النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

في محاولة فهم مسرحنا الوجودي باستخدام المنهج العلمي

كوننا المتسع وخيالنا المتقد ولا بديهية كل شيء!

رابط مختصر
العدد 10996 السبت 18 مايو 2019 الموافق 13 رمضان 1440
منذ بواكير الوعي الإنساني، و(الكون) شاغل لتفكير الإنسان بوصفه المسرح الوجودي الذي تتم عليه كل الأحداث، كما أنه أضاف أبعادا وتصورات للعوالم الماورائية التي أبدعها الفكر البشري، فهذا المسرح هو الواقع الأول للوجود الذي لا يعرف الإنسان بديلا عنه غير التصورات الافتراضية للعوالم الماروائية التي لا تخرج في كثير منها عن نطاق الكوني، هذا النطاق الذي اتسع منذ البواكير الأولى إلى عصرنا الحاضر، بشكل لا متناه، فكرا وواقعا، فعلى الصعيد الأول شكل الكون مبحثا أساسيا في الحكايات والأساطير، كما شغل أذهان الفلاسفة والمتأملين وحتى المتصوفين، وصولا للأدباء والفضوليين، إلى أن أضحى بين يدي العلماء الاختصاصيين، واقعا مختلفا، إذ استطاعوا أن يرسموا صورة أكثر واقعية لكنه الكون، توسع على إثرها من كون محدود بأطر ضيقة، إلى كون تتمركزه الأرض، ثم الشمس، ثم لا شيء... نعم كون لسنا نعرف مركزه، ولا ندري إجابة حاسمة تبين لنا ما إذا كان واحدا هو أو هي أكوان متعددة، وكم يتسع كوننا، وما فيه، وما هو؟
لقد أضحى كوننا الواقعي كونا لا يمكن أن تدركه العقول ببداهتها، فهو أوسع من كل التصورات، وهو ذاهب يوما بعد آخر لمزيد من التوسع والتعقيد، منذ أن بدأ العلم باعتباره المنهج الأكثر رصانة لفهم الأشياء، وذلك قبل خمسة قرون تقريبا، إلى عصرنا الحاضر، الذي يمتاز باكتشافاته، والذي تقول عنه عالمة الفيزياء النظرية (ليزا راندل)، في كتابها «الطرق على أبواب السماء» بأن البشرية تعيش في ظله وعلى أعتابه «فأعظم تجارب فيزياء الجسيمات وعلم الكونيات وأكثرها إثارة تمضي قدما، في حين ينصب تركيز العديد من أبرز العلماء الموهوبين في مجال الفيزياء والفلك على ما تفضي إليه هذه التجارب من نتائج»، أوصلتنا إلى عصر مدهش في اكتشافاته المتعلقة بالكون، وبما يحبكه من قصص وتشابكات تسحرنا بجماليتها وغرابتها، ف «نحن لسنا موجودين في الكون وحسب، بل نحن جزء منه. إننا مولودون منه، بل قد يحق لنا القول إن الكون هو الذي مكننا، هنا، في ركننا الصغير هذا، من أن نفهمه. وقد بدأنا في هذا للتو» كما يقول العالمان (نيل تايسون) و(دونالد سميث) في كتابهما «البدايات، 14 مليار من تطور الكون».
فمن تلك اللحظة التي كانت البشرية تعتقد فهيا بأن حدود مسرحها الوجودي مقتصر على جغرافية ما، وصولا إلى الحاضر الذي يؤكد لنا لا يقينية حدود الأكوان، هناك فارق لا محدود يتخطى الخيال، ذلك الفارق ليس وليد اليوم بالتأكيد، فمنذ القدم، ناقش الفلاسفة ورجال الدين، ما إذا كان العالم قديما (موجودا منذ الأزل) أو مستحدثا، لكن هذا الجدال الذي أخذ ردحا من الدهر في مسيرة الإنسانية الفكرية، خرج من نطاق التخمين، ليجيء العلم ويقول بصورة سردية، لا يمكن لأي خيال تصورها، بأنه «منذ حوالي 14 مليار سنة، في بداية الزمان، كان الكون المعروف، بكل فضائه وكل مادته وكل طاقته، يشغل مساحة رأس دبوس. وكانت حرارة الكون وقتها شديدة للغاية، حتى إن قوى الطبيعة الأساسية، التي تصف في مجملها الكون، كانت مندمجة في قوة وحيدة موحدة»، كما يوضح (تايسون) و(سميث).
إن ذلك يبين لنا المقدرة الهائلة التي يتمتع بها المنهج العلمي في قبالة أقرانه من المناهج، فهو يستطيع أن يكون أكثر يقينية رغم أن أساسه وبنيته الشك، وبالرغم من حداثته، إذ ما قورن بالفلسفة، فإن «عصر العلم الحديث ليس سوى ومضة سريعة من الضوء في تاريخنا. لكن المدارك المميزة، التي تمكنا من الوصول إليها عن طريق التطورات في مجال التكنولوجيا والرياضيات منذ نشأتهما في القرن السابع عشر، دفعتنا دفعات هائلة للأمام على طريق فهمنا للعالم من حولنا»، كما تؤكد (ليزا راندل)، وهذا ما يجعلها تتنبأ بأن «وما ستوصل إليه العلماء في العقد التالي قد يقدم أدلة ستغير في النهاية من نظرتنا للتركيب الأساسي للمادة، بل للفضاء ذاته، وقد تمنحنا هذه الأدلة كذلك صورة أكثر شمولا لطبيعة الواقع»، هذا الواقع الذي لم يسكن أبدا، ودائما هو في تغير مستمر.
لقد مكننا هذا التطور المستمر أن نجوب الفضاء في حدود مجموعتنا الشمسية، فوصلنا بفضل التقنيات للسير على القمر، وبلغنا المريخ، ثم الكواكب الأخرى، وصولا إلا اللامعقول المتحقق، وهو اقترابنا إلى الشمس، تلك الكتلة المتوهجة. لكن الأكثر شاعرية، هو أن البشرية استطاعت من خلال المسبار الفضائي «فيوجر واحد» أن تجوب الفضاء ما بين النجمي، وهذا بالطبع إنجاز عظيم، رغم سخف المسافة مقارنة بالمسافات في الكون، خاصة إذا ما علمنا بأنا «نعيش في مجرة، ليست الأرض والشمس والنظام الشمسي فيها، سوى مكون صغير جدا، بيد أن الفضاء الكوني يعج بمجرات أخرى ذات أحجام وأشكال مختلفة. ترتقي أفضل تقديراتنا إلى وجود ما بين 200 مليار إلى 500 مليار مجرة في الفضاء الكوني»، كما يكتب (لجيمز غيتش) في كتابها «المجرة، رسم خارطة الكون»، وبين هذه المجرات، مسافات هائلة، حتى أن أقرب مجرة إلى مجربتنا، والتي تسمى بـ(المرأة المتسلسلة) تبعد عنا نحو اثنين ونصف مليون سنة ضوئية، أي ركوب مركبة خارقة تطوف الفضاء بسرعة الضوء المقدرة 300 ألف كم في الثانية، لمدة مليارين ونصف من السنين، وأنت جالس في مركبتك الخارقة هذه!


والمسألة في ظل علم الكونيات الحديثة، لا تتعلق بنجوم ومجرات فقط، بل تتجاوز كل ذلك إلى نظريات وفرضيات ليس لها حدود من الجمال والدهشة، من الانفجار الكبير، وصولا إلى الأكوان المتعددة، والأوتار الفائقة، وبالرغم من كون بعض الفرضيات ما تزال كذلك، إلا أنها تفتتح آفاقا جديدة، كهذه الصورة التي يرسمها (ميشيو كاكو) في كتاب «كون آينشتاين»، لنظرية الأوتار، إذ يشرح: «يستطيع كل من ينظر عبر ميكروسكوب فائق أن يرى الجسيمات الدقيقة قد استحالت إلى أوتار متذبذبة، وعندما تتذبذب تلك الأوتار في أنماط أو نوتات مختلفة فإنها تتحول إلى جسيمات مختلفة كالفوتون أو النيوترينو، في هذه الصورة تبدو لنا الجسيمات دون الذرية التي نراها في الطبيعة أخفض منطقة في ذلك الوتر الفائق. ومما سبق يتضح أن طوفان الجسيمات دون الذرية الذي ما انفك العلماء يكتشفون المزيد منه على مدى أكثر من عقد ما هو إلا نوتات على وتر فائق، وقوانين الكيمياء التي تبدو عشوائية ومربطة هي النغمات التي تعزف على ذات الوتر، والكون نفسه سيمفونية تعزف على أوتار متعددة، وقوانين الفيزياء هي ما يجعل هذه الأوتار الفائقة تتناسق».
هكذا ترسم البشرية صورا لمسرحها الكوني العظيم، محاولة فهم كل ما فيه من تعقيد، من كواكب، ونجوم، ومجرات، واجرام وسحب، وطاقة، ومادة... وبالرغم من هذا الكثير الذي بتنا نعرفه بفضل العلم، فإنا على يقين بأنا ما نزال نجهل الجزء الأكبر من هذا الكون، بيد أنا نحن البشر، مدفوعون لفهم المزيد، وكما يقول (برايان غرين) في كتابه «الكون الأنيق»، «كان هناك دافع متقد للبشرية طوال التاريخ نحو فهم أصل الكون. وربما لم يكن هناك سؤال مفرد آخر قد ألهم خيال أسلافنا القدامى وكذلك أبحاث علماء الكوسمولوجيا (علم الكون) المعاصرين عبر مختلف الثقافات والعصور. وهناك في الأعماق كانت تكمن رغبة جماعية لتفسير سبب وجود العالم، وكيف اتخذ شكله الذي نراه الآن، وما هو المنطق - المبدأ - الذي يقوده في تطوره. والأمر المثير هو أن البشرية قد توصلت الآن إلى نقطة عندها ينبثق إطار الإجابة علميا عن بعض هذه الأسئلة».
المصدر: سيد أحمد رضا

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها