النسخة الورقية
العدد 11119 الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    3:00PM
  • المغرب
    5:40PM
  • العشاء
    7:10PM

أحلام ميت

محمد جمال المغربي
رابط مختصر
العدد 11115 السبت 14 سبتمبر 2019 الموافق 15 محرم 1440
بعد يومٍ عصيبٍ فقدت فيه أعز صديق، انتابني حزنٌ دفينٌ، فلم يقوَ قلبي على فراقه، فبعد انتهاء مراسم العزاء، رجعت إلى بيتي، وعزلت نفسي في غرفتي لعلي أهرب من حزني، وتمددت على فراشي وأغمضت عيناي.. كان نومًا عميقًا لم يعكر صفوه غير ضجيج أبنائي، وصوت زوجتي يوبخهم.
كان رأسي ثقيلاً لكني تحاملت على نفسي وخرجت أنادي على زوجتي حتى جف حلقي فلم ترد..!! اقتربت منها غاضبًا، فوجدتها بجوار ابني، فكررت النداء عليهما فلم يعراني إهتمامًا ولو بنظرة.. ماذا يحدث هنا!؟
بدا غضبي ينضج.. بل يحترق وقبل أن أبدأ في معاتبتها، سمعت زوجتي تطلب من ولدي أن يوقظني من النوم، أصابتني دهشةٌ بالغةٌ، فأنا أمامها وفي مرمى بصرها ألم تسمعني!؟ أم أصابها العمى أيضًا؟!
لمحت ابني يتجه نحو غرفتي، وبعد فتحه الباب وجدته يحاول إيقاظ رجلٍ ينام في فراشي، ثم خرج الولد مذعورًا يستنجد بأمه قائلاً: حاولت مرارًا إيقاظ أبي ولم يستجب!! أسرعت زوجتي إلى الداخل تحاول إفاقة هذا الرجل فلم تفلح، تعالت صيحات زوجتي بالبكاء وما هي إلا لحظات وقد امتلأ البيت بأقاربى، وعمّ النحيب المكان.
حاولت مرارًا إقناع زوجتي وأقاربي بأني على قيد الحياة، وأن من في الغرفة ليس أنا، لكن هيهات.. هيهات.. فلم ينتبهوا لوجودي بينهم أصلاً، تركتهم وتسللت لغرفتي لكى أرى من هذا الكائن الذي احتل فراشي وتسبب في هذا الجو الكئيب، فوجدت رجلاً يشبهني كثيرًا، لكنّ ملامحه تبدو شاحبةً، خرجت من الغرفة مسرعًا فاصطدمت بزوجتي.. لم يكن اصطدامًا.. فقد اخترقت جسدها كطيفٍ من الهواء ولم تشعر بي، وكأني صرت شبحًا.
بدأت التحضيرات لمراسم الجنازة، وتابعت عن كثبٍ كيف غسّلوا هذا الكائن الذي يشبهنى، وكيف حملوا جثمانه في التابوت على الأعناق، إلى أن أدخلوه قبرًا مظلمًا، ثم أغلقوا علينا بابه، فأصابني خوفٌ ورعبٌ شديدٌ، وحاولت الهرب، إلا أن غريمي المقبور قد استوقفني قائلاً:
ـ لن تستطيع الهرب!!
ـ من أنت؟؟؟
ـ أنا هو أنت.. فأنا جسدك وأنت روحها.. عشنا عمرنا سويًا، وحان الآن موعد الفراق يا صديقي، فأنا ذاهبٌ إلى التراب لا أبالي.. والآن جاء دورك كي تعاني.. لقد زال الشك وحصحص الحق.. إنه اليقين الذي كنت دومًا تتجاهله، فهل أنت مستعدٌ للحساب الآن؟؟
ـ لكن أنا لست مستعدًا للحساب الآن، فما زالت لدي حسابات لم أغلقها بعد.. وديون لم أقضها بعد.. فضلاً عن ذنوبٍ لم أتب عنها بعد و...
ـ لقد انتهى وقت الامتحان وحان وقت الحساب وانتهى دوري وجاء دورك.
ـ انتظر ولا تنهي الحوار متعجلاً.. ولنستكمل حديثنا و..
انتهى الحوار بيننا.. ولم يعد طيفي قادرًا على الخروج من هذا اللحد اللعين، كما كان سابقًا. عمّ السكون المكان برهة من الزمن حتى سمعت أصوات أقدامٍ تزلزل المكان.. من يا ترى!!؟
رباه...!! الرحمة يا أرحم الراحمين.. رب انظرني أعمل صالحًا.. لم أتلقَ جوابًا سوى صمت يحمل في طياته رفضًا لدعوتي، ولا يزال حالي هكذا حتى أصابتني رعشة قوية في جسدى..!! نعم إنه جسدي، ففتحت عيناي متوجسًا خيفة المواجهة، فإذا بابنتي الصغيرة تبتسم فى وجهي قائلة: كفاك نومًا يا أبي لقد انتظرتك كثيرًا لكي نلعب سويًا.
تحجرت الكلمات فى حلقي، وانسابت الدموع في وجهى، وغرق جسدي في عرقي، ثم تلفت يمينًا ويسارًا، واعتدلت واقفًا أستجمع قواي الخائرة، لكي أحمل وأقّبل صغيرتي.. فهي دنيتي التي عدت إليها مجددًا.
المصدر: محمد جمال المغربي - كاتب من مصر

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها