النسخة الورقية
العدد 11117 الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

أحدب سمادو

حمد الشهابي
رابط مختصر
العدد 11010 السبت 1 يونيو 2019 الموافق 27 رمضان 1440
في حي «سمادو» بمدينة المحرق الواقع في شمال فريق آل بن علي وغرب فريق الظاعن والبوخميس وجنوب فريق الصاغة، وتحديدًا في الثلاثينات من القرن الماضي، ولد طفل قيل إنه مات وانتشر الخبر ونسي أمره، وعندما كبر لم يره أحد، هو ابن حمّال في السوق أطلق عليه اسم عبدي، ووالدته كانت فاقدة البصر، شكله مروع أحدب الظهر، له وجه مخيف يشبه وجوه الوحوش، وله عين جاحظة ملتفة البؤبؤ وأخرى غائرة، جمجمته ليست سوية يمينها بارز ويسارها منخفض، أذناه كأذني الذئب مغطاة بالشعر الكثيف، أصبح في الثالثة عشرة من عمره وهو حبيس البيت، لم تشغل والدته وقتها في أثناء حملها إلا بقراءة القرآن وهو قابع في أحشائها يستمع، ولما خرج الى الحياة حفظ القرآن بأكمله على يد والده وخالته جونم، وكثيرًا ما لاحظ أنه عندما يعيد قراءة السور أو الآيات سواء في قلبه أو وهو ماسك القرآن يشعر بأطياف بيضاء صغيرة تحلق أمام وجهه وتدور حوله، لها أجنحة شفافة يحط بعضها أحيانًا على أطراف كتفيه، ولم يزعجه هذا الأمر، تنظر إليه تلك المخلوقات الصغيرة فيسمع همسًا وضحكًا لا يدرك معناه ولا يعرف ماذا تقول أو تبوح به، حاول كثيرًا أن يتعرف عليها أكثر أو يعرف من تكون أو ماذا تريد ولكنه عجز عن ذلك، وبالطبع لم يخبر أحدًا عنها أو يحاول تفسير علاقته بها، وكأنه اختار أن يتصوّر وجودها أو تبدو في خياله فقط.
زارتهم خالته في يوم من الأيام وهي تشكو ألمًا مبرحًا عند مفصل يدها اليمنى، أخبرت شقيقتها (والدته) عن شدة هذا الألم الذي أصابها ليلة البارحة فجأة ولا تعرف سببه، دخل عليهما عبدي بهدوء كعادته ليشرب كوب شاي بوجود خالته التي حفظت سره كل هذه السنين، ولأنها تعرف أنه يحفظ القرآن سألته أن يقرأ على يدها ناحية المفصل، هزَّ رأسه بصمت نافيًا رغبته بذلك وهو نادرًا ما يتحدث أو يقول كلمة، فسألته والدته بل أمرته بلهجة حازمة أن يقرأ على يد خالته ولو كردِ جميلٍ بسيطٍ لها، ولكنه أبى ورفض مرة ثانية، وفي لحظة ظهرت الأطياف الصغيرة محلقة أمام وجهه تدور، تنظر إليه تارة وتنظر إلى خالته تارة أخرى وهي مازالت تهمس وتطلق صوتًا منخفضًا فلا يراها أو يسمعها غيره، وكأنها ترجوه أن يقرأ على يد خالته، بدا في حيرة من أمره، حاول أن يبعدها ففوجئ برفع هذه الأطياف يد خالته تجاهه، ذهلت الخالة جونم بسبب ارتفاع يدها لوحدها وهو يحدق فيها لأنها لا ترى هذه الأطياف الصغيرة ولا تعرف كيف ارتفعت يدها لوحدها، فمد يده مجبرًا إليها وأمسك بيدها وهي تنظر إليه، وبدأ يقرأ آيات من القرآن الكريم على يدها بصوت منخفض وينفث من نفسه على مفصل يدها مع تلاوته الآيات، ثم بعد ثلاث دقائق توقف والمخلوقات الصغيرة مازالت تحلق في المساحة بينه وبين خالته، ترك يد خالته، حرّكت الخالة يدها إلى أسفل وأعلى وتفحّصتها، تحدّثت فرحة قائلة «لقد شفيت يدي»، لم يعلق عبدي على ما حدث، نهض من موقعه وانطلق مسرعًا بخطواته المتقلبة يمينًا وشمالاً خارج الغرفة متجهًا إلى سطح البيت كعادته عندما يضايقه أمر.
فوق سطح البيت كان همّه أن يودع الشمس في مغيبها، إذ كان يرى الشمس ترسل خيوطها الذهبية الأخيرة وهي تتراجع وتنزل مختفية عن الأبصار راحلة عن سطح الكرة الأرضية وهو مفعم بالانبهار كعادته كل يوم، أما اليوم فهو فخور بسبب شفاء خالته على يده، من خلف سور بيت الجيران ظهرت له فجأة ريحانة ابنة الجيران تطل عليه ولما رأته ذعرت أشد ذعرًا، ثم صرخت وهربت راكضة مختفية عنه، وقف عبدي حائرًا منبهرًا لا يعرف ماذا يفعل أو يقول، أحسّ بالإهانة والمذلة فأصبح واقفًا كتمثال حجري انتصب بلا حراك يبكي بهدوء فتسربت دموعه من عينيه حتى بللت خده، ظهرت له الأطياف الجميلة الصغيرة ومسحت دموعه وصارت تقبّله واحدة بعد الأخرى، فبدت كأنها جند اصطف يقبّل رئيسه ثم ضحكت واختفت عنه، رفع يده ولمس خده فلاحظ أن دموعه قد تبخّرت واختفت، وها هو مرة بعد الأخرى يقتنع ويؤمن بوجود هذه الأطياف التي تحبه، دار وخطا خطوات نحو باب السطح ناويًا النزول، وقبل أن يصل الى باب السطح سمع صوتًا خلفه يناديه، لو سمحت، تسمّر مكانه حتى يتأكد من الصوت الذي يسمعه ولكنه عاد ثانية ليسمع بوضوح كلمة «لو سمحت»!! التفت فرأى الفتاة نفسها تنظر إليه بعينين وكأنهما يرجوانه بالرد والرجوع أو أن يسامحها بسبب الخطأ الذي ارتكبته قبل قليل. وهو مازال ينظر إليها وهي تنظر إليه متجمدين، رفعت الفتاة يدها وأشارت إليه بما يعني تقدم أرجوك، كاد أن يبتسم ولكنه امتنع لحين التأكد مما يحدث أمامه مع هذه الفتاة الغريبة، ثم تحرّكت قدماه حتى وصل وأصبح قريبًا منها وهو منكس رأسه تارة ورافع رأسه تارة أخرى، خجول هادئ، كانت الفتاة تريد أن تقول له شيئًا، تسمّرت للحظات ثم سألته:
هل هذا بيتكم؟ نعم قال، ثم أين أنت؟ قالت له، أنا هنا رد عليها!! أعني.. أنت.. أقصد لم أرّك من قبل، فقال وأنا لم أرك من قبل أيضًا! كنت أختبئ عن الشمس، ضحكت معلقة عن الشمس؟ هل تخاف منها؟ لا!! أنا أمزح معك، خبأتني أمي مدة طويلة لأني وسيم، ضحكت عاليًا.. ثم قالت أنت مضحك حقًا، ثم سمعا والدتها تناديها بصوت محموم، سوف أذهب قالت له.. أمي مريضة، هو واقف ينظر إليها وهي تتراجع وتنظر إليه مشيرة بيدها تودعه مبتسمة ماضية مختفية عنه، هزَّ رأسه وهو يبتسم ثم رفع يده بعد أن اختفت وتحسّس وجهه، وهو يخاطب نفسه، خبأتني أمي لأني وسيم!! نعم أنا وسيم في عينيها، ثم دار ومضى الى تحت.
داخل بيت الفتاة كانت والدتها تعاني وتتأوّه من شدة ألمها ومرضها، طلبت دواءها فأحضرته لها، ثم سألت عن والدها الذي لم يأتِ بعد. دخل عبدي غرفته وهو يشعر بنوع من الفرح والسعادة لأنه لأول مرة يرى فيها فتاة على الطبيعة! وهو غالبًا ما تمنى أن يخرج أو يلعب مع الفتيان خارج البيت، ثم خرج واتجه إلى حمام والده الممنوع من دخوله بسبب وجود المرآة!! بحث عن هذا الجزء المكسور من المرآة ولما حصل عليه رفعه ونظر الى وجهه وجوانب وجهه، أصابه روع من شكله المخيف وأبعد المرآة عن وجهه وهو ينفخ، حتى فاجأه والده في لحظة وعاتبه أشد العتاب بسبب النظر إلى نفسه في المرآة. فقال لوالده لم أفعل شيئًا يغضب الله يا أبي، حذرتك من قبل قال له والده، لا أريد أن تكون حزينًا طوال حياتك!! انظر إلى نفسك، سأله كيف أنظر إلى نفسي يا أبي؟!، صمت والده، سالت دموعه على خديه بهدوء وقال: هل سأكون حزينًا أكثر مما أنا عليه الآن وأنا بشع المنظر والصورة يا أبي؟ ثم انسحب عنه بهدوء وخذلان دون أن يسمع إجابة.
ما جرى بينه وبين والده لم يمنعه من الذهاب الى حظيرة الغنم في حوش البيت والجلوس وسطها! تكالبت عليه الأغنام والتفت حوله تمسح جسدها به، حتى الدجاجات اقتربت منه وأخذت تضرب بمنقارها قدميه وبدأ يبتسم، فقد تعود أن يغمره سرور جميل مع هذه الحيوانات والطيور التي اعتاد عليها واعتادت عليه منذ نشأتها وهي صغيرة، وهو قد أسس علاقة حميمة معها فأحبته وأحبها، لم يرَ الديك بين الدجاجات، بحث عنه ورآه ملتصق بزاوية الحظيرة هادئًا ساكنًا لا يتحرّك من مكانه، نهض واتجه إليه ولما وصل عنده ورآه لاحظ أنه واقف على قدم واحدة والأخرى مرفوعة، مد يده الى قدمه المرفوعة واكتشف أنها مكسورة. أمسك بها وضغط عليها لعدة دقائق ولما تركها تراجع الديك وهو ينظر الى عبدي، ثم أنزل قدمه المكسورة على الأرض ومشى عليها وكأنه لم يكن مصابًا، فتقدم الديك اليه ومسح جسده بفخذه وهو مازال جالسًا على الأرض، ثم انصرف الى الدجاجات يصيح عاليًا وكأنه يخبرهم أنه عاد إليهم معافى!
في مساء اليوم الآخر، وقبل غروب الشمس بقليل من الوقت، صعد عبدي الى سطح البيت، فوجئ بوجود طفلة الجيران تنتظره، أين أنت؟ قالت له، ما هو اسمك؟ سألها، ريحانة قالت له، وأنت؟ عبدي أجابها، واصلت «أمي مريضة جدًا، قال الطبيب قد تموت خلال شهر أو ربما أقل أو أكثر»، أوه قال عبدي إن الله وحده هو الذي يحيي ويميت، وليس الناس!! أبي منهار قالت له وأصبح عصبيًا، وأنا حزينة بسبب هذا الأمر. ساد صمت بينهما ثم ابتسمت ريحانة وقالت له هل لديك معجزة تنقذ أمي من الموت؟ ليس لدي قال ولا توجد معجزات دون أمر من الله سبحانه وتعالى، فإن أحبّ عبدًا شفاه، وأحباب الله على الارض كثيرون. ثم قالت له بيأس: هل أذهب؟ أنا حزينة سوف أبقى وحيدة بعد رحيل أمي، فهل أذهب عنك الآن؟ لم يجب عن سؤالها ولم ينقطع نظره عنها، وبعد هدوء للحظات استجمع قواه ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال لها: هل أستطيع أن أراها؟ فوجئت وضحكت ضحكة حزينة وهي تسأله ترى من؟ والدتك قال، فهل ممكن؟ وماذا ستفعل من أجلها؟ قالت، هزَّ رأسه وقد أحسّ بنوع من الفخر والتباهي وقال: أنا نوع مختلف من البشر، ماذا تعني بنوع مختلف من البشر؟ قالت له، ابتسم وقال لست مثل الباقين، فاجأته، في الشكل؟ قالت! جربيني قال، اقتربت منه عدة خطوات وهمست قائلة، بعد قليل سوف يخرج والدي من البيت لصلاة المغرب ثم سيذهب الى مجلس بيت بن ناصر بعدها سيصلي العشاء ويرجع الى البيت، وهذا وقت كافٍ لترى والدتي، دعني أتأكد إن خرج الآن وسوف أرجع بسرعة، انتظر عبدي ثلاث دقائق وهو في حالة من القلق والتردد ولكنه في قرارة نفسه يريد أن يقدم لها شيئًا أو خدمة تعزز علاقتهما، رجعت بعد ثلاث دقائق وقالت له تعال، اعتذر فجأة!! وتراجع وهو ينظر اليها واقع بين الحيرة والرغبة والتردد، ثم رفع يده وقال أمهليني عشر دقائق فقط، ثم استدار ومضى بهدوء وهي تراه يتقلب ويتمايل في مشيته، فانتظرت على مضض.
في غرفته كان يخطو ذهابًا وإيابًا، يستند الجدار أحيانًا ويضربه بيده أحيانًا أخرى ويتساءل بينه وبين نفسه، لماذا؟ لماذا؟ ثم يضرب الأرض بقدمه وكفًا بكف، وفجأة ظهرت له الأطياف واصطفت أمام وجهه تنظر اليه وهي ترفرف وتطلق صوتًا يشبه الأغنية الحالمة ثم تقدمت إليه تلاطفه ورفعت يديه مجموعتين وسحبته الى خارج الغرفة ثم الى السلم المؤدي الى سطح البيت، على السطح رأى ريحانة واقفة تنتظره وكأنها الحارس، ألم تذهبي؟ قال، ليس بعد أن أتأكد منك قالت، إني انتظرك لتقدم العلاج المعجزة لأمي!! ثم بجسده غير المتوافق قفز من على سور البيتين بخفة ونزل على سطح بيت ريحانة، مشت بجانبه فخورة تنظر اليه وكأنه المنقذ الشافي الذي حضر من الزمن المفقود لينقذ والدتها، قالت له سوف ترى والدتي ممددة على سريرها والموت يحوم حولها ربما ينتظر الفرصة في وقت ما، تئن، تتنفس بصعوبة، ولا تستطيع أن تنقلب على فراشها يمينًا او يسارًا أو حتى أن تتحرّك، وهو صامت يسمع.
عند باب غرفة والدة ريحانة رأته يمد رقبته ويطل وكأنه يبحث عن شيء داخلها، رأى والدتها الممدودة وقد تغطى وجهها بلحاف شفاف برز في وسطه أنفها، اقترب منها وكشف عنها اللحاف، ولشدة ضعفها لم تفتح عينيها، يداها مرتخيتان، وتنفسها ضعيف جدًا، نظرت إليها ريحانة وهي وافقة بجانبه، التفت إليها، وفي لحظة مدت ريحانة يدها اليمنى بهدوء وأمسكت بيده اليسرى فأحس بسريان شيء ما الى جسده جعل شعر بدنه يقشعر وهدأ جسمه المرتعش، لحس شفاهه ثم التفت اليها ينظر في عينيها ثم الى والدتها، وسحب يده من يدها وهو مازال ينظر الى والدتها ويتنفس بصوت مسموع، ولم يكد ينوي أن يفعل شيئًا لها حتى ظهرت الأطياف الصغيرة وكانت هذه المرة بكثرة غير عادية، فرح بوجودها، ثم ببطء رفع كلتا يديه وقربهما من وجهها، كانت ريحانة ترى وتتابع ما يحدث أمامها ولم تنطق بحرف واحد لحرصها على سلامة والدتها، والأطياف توزعت على أنحاء جسدها مرتفعة قليلاً عنها من الصدر حتى القدمين، بدأت يدا عبدي ترسل إشعاعًا أبيض يخرج من وسطهما إلى وجهها مباشرة وقد امتدت أيضا من الأم إلى الأطياف خطوطًا تشبه الأنابيب امتلأت بسائل أحمر وكأنها ترتشف بواسطتها هذا السائل من جسدها، ومن بين الإشعاع الذي صدر من يدي عبدي على وجهها خرجت مجاميع لأجساد صغيرة جدًا بأعداد هائلة من أنف أم ريحانة وكأنها الوحوش الغاضبة فتناثرت على الارض هالكة ميتة. كاد عبدي أن يدخل في غيبوبة من شدة الجهد الذي بذله بامتصاص الألم والمرض من داخلها بالقوة التي يملكها من دماغ أم ريحانة، لقد خارت قواه واهتزّ جسده، ولم يكد ينتهي من كل هذا حتى سمع صراخ والد ريحانة الذي حضر فجأة دون سابق إنذار إلى البيت وهو يقول ماذا يفعل هذا الشيطان في بيتي، تراجع عبدي مذعورًا خائفًا واختفت الأطياف ثم دفع عبدي وسقط على الارض منحنيًا مقوسًا كحدوة الحصان، فأخذ والدها يضربه ويركله وهي تصرخ طالبة منه أن يتوقف عن فعل ذلك وهو مازال يركله في بطنه وظهره بكل ما أوتي من قوة وريحانة مازالت تصرخ عليه وترجوه أن يهدأ ويسمعها، التفت إليها ودفعها، ولما كانت فرصة لعبدي نهض على عجل وهرب بسرعة واختفى راكضًا خارج الغرفة، التفت والد ريحانة إليها يسألها وهو ينظر في وجهها ويهزّ أكتافها صارخًا فيها: هل تدعين مثل هذا الوحش يدخل هنا؟ هنا مع والدتك المريضة؟ في غرفتها؟ يعالجها، صرخت عليه.. يعالجها يا أبي! سكت والدها ثم، هذا جنون قال، ومن أين أتى هذا المخلوق؟ من أين؟ أخذت ريحانة تبكي وانسحبت الى خارج الغرفة، أدار والدها وجهه الى زوجته التي مازالت واقعة في غيبوبتها.
وصل عبدي الى غرفته واستلقى على فراشه الارضي وهو مصاب، ويتألم، ولما جاء منتصف الليل والساعة قاربت الثانية والنصف بعد منتصفه كان والد ريحانة جالسًا في حوش بيته يفكر. فسمع خلفه طقطقة، التفت ورأى زوجته قد رفعت غطاء وعاء الماء (البرمة) وقد أمسكت بالطاسة وغرفت ماء منها ثم شربته بكل هدوء وهي واقفة منتصبة على قدميها، وهو قد هاله هذا المنظر الذي يراه، ولا يستطيع تفسيره أو يصدق ما يحدث أمامه في هذه اللحظات، وكأنه واقع في حلم، تقدمت اليه زوجته وجلست بقربه، نظر الى وجهها، رفع يدها وتحسّسها.
لقد تحسّنت حالتي قالت! ولم تصحُ ريحانة من نومها في ذلك اليوم إلا على صوت والدتها توقظها، وكانت في كامل صحتها وعافيتها. ولما جلس الجميع على الفطور طلب منها والدها أن يعرف من هو المخلوق الذي زارهم ليلة البارحة وأين هو بيته، وهي منكسة رأسها ناحية صينية الفطور قائلة: إنه ابن جيراننا، لا يوجد بحي «سمادو» مثل هذا الذي رأيته قال، ولما ذهب والدها يرافقها الى بيت الجيران الذي تعنيه ليشكرهم، او يشكره ويقدم له اعتذاره، رأوا بيتًا قديمًا بابه الخشبي نصفه مكسور بدت في الوسط فتحة ومن هذه الفتحة نظر الى حوش البيت، فقال لها والدها بعدما أطلّ منها ورأى انقاضًا وحصى وسورًا متهدمًا داخله وقططًا تلهو على ما انتثر من بقاياه: لا يوجد أحد في هذا البيت وأنا أعرفه، في هذه اللحظات المربكة لريحانة عجزت عن الكلام فمرّت بجانبهم امرأة عجوز تخطى عمرها التسعين عامًا ووقفت تنظر إليهما، فسألها وهو يشير الى البيت قائلاً اسمحي لي يا سيدة أريد أن... أن أسأل عن أصحاب هذا البيت، ابتسمت العجوز وهزّت رأسها قائلة: هذا البيت مهجور منذ خمسين عامًا!! فسألها والد ريحانة عن اسمها وقالت: اسمي جونم.. نعم اسمي جونم! ومضت تمشي الهوينا الى حيث هي ذاهبة تتمتم بكلمات مسموعة غير مفهومة.


أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها