النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10875 الخميس 17 يناير 2019 الموافق 11 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:06AM
  • الظهر
    11:47AM
  • العصر
    2:47AM
  • المغرب
    5:08AM
  • العشاء
    6:38AM

سابرًا أغوار رحلة «الروح» من الأسطورة إلى الواقع المعاصر.. الراوي:

ما تزال الإنسانية تحاول فهم الروح وعوالم ما بعد الموت بمختلف الاجتهادات

رابط مختصر
العدد 10870 السبت 12 يناير 2019 الموافق 6 جمادة الأول 1440
«رحلة الروح من الأسطورة إلى الفلسفة»، كان هذا عنوان محاضرة الباحث والأكاديمي العراقي، عبد الستار الراوي، مساء الثلاثاء (25 ديسمبر)، في «مركز عبدالرحمن كانو الثقافي»، حيث أبحر نحو تلك الجهات التي تفتق عنها العقل الإنساني منذ بداياته الأولى، بدءًا بالشكل الأول للخرافة، وصولاً إلى الشكل المتماسك للفلسفة والعلوم المعاصرة، وقد انطلق (الراوي) بتعريف المفاهيم المختلفة التي استعان بها العقل الإنساني، لتفسير «الروح»؛ تلك التي شكلت مسرحًا رحبًا للكثير من الخرافات والأساطير والفلسفات.
يؤكدُ (الراوي) أن الفلسفة «لا تعدُ أحدًا بأن تقدم له شيئًا جاهزًا، فهي مولدة للسؤال، وباحثة في الإجابة عن تلك الأسئلة المهمة، وواحد من الأسئلة المهمة: سؤال الروح»، وفي إطار البحث عن هذا السؤال «أُنتجت عشرات المدارس الفلسفية والأسماء البارزة التي حاولت أن تدرس الجوهر الثابت، المفارق للمادة، والمتعالي عليها، الذي نطلق عليه (الروح)»، بيد أن هذه الرحلة بدأت قبل ذلك، منذُ البدايات الأولى للتفكير الإنساني، أو ما يطلق عليه «ما قبل الفلسفة»، فقبل ذلك كانت الخرافة «فمنذُ أن كان الإنسان كانت هناك خرافة»، يقول الراوي، ويضيف «إن شيوع الخرافة، لا يقتصرُ على الأزمنة القديمة فقط، فهي شائعة حتى في عصرنا الحاضر، الذي يوصف بأنهُ عصر رقمي، وما تزال هذه الخرافة تملك قوة تأثيرية في معظم المجتمعات».
يرى الراوي أن الخرافة «مدركٌ عاطفي متخيل، واعتقادٌ مغلوط، وهي محاولة تفسير الظواهر تفسيرًا ذاتيًا بمعزل عن قوانين العالم الطبيعي، إذ عادة ما تكون السببية فيها، سببيةً متخيلة»، أي غير قائمة على أساس، كما في الأسطورة، أو الفلسفة، ويبين الراوي أن العقل الإنساني يستمر عبر (الخرافة) في محاولة استكشاف الأشياء، «بيد أن محاولته هذه، محاولة بليدة، خاصة في المجتمعات التي تعاني من الأمية والجهل».
أما الأسطورة، فيراها (الراوي) ارتقاء من الخرافة إلى مرتبة أكثر تقدمًا، إذ «عادة ما تكون جذور الأسطورة جذورًا واقعية، فتجيء على شكل قصة، أو حكاية، أو ملحمة، وتمتاز بجانها الغرائبي والعجائبي، بالإضافة لماورائيتها المتعالية، لهذا تمثلُ أهم المظاهر الثقافية في المجتمعات». ويرجعُ (الراوي) الأسطورة إلى العقل الإنساني الشعري، «إن أهم الملاحم التي احتفظت بها الإنسانية، كتبت شعرًا، فمن (ملحمة جلجامس)، و(كتاب الموتى) لدى المصريين القدماء، حتى (قصة الخليقة البابلية)، و(الالياذة)، و(الأوديسة) وصولاً إلى (الكوميديا الإلهية)، و(الفردوس المفقود).. وغيرهما، كل تلك الملاحم كتبت شعرا».
ويلفتُ (الراوي) إلى أن الأساطير، تناولت موضوعات مهمة في حياة الإنسان، بعضها ما يزال قائمًا، كموضوع الخير والشر، وموضوع البطولة، بالإضافة للإرادة الحرة، «الذي ما زال قائمًا في النقاشات الفلسفية والعلمية، تحت عنوان حرية الإرادة لدى الإنسان»، غير أن (الراوي) يلفتُ إلى أن بعض الأساطير تمتازُ بكونها وظيفية، «في الحضارات القديمة، كل إلهٍ يمتازُ بوظيفة ما، فنجدُ إله الزراعة، وإله الخصب، وإله الماء، وإله الحب، وإله الربيع.. إلخ». ويشير المحاضر إلى أن فهم الأسطورة جاء في سياقات مختلفة، «هناك النظريات الدينية التي انبثقت من العقائد المقدسة، وهناك النظرية التاريخية، التي تدعي بأن الإنسان حقق منجزًا معينًا من خلال سلسلة من الأعمال المجيدة، المتصلة بالبطولة»، ويؤكد (الراوي) «إن الأساطير لا تشكل مجازات، إنما هي صورة من صور الواقع، كما تذهب إلى ذلك (النظرية الطبيعية) التي ترى الخيال الإنساني أُسقط على الظواهر، محولاً كل مفردة من المفردات الطبيعية، إلى شكلٍ إنساني أو كائن متعالٍ، عبر مختلف التوصيفات التي ارتبطت بالمقدس».
ويبين (الراوي)، أن الأسطورة -التي بدأت بشكلها المدون مع بداية أهم حضارتين، حضارة بلاد الرافدين، والحضارة المصرية- تمحورت حول عددٍ من القضايا،«عملية الخلق، والآلهة، والإنسان، وفي هذه المحاور الثلاثة تتجلى قضية الروح»، متابعا «كان لدى المصريين القدماء يقين مؤكد بعالم ما بعد الموت، إذ كانوا يودعون في القبر بعض المقتنيات، إلى جانب نسخة من (كتاب الموتى)، الذي يشكل دليلاً للعالم الآخر»، وأسهب (الراوي) في عرض الصورة التي يؤمن بها المصريون لهذا العالم، وصولاً إلى صورة هذا العالم لدى الحضارات في بلاد ما بين النهرين، وخاصة ما يتبين من «ملحمة جلجامش»، التي «نجدُ فيها العالم السفلي نقيضًا لعالم السماء، وهو نسخة غامضة، يقع بعيدا عن عالم الأحياء، وقريبًا من سطح الأرض، وفي هذا العالم الأجواء كئيبة وقاتمة، حيث تقوم الآلهة الصغار بتنفيذ أوامر الآلهة الكبار، ونجدُ انتقالات الروح الإنسانية وعذاباتها».
ثم ينتقل (الراوي) إلى الأديان الشرقية القديمة، التي امتلأت بتفسير العالم والإنسان «قدمت هذه الأديان قراءات لشكل الحياة الدنيا، وحياة الأخرة، حيثُ آمنت الكثير من هذه الديانات بالتفاسير الثنائية، حيثُ انتبه إنسان هذه الديانات على اختلافها إلى أن الإدارك العقلي ليس إدراكًا حسيًا، واستطاع أن يوجد تفسيرًا للقدرية وحرية الأختيار».
وهذا ما امتد إلى الفلسفة التي بزغت في اليونان، و«التي انتجت تراثا فلسفيًا ضخمًا وعظيمًا»، كما يقول (الراوي)، مبيناً «في الأدبيات اليونانية القديمة، نجد الروح خالدة، حيث تغادر البدن بعد الموت، وترتحل إلى عالمٍ آخر، يطلقُ عليه (مملكة الموت)»، مضيفًا أن (هوميروس) في ملحمتيه «الإلياذة» و«الأوديسة» أقام جنةً ونارًا، «ورأى بأن الجنة يسكنها الكهنة والعلماء والشعراء، أما الجحيم، ففيه قضاة العالم السفلي، وقد قدم لهُ توصيفات بشعة»، بيد أن الفلاسفة من بعده «بينوا عبر أدبياتهم بأن الروح تنعم بالحرية بعد الموت، وتعيش سلامًا مقيمًا، إذ قدم (سقراط) العديد من التوصيفات لعالم ما بعد الموت، وقد أقدم على شرب السم، وهو مستعد للانتقال إلى هذا العالم الذي كان موقنًا بأنه أفضل من عالم المادة».
كما استعرض (الراوي) وجهات النظر المختلفة لمشاهير فلاسفة اليونان، كأفلاطون «الذي وصف العالم الآخر بشكل مفصل، واعتبر الروح رتبة وسيطة بين الكواكب الخالدة والنفوس الفانية، وأمن بخلودها، وبالثواب والعقاب بعد الموت»، و(أرسطو) الذي «فاضل بين البدن والنفس، وشبه وجود الروح بالقبطان الذي يقود السفينة، إذ اعتقد بأن النفس لا تستطيع أن تقوم بعملها دون وجود البدن، والعكس»، وصولاً إلى حقبة الفلاسفة الملسمين، الذين كانت لهم رؤى مختلفة حول الجسد والروح.
أما في العالم المعاصر، فإن (الراوي) يعتقد بأن البحث ما يزال مستمرًا، ليس في صورته الفلسفية وحسب، بل وحتى الواقعية، إذ يشير إلى «إن جراحة التجميل، هي محاولة أخرى من الإنسان، لمقاومة الشيخوخة ورد شبح الموت»، مضيفًا «إن إيمان البشر بسترداد الروح، ما زال قائمًا، حتى أولئك الذين رحلوا عن عالمنا، أوجدوا سبلاً، أنفقوا عليها الألف من الدولارات، للعودة إلى الحياة، سواء عبر تجميد الجثث، على أمل إحيائها ذات يوم، أو عبر تمويل البحوث التي تسبر أغوار الشيخوخة وفهم سر الموت»، كل تلك المحاولات يراها (الراوي) اجتهادات نحو قلق بدء من الخرافة وانتقل إلى الأسطورة ثم الفلسفة، وصولاً إلى العلم اليوم، الذي يجتهد في تفسير تلك الأسئلة الكبرى التي لطالما حيرت العقل الإنساني طوال تاريخه.

المصدر: سيد أحمد رضا:

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها