النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

اللؤلؤة والبحر (1 - 6)

قراءة في ديوان «تهويدة لنجمة البحر» للشاعر علي عبدالله خليفة

د. وجدان الصائغ
رابط مختصر
العدد 11136 السبت 5 أكتوبر 2019 الموافق 6 صفر 1440
عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» صدرت مؤخراً مجموعة شعرية جديدة بعنوان «تهويدة لنجمة البحر»، للشاعر البحريني علي عبد الله خليفة، والتي جاءت باللغة العربية الفصحى، مقسمةً على أربع اقسام، القسم الأول جاء بعنوان «فيما يرى النائم»، تلاهُ «بيت بذاك الحي»، أما القسم الثلاث فحمل عنوان «شجر لا يتعرّى»، وختمت بالرابع المعنون بـ «بلا منتهى». في هذه السلسلة، ننشرُ على شكل حلقات، قراءة نقدية لهذه المجموعة الشعرية، للناقدة العراقية الدكتورة وجدان الصائغ، من قسم دراسات الشرق الأوسط، بجامعة ميتشغان الأمريكية.
تضعك قصائد هذه المجموعة أمام محطة جديدة من محطات بناء الصورة الشعرية ونسج الفردوس الشعري لتغدو وأنت في حضرة تلك القصائد أمام خبرة امتدت لأكثر من نصف قرن، نسج خلالها المتخيل الشعري تقنية جديدة لتشذير قصائد المجموعة - وهي خمس وأربعون قصيدة - إلى أربع شذرات هي: (فيما يرى النائم - عشر قصائد - بيت بذاك الحي - ثلاث عشرة قصيدة - شجر لا يتعرّى - ثمان قصائد - بلا منتهى - أربع عشرة قصيدة)، حيث تعكس رؤى بانورامية لفضاء الشعر في إطار تكثيف دلالي يهيمن على أفق التلقي منذ الإهداء الذي يرد فيه: «إليها وهي تتنفس الماء في أعالي البحار» مرورًا بعنونة تلك الشذرات الأربع وانتهاء بعنونة المجموعة التي ترتبط تارة بالإهداء في جزئها الثاني (اليها) واقصد (نجمة البحر)، وترتبط في جزئها الثاني (تهويدة) بـ(فيما يرى النائم) التي فعليًا لم تتضمن قصيدة تنم عن عنونتها كما هو شأن بقية الشذرات، وهي تقنية تثير تساؤلات التلقي مثل: لماذا قسم المتخيل الشعري قصائد الديوان إلى تلك الشذرات التي يمكن لها أن تكون مجموعات شعرية مستقلة؟ ولماذا شاء المتخيل أن يربطها ببعضها بخيط الشعر لتستقر تحت فضاء التهويدة التي أهداها إلى نجمة البحر؟ ولماذا نجمة البحر؟ أهي النجمة التي تعيد للذاكرة أنين الصواري؟ أم هي النجمة /‏ الأنثى المقدسة التي ترنو إليها العيون ولا تطالها؟ أم هي النجمة المستقرة في عمق البحر؟ ولماذا في أعالي البحار؟ ولماذا تتنفس الماء؟ ولماذا التهويدة؟ كلها أسئلة تندغم في حضرة قصائد المجموعة التي تتواشج في نسيجها الصور الحسية بالصور البلاغية من جانب ومن جانب آخر يمتزج فيها الشعري بالقصصي بالفلكلوري بالسيري بالميثولوجي، وهي جميعًا تتحرك برشاقة عبر أزمنة متباينة فمن المستقبل إلى الماضي وبالعكس مرورًا باللحظة الراهنة خاطفة كسرا من اليومي والمعاش صوب إيحاءات مدهشة تعكس بدقة تفاصيل المسكوت عنه، نجمل تلك المفاصل التي وردت متواشجة في خضم القصيدة والتي لا يمكن لها أن تنفصل إلا في سياق تلك السطور:
المفصل الأول: الحس الإنساني وثقافة الحب: في خضم عارم من التحديات التي يواجها الإنسان العربي الأعزل، حيث تهيمن عتمة الضغينة وثقافة الدم والجوع و الإبادة الجماعية. تحديات تحاكمه قهرًا وظلمًا لتنهب أمكنته وتسرق أحلامه وخبزه اليومي تقف قصائد المجموعة لتفتح نافذة للتسامح والحس الإنساني الذي يرفض الأقفاص البليدة للأمكنة وترفض حجر الذات الإنسانية انى كانت في مسميات العتمة، تأمل مثلاً قصيدة (قيامة الوجد) التي تدعو إلى إشاعة ثقافة الحب بديلاً عن شلالات الحمرة التي تغطي المشهد الإنساني العالمي عموما والعربي على وجه الخصوص:
«علاجُ هذه الــدّنيا /‏ هـوَ الحُـبُّ، لو فـَـطِـنتْ /‏ كلُّ الوحوش ِ، لما سالَ دمٌ دونَ معنى/‏ ولا ماتَ من الجوع ِ طـفـل ٌ/‏ ولا انـسَــدَّ بــابُ الـنـبــيــيـنَ/‏ وانفـتحتْ أبــوابُ من جَـهـَــلا./‏ الـلهَ ما أروع َ الـدنـيا وبـهـجَــتـها /‏ لو سادَ حـبٌّ يـَجـْـمَـعُ الأجـناسَ والألـوانَ /‏ والأديانَ والـمـلـلا./‏ اللـهَ لو قـامتْ قيامةُ الـوَجـد ِ في الـلهِ، وانـفـتـحـتْ /‏ بصائـرُ الخلقِ، لـكـنـّـا لبعــضنا رُسُـــــلا».
من الواضح أن المتن يناقش ثقافة الموت والدمار التي تضغط بشدة على اليومي المعاش والتي تبيح سلب الآخر حياته تحت تبريرات لا تمت للإنسانية بصلة وقد عبر عنها المتن بـ(لو سادَ حـبٌّ يـَجـْـمَـعُ الأجـناسَ والألـوانَ /‏ والأديانَ والـمـلـلا) وقد وضعت تلك المفردات في إطار جملة شرطية تفرض الحب بديلا للضغينة، أضف إلى ذلك أن المتخيل الشعري يدين صراحة الأيدي الملوثة التي نسجت تلك القتامة حين ينزع عنها هويتها الإنسانية لتغدو (وحوشا + من جهلا). وتفضح تقنية جملة (لو) بفعلها وجوابها الشرطي الذي هيمن على هندسة النص الرغبة في الخروج من نفق العتمة والجوع والوحشة الى أفق (البهجة والحب).
وقد يخلق المتخيل الشعري يوتيوبيا شعرية بوصفها مكانا بديلا لعامل تسوده قتامة الظلم والموت الجماعي، تأمل مثلاً قصيدة (هـــنـاك..) التي تهب الذات المجرّحة بالحرمان ملاذا آمنا: «هـنالـكَ../‏ حَـيْـثُ المدى في اتّـساع../‏ وحَـيْـثُ الـرُّؤى في اتّـقـادْ /‏ هـنالـكَ حَـيْـثُ الـنّدى مـن رحيقٍ /‏ وحَـيْـثُ الهَوى../‏ مِـثـلما يَـشتَهـيهِ الـفُـؤادْ /‏ هُـنالـكَ حَيْثُ الهُدوءُ، وحَـيْـثُ الـسَّـكـيـنـة /‏ وحَـيْـثُ الزّمـانُ /‏ يَـمُـدُّ إلـيـكَ يـداً مـن حَــنَـان /‏ هُـنالكَ.. حَـيْـثُ الـمُـنى في يَـديكَ /‏ وحَـيـثُ نُجُوم السّماءِ بــلاد /‏ هُـنالـكَ.. حَـيـثُ الحَـياةُ الحَـياةُ.. /‏ باللا مَـكان».
من اللافت أن المتن الشعري يستخدم تقينة الخرم الطباعي منذ العنونة (هناك..) مرورًا بالمتن (هـنالـكَ.. + هـنالـكَ.. + هـنالـكَ..) لتمنح التلقي سانحة المشاركة في إيجاد أمكنة بديلة لتلك الذات المثخنة بحمرة الموت والفقد.
وتعكس قصائد المجموعة بعدًا آخر للحس الإنساني، لاحظ مثلاً كيف عكست مرايا قصيدة (ثمار الطريق) بأسلوب قصصي ثقافة الانفتاح على الآخر وتقبله عبر مشاهد امتزج فيها الشعري بالسردي بالسيري: «غريبٌ أجولُ بأرضٍ بعيدةْ /‏ وبينَ خليطٍ منَ الناسِ /‏ لا تسعـفُ بيني وبينهمُ لغةٌ واحدةْ /‏ وتربطُ في الله بيني وبينهمُ رابطةْ /‏ وجوهٌ عديدةْ /‏ بباريسَ من كلِّ جنسٍ ولونٍ ودينْ/‏ وباريسُ في مَجْـدها الأنثويِّ /‏ حُضورٌ يبادلني الابتسامْ /‏ فَأشربُ نخبَ هواها نبيذَ غرامْ /‏ أذوبُ، وروحي تـشفُّ /‏ وتَـصفُــوَ عبرَ الجهاتْ /‏ كأنّي رياش الثلوجِ تـُـراكم كلَّ البياضِ /‏ وتـُـنشئُ حقلاً من النورِ /‏ على الأرصفة».
إن المتخيل الشعري يستدعي حدثًا معاشًا - أشار له الشاعر في إحدى حوارته الإذاعية وفي معرض حديثه عن ولعه بالأمكنة وعن تلك الحادثة التي جمعته ببطل القصة الشعرية (العابر) الذي أصبح لاحقًا صديقًا - ليصوغ منه قصة متكامل العناصر استدعى في فضائها أمكنة أجنبية (باريس) مكتظة بـ(خليط من الناس) من (كلِّ جنسٍ ولونٍ ودينْ) ولا مجال للتواصل اللغوي معهم (لا تسعـفُ بيني وبينهمُ لغةٌ واحدةْ) ولكن المتن يضع الحس الإنساني بوصفه رابطًا بين تلك الأنا الساردة (الشخصية الرئيسة) وبين الآخر (وتربطُ في الله بيني وبينهمُ رابطة).
يعكس المشهد التالي تفاصيل الحدث لنسمع من خلاله صوت الشخصية الرئيسة التي تشاطر الذات المتكورة داخل النص الحركة على مسرح القصيدة، تأمل الآتي: «وأنظرُ في خارطاتِ الطريق ِ عَـجُـولاً /‏ وأسألُ عندَ المحطّة صُـدفةَ جاري /‏ إذا ما تناسبني هذه الحافلةْ ؟/‏ تـُسارعُ نحوي ابتسامـتـُـه باهتمامٍ /‏ يقولُ: طريقيَ نفسُ طريقكَ /‏ والفرقُ ما بيننا وقـفـتانْ،/‏ تعالَ جواريَ في الحافلةْ. /‏ فأشعـر دفقاً من الدفءِ والامتنانْ».
ويعكس المشهد الثالث والأخير حركة واضحة من المكان المفتوح (المحطة) إلى الحافلة (المكان المغلق)، تأمل الاتي: «وفي الحافلةْ، /‏ يقولُ رفيقي: أهذي /‏ زيارتـُـكَ الأولى لهذي البلادْ؟../‏ فأخبرهُ أنني وهذا المكانَ العزيزَ صديقْ..».
وينقل لنا المتن الشعري عمق التواصل الإنساني الذي جمع بين الشخصيتين المختلفتين (لغة + دينا) من خلال الحوار الخارجي والذي عده المتخيل الشعري (من ثمار الطريق /‏ عنونة القصيدة)، تأمل الآتي: «ويمتدُ بيني وبينَ رفيقي الحديثْ../‏ فأكسُـبُ ودًا خبيئاً /‏ وأجني ثمارَ أشْجاره في الطريقْ».
فنستنتج بوضوح أن المتخيل الشعري يخلق قلادة دلالية بين العنونة وبين الخاتمة لتكثيف دور الحوار الإنساني مع الآخر وتقبله وقد أضاء السطر الأخير قدرة ذلك التقبل أن يغدو شجرًا باسقًا يطرح ثماره سلامًا وأمانًا.
يتبع...

المصدر: د. وجدان الصائغ - جامعة ميتشغان الأمريكية

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها