يعتقد أنّ الآلهة قد صمَّمته على أحسن تقويم.
لقد وقّع أنتونان أرتو أوّل ثورة في المَسرَح المُعاصر بأن قَطَعَ مع الدراما باقتراحه مفهوم القسوة. أيّ مسافة قطعها من أجل تكنيس سلطة الكاتِب والنصّ الجاهز والممثّل كوسيلة لمُحاكاة النصّ؟ هي المسافة بين الدراما، بما هي قصّة وأبطال وحوارات، ومَسرَح القسوَة بوصفه يولَد من الصراخ. إنّه أنتونان أرتو الكاتِب والمَسرَحي والرسّام والشاعر الذي قضى حياته بين الكتابة والحجز في المصحّة العقليّة، هو أرتو الذي كتبَ عنه جاك دريدا قائلاً: «مَن يسمع صوت أرتو لن يكون بمستطاعه إسكاته». وهو أيضا أرتو الشرقي الذي يعود بنا إلى الشرق القديم من أجل مَسرَح قادر على الرقص وعلى الحلم وعلى مصالحتنا بأجسادنا وأرواحنا معاً.
مثّل مَسرَح القسوة بالنسبة إلى فلاسفة الاختلاف حَدثاً كبيراً لاختراع ضربٍ جديد لا من المَسرَح فقط، بل ومن التفلسُف أيضاً؛ حيث مثّل جنون أرتو حَدَثاً عميقاً جعلَ فوكو يتبنّى فكرة الجنون كأحداثيّة فلسفيّة قادرة على التأريخ للعقل الغربي القائم على مُراقَبة الأجساد وحجْزها ومُعاقبتها والتسلّط عليها (وذلك انطلاقا من كِتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي بتاريخ 1961). وفضلاً عن فوكو، اعتبرَ دريدا مَسرَح القسوة لأرتو توقيعاً لنهاية مَسرَح التمثيل، بحيث وقع وفْق عبارات دريدا «طرد الإله من الركح»، وتحرير المَسرَح من لاهوت العلامة ومن غطْرسة الكلام وهَيْمنة اللّوغوس الغربي. مثلما اعتبرَ دولوز مَسرَح القسوة خطوط إفلات من الفضاءات المُحدَّدة بأجهزة الدولة. واقتنص أهمّ مفاهيم أرتو كي ينجز مع غاتاري «أوديب المُضادّ» على تصوّر جديد للجسد بوصفه «جسداً بلا أعضاء» و«مكنات رغبة ضدّ جهاز الدولة».

الانتهاء من ديكتاتوريّة النصّ
ظهرَ مفهوم مَسرَح القسوة ضمن نصّ لأرتو تحت عنوان «المَسرَح وشبيهه» بتاريخ 1938. ويجد عبارته التامّة تحت قلم أرتو في ما يلي: «علينا أن ننتهي من المَسرَح السيكولوجي، من دكتاتوريّة النصّ، من الفصْل بين المتفرّج والفرجة، وذلك من أجل أن نلتقي بالمَصادر السحريّة للمَسرَح المقدَّس، أي المَسرَح الشعريّ والموسيقيّ والتشكيليّ للفضاء». وعليه يقوم هذا المَسرَح إذن، على زحْزَحَة الكلمة وتعويضها بالصراخ. إنّه مَسرَح الجسد قبل أن يصير كائناً عضويّاً وقّعه النحو ولاهوت العلامة. والجسد ههنا بوصفه لحماً إنّما هو هذا الشبيه، أي هذا الوجود المُضاعف. إنّه مادّة لزجة بلا شكل، شبح الروح والجسم معاً. إنّه مَسرَح الأجساد بوصفها أصواتاً وحركاتٍ وإشاراتٍ وأفكاراً معاً؛ هو مَسرَح يخترع لغة جديدة ضدّ سلطة الكلمة وسلطة النصّ المكتوب وسلطة الكاتِب. إنّنا إزاء لغة جسديّة لحميّة مسكونة بقساوة الحياة وشهوتها معاً.
يفترض مَسرَح القسوة لأرتو ضرباً من الميتافيزيقا العميقة التي استلهمها من الديانات الشرقيّة القديمة ومن العودة إلى نَوعٍ من الروحَنة الغنوصيّة والصوفيّة والسحريّة، فضلاً عن قراءات فلسفيّة لنصوص نيتشه وهيدغر بخاصّة. ويُمكن القول إنّ مَسرَح القسوة الذي هيّأ عميقاً للمَسرَح ما بعد الدرامي، قام على ميتافيزيقا العودة إلى «ما قبل» رمزيّة جدّاً:هي ما قبل اللّغة، وما قبل الجسم ككائنٍ عضويّ تحت سطوة لاهوت الكلام، وما قبل الدّين كمؤسَّسة لمُراقَبة الأجساد والتحكّم بها. هو مَسرَح لاختراع الروح في ما أبعد من دراما الديني. كيف تمّ التنضيد لهذه الرَّوحَنة ما بعد الدينيّة؟
علينا أن نُشير بدءاً إلى أنّه لا يُمكن فهْم مَسرَح القسوة لأرتو خارج تأثّره العميق بنيتشه أوّلاً، وبهيدغر ثانياً. ويقترح مَسرَح القسوة ضرورة العودة إلى التصوّف الشرقي والديانات القديمة في أُفق الثورة السرياليّة. وهو ما يقتضي تنشيط ضربٍ جديد من الميتافيزيقا المضادّة للميتافيزيقا الكلاسيكيّة الغربيّة، وعليه يتعلّق الأمر بمَسرَح يقع تأسيسه على ضرب من المخيال الغنوصي الذي يَمنح معنىً للقساوة الكسمولوجيّة. وهو ينضوي تحت راية ضربٍ من الهرطقة الغنوصيّة، التي سادت شرق المتوسّط في القرنَين الثالث والرابع للميلاد، وهي هرطقة جَمعت بين الفلسفة والمسيحيّة، وتقوم على فكرة أنّ العالَم سيّىء على نحوٍ جذري، وأنّ النَّفس ضحيّة قوى شيطانيّة في عالَمٍ محروم من التدخّل الإلهي، وأنّ الإنسان الذي وقع إخضاعه لهذا النَّوع من «الخبث الأصلي» عليه أن يعيش هذه القسوة وأن يصعّدها على المَسرَح. ولقد اعتبر أرتو أنّه إذا كان ثمّة «قفزة ما في ما أبعد من هذه الكارثة، فهي موكولة بيَد المَسرَح الذي يعود إليه إنجاز العلامة الشعريّة والسحريّة لهذه القفزة عبر صوره وأشكاله». وفي هذا المعنى ذهبَ دريدا إلى أنّ أرتو يعتقد في أنّه قد تمّت سرقة جسده منه منذ صرخته الأولى، وأنّ المَسرَح الدرامي قد واصلَ هذه السرقة لجسد الممثّل ولصوته، بل لقد فُصل صوته عن جسده. لذلك فإنّ مَسرَح القسوة يقتضي اختراق هذا الفصل وتمزيق ركح التمثيل من أجل طرْد العلامات ورفْض خطاب الهَيْمَنة على الجسد إلى حدّ تحويل الركح إلى إمكانيّة اختراع مكان قبل الولادة، لغة قبل الجسم،هي بتعبير أرتو«لغة لم نعثر بعد على نحوها الخاصّ»، أي لغة قبل كلّ أشكال السطو الغربي على الجسد.
إنّ السؤال الكبير لمَسرَح القسوة هو «ما الذي يستطيعه الجسد؟ وعلى أيّ جسد نحن قادرون؟» وعن هذا السؤال يجيب أرتو أنّ «الإنسان مريض، لأنّه صُمِّم على نحوٍ سيّىء..وحينما نجعل له جسداً بلا أعضاء سنُحرِّره من هذه السلوكات الآليّة وسنحوّله إلى جسدٍ راقص». وهو معنى تحرير الجسد من هَيمنة النصوص السابقة عليه، والمقصود هو الجسد الذي يولد على الركح راقصاً، من أجل أن يشوّش نِظام الجسد كمؤسّسة خطابيّة وانضباطيّة ولاهوتيّة. وفي هذا السياق يقرّ أرتو بالتمزّق بين الجسد والشبيه، أي الشبح الذي يصرخ بصوت المومياء «لا حياتي قد اكتملت ولا موتي قد أجهض تماماً، لأنّ الموت لم يعُد يشغلني».

التقدّم على إيقاع الكارثة
لقد مثّل مَسرَح القسوة لأرتو الشكل الأصلي من المَسرَح ما بعد الدرامي، الذي وقّعه الناقد الألماني هانس ثيس لهمان بتاريخ 1999. غير أنّ المسافة الفاصلة بين مَسرَح أرتو ومَسرَح ما بعد الدراما، نجحت إلى حدّ كبير في إخفاء كمّية المخزون الميتافيزيقي الذي أودعه أرتو في ركح القسوة. ذلك أنّه ثمّة دوماً ميتافيزيقا عميقة تدير شأن سياسات المعاني ونِظام جَولانها من ضمن الأُفق الكبير لعصر ما؛ وأنّ هذا الانتماء الجمالي والفلسفي العامّ إلى باحة «الما بعد» إنّما جاءت من مخاضات رمزيّة متوعّرة من تحرير الجسد والفكر من أشكال السطو اللّاهوتيّة والسياسيّة عليه، مثّل أرتو أهمّ حلقة مَسرَحيّة فيها. غير أنّ هذا «الما بعد»، وإن كان مُغرياً بوعوده، قد يكون مُخيفاً بمساحة اللّامتوقَّع اللّامُتناهية التي يخفيها. وقد يُعيدنا إلى أشكالِ من «الما قبل»(يوناني، شرقي، بدائي، غنوصي أو تصوّفي أو سحري أو وثني) التي قد لا تعود وإلاّ وهي تُجرجر في خطاها عوالِم لم تعُد مُناسِبة للانتماء إلى المستقبل. لكنْ مَن بمُستطاعه تملُّك وجهة المستقبل؟
ربّما حَسبْنا فقط أن نواصل التقدّم على إيقاع الكارثة (بعبارة لبنيامين)، أو أن نخترع أقاليم وجوديّة مُغايِرة صالِحة للسكن (بعبارة غاتاري)، أو أن نترحّل وفق خطوط إفلات وفضاءات فنّية صقيلة. لكن حذار، سيبقى هذا الترحال محفوفاً بالخطر، لأنّك قد تلتقي على خطّ الإفلات نفسه بمَن ترغب في الإفلات منه: خطوط فاشيّة أو أصوليّة أو نازيّة..أجندات ولوبيّات..هل نقول إذن، مثلما قال هيدغر ذات مقابلة «وحده إله بوسعنا أن ينقذنا»، أم نقول مع جيل دولوز «لا ينبغي أبداً أن نعتقد أنّ فضاءً صقيلاً بوسعه أن ينقذنا»؟

المصدر: د. أمّ الزين بن شيخة - باحثة وأكاديميّة من تونس

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها