النسخة الورقية
العدد 11027 الثلاثاء 18 يونيو 2019 الموافق 15 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

بين الإهمال والإقصاء من قبل المعاجم العربية

سلطان العميمي يتتبع ثراء وأصالة لغة أهل سواحل الخليج العربي

سلطان العميمي
رابط مختصر
العدد 11024 السبت 15 يونيو 2019 الموافق 12 شوال 1440
في كتابه الصادر حديثاً عن «دائرة الثقافة والسياحة» في أبوظبي، ضمن سلسلة «إصدارات»، يتناولُ الكاتب سلطان العميمي «لهجات سواحل الخليج العربي في المعاجم العربية بين الإهمال والإقصاء»، متخذاً من اللهجة البحرية الإماراتية أنموذجاً، إذ يرصدُ في كتابه، الذي يحملُ ذات العنوان، «ثراءً لا حدود له في مفردات لهجة المناطق الساحلية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي مناطق شهدت أنشطة بحرية كثيرة وكبيرة كالتجارة وصيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ».


يؤكد العميمي بأن اللهجات الساحلية نفسها تختلف من إمارة إلى أخرى، وهذا ما جعلهُ يعود إلى المعاجم العربية القديمة، قاصداً البحث عن أصول هذه المفردات، بيد أن ذلك جعلهُ يستغرب «أمام عدم وجود ذكر أو تأصيل لأغلب مفرداتها، إضافة إلى ندرة المفردات البحرية في تلك المعاجم».
وفي تبيان سبب هذا الغياب، يرجحُ العميمي أن السبب هو علاقة العرب بالبحر التي كانت مضطربة لسببين «الأول هو تهيب أبناء البوادي من خوض عالم البحر وكراهيتهم له بالفطرة. والثاني هو إقصاء مناطق سواحل الخليج العربي من جهود الجمع اللغوية، لأسباب ذكرها بعض المؤرخين، تتعلق بمكونات هوية سكان هذه المناطق ونتيجة اختلاطهم بغير العرب، ومن ثم عدم نقاء لغتهم وفصاحة لسانهم!».
ويؤكد العميمي بأن «إهمال هذه البيئة أدرى إلى حرمان الدارسين والمهتمين من معرفة مدى تأثيرها بغيرها من الغات الحضارات الأخرى، نتيجة اتصالها بها من خلال الأسفار البحرية التجارية والرحلات الملاحية».
وفي تبرير اقتصار دراسته على اللهجات الساحلية الإماراتية، يذكر العميمي «أن هناك تشابهاً غير قليل بين مفردات البيئة الساحلية في دولة الإمارات والبيئات الساحلية في دول الخليج العربي. مما يمكن معه اعتماد اللهجة البحرية في دولة الإمارات أنموذجاً للهجات المناطق الساحلية ولغتهم على امتداد مناطق الخليج العربي».
ويتخذُ من «لسان العرب» أنموذجاً دراسياً، ليقدم في كتابه منهجين رئيسين هما المنهج الوصفي والمنهج التحليلي، وذلك من خلال تقسيم كتابه إلى خمسة فصول، يبدأُ الأول بعنوان «بين اللغة والبحر»، مبيناً فيه الفروقات بين اللغة، واللهجة، واللسان، لينتقل فيما بعد لتبيان العلاقة بين العرب والبحر، والتي أكد فيما سلف بأنها علاقة مشوبة بالرهبة والتوجس، بيد أن ذلك انسحب على تعريف البحر، إذ يؤكد بأن «المعاجم العربية لم تحمل رأياً قاطعاً يمكن من خلاله وضع مقاييس دقيقة للتفريق بين المصطلحات كل على حدة، لذلك وجدنا تداخلاً كبيراً بين دلالات مصطلحات (البحر) و(النهر) و(الماء)».
أما الفصل الثاني، فيتقفى فيه العميمي «أثر إقصاء لغات سواحل الخليج العربي من المعاجم العربية»، مبيناً بأن عدد غير قليل من علماء اللغة القدامى، تجنب جمع اللغة من بعض الأقاليم والمناطق العربية بحجة عدم نقائها، وبعضهم لم يخرج في إطار جمعه عن المنطقة التي يقطن فيها. «وجعل من لغة قومه مقياساً لكلام العرب، وعد ما لم يتحدث به قومه أو ما سمعه من الغرباء أو لغة الأقوام الآخرين من لحن القول أو غريب اللغة أو نوادرها».
موضحاً أن ابن منظور في «لسان العرب» اعتمد على بعض المصادر «التي أوردت بعضهاً من مفردات لغة أهل سواحل الخليج العربي، بعضها لأسماء مواضعهم وأنواع نخيلهم، وبعضها للسفن واللآلئ ونباتات البحر وطيورها ودوابها».
ومن خلال «لسان العرب» يتلمسُ العميمي الآثار المترتبة على إقصاء لغة أهالي سواحل الخليج العربي، مبيناً أن ذلك يتجلى في غموض معاني بعض المفردات البحرية ونقص شرحها، والخلط بين المصطلحات البحرية والمائية الأخرى، ووجود فوائت خاضصة بلغة البحر، إلى جانب نواقص التفسير والتأصيل لبعض مفردات البحر، وقلة المفردات في هذا المعجم العربي، وأخيراً، قلة الدراسات والأبحاث الخاصة بالبحر عند العرب.
ويستنتجُ إثر ذلك بأن المعاجم اللغوية لم تكن «هي المتضرر الوحيد من إقصاء لغة سكان السواحل في الخليج العربي، بل امتد الضرر إلى اللغة العربية نفسها، التي وجد الجانب البحري فيها نفسه مفصولاً عن الجسد الذي نما فيه». كما أن ذلك الحق الضرر «بالجهود اللغوية التوثيقية اللاحقة التي لم تجد في المعاجم ما يلفت انتباهها إلى الجانب البحري في مفرداتها لتكمل ما بدأه المعجميون الأوائل».
وفي الفصل الثالث، الذي يخصصه العميمي لـ«المفردات البحرية المشتركة بين (لسان العرب) واللهجة الإماراتية»، فيوضح بادئً بأن هناك مفردات متطابقة لفضاً ومعنى، كجدور الكلمات التالية: حمس، خبب، خرد، خور، دقل، ساج، لخم، يمم، نول، إلخ...، أما المفردات ذات اللفظ المختلف في اللهجة البحرية في دولة الإمارات فهي: مجداف، ميداف، مواج؛ مُوي، الأنجر (مرساة السفية)، الأنير، القد، الجِدّ، إربيان، ربيان، السبخة، صبخة، إلخ...، وفيما يخص المفردات القريبة في الدلالة أو التي تحمل معاني مختلفة في اللهجمة البحرية عن معناها في القاموس، فهي: بيل (بمعنى نهر في القاموس) أما في اللهجة المحلية فتعني ذكر السلحفاة، الخن (السفينة الفارغة) أما في اللهجة المحلية فتعني (تجويف السفينة)، الزرنوق (النهر الصغير)، فيما تعني محلياً الدرب الضيق، السيب (مردي السفينة)، فيما محلياً تعني الشخص المكلف بالإمساك بحبل الغوص، القرقور (ضرب من السفن)، ومحلياً هو أداة من أدوات صيد الأسماك، إلخ.
ويبين العميمي بأن هناك من المفردات التي تشتبه في أنها المستخدمة في اللهجة البحرية، مع اختلاف في بعض أحرفها، مثل: التامور، الهامور، اليامور، الهامور كذلك. ويخلصُ العميمي لاستنتاج العديد من النتائج أهمها أصالة اللهجة البحرية الإماراتية وقدمها، وخصوبة المعاني والدلالات البحرية، وعروبة أغلب المفردات البحرية في مناطق سواحل الخليج العربي.
ويخصص العميمي فصلهُ الرابع لـ«فوائت المفردات البحرية في (لسان العرب)، مبيناً جملة من هذه الفوائت، مثل: الزلخة، (وهي سمكة ملصة، تزل عن اليد لملاستها)، الصلور (ضرب من السمك)، عماد (السفينة الممتلأة)، أما فوائت ورد ذكرها عرضاً ضمن شروحات مواد لغوية ثانية فهي: حيزوم، (صدر السفينة)، تيرى، (اسم نهر من نواحي الأهواز)، إلخ...
وفي الفصل الخامس «ثراء المعجم البحري في اللهجة الإماراتية»، يبين العميمي بأنهُ بالرغم من شح المعاجم العربية في مفرداتها البحرية، إلا أن «اللهجات البحرية في منطقة الخليج العربي ما تزال محافظة على ثرائها اللغوي في هذا الخصوص، وهو ثراء بات متناقصاً بشكل كبير في ظل تراجع العلاقة بين الجيل الجديد من أبناء البيئة نفسها والبحر، خاصة بعد انتهاء زمن الغوص وصناعات السفن منذُ منتصف القرن الماضي».
ويورد العميمي مجموعة كبيرة من الأمثلة على ذلك، مثلاً سمكة (البياح) التي لها العديد من المترادفات، مثل: برداة، الأصلي، جيدوم، حبوة عيش، دحبس، دحمسة، دعداعة، سفطي، دعفسة، صفطي، طفلس، عفادة، قحامة، كرابية، مهيودة، إلخ... مستنتجاً بأننا «أمام أنموذج مهم جداً للدلالة على عروبة مفردات لهجة أبناء هذه البيئة وأصالتها».
ويختم العميمي بعددٍ من النتائج التي يخلص إليها، في هذا السياق، منها: النقص الكبير الذي يعتري لغة البيئات العربية خارج بيئة البداوة التي اقتصرت عليها جهود جمع اللغة في الماضي، ووجود عدد غير قليل من مفردات لغة العرب البحرية القديمة، ما تزال حية في اللهجة البحرية الإماراتية لمدة تزيد على الألف سنة، دون أن يتغير معناها الذي كانت عليه قيد أنملة، إلى جانب كون عناصر البيئة البحرية بمسمياتها وتفاصيلها الدقيقة في لهجات عرب سواحل الخليج العربي جديرة بأن يعاد إليها الاعتبار من خلال جمعها ودراستها ومعجمتها، قبل أن تختفي وتموت ويطويها النسيان بسبب التغيرات المهولة والخطيرة التي تمس طبيعتها في المنطقة.

المصدر: سيد أحمد رضا:

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها