النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11371 الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 3 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

العدد 10534 السبت 10 فبراير 2018 الموافق 24 جمادى الاول 1439

صنعائي.. صور العشق المتعددة

رابط مختصر
لا يمكن لمن يقرأ «صنعائي» للروائية اليمنية نادية الكوكباني إلا أن ينفتح على آفاق عشق رصين في صور متعددة، عشق للمدينة صنعاء التي هي مرتكز أحداث الرواية، بهندسة مبانيها المميزة وتفاصيلها الغنية الملموسة، وعشق لتراثها وثقافتها وطقوسها وأساطيرها، وعشق تحتضنه قلوب أبطالها ويعصف بكيانهم، وما لأحداث الصراعات والحروب والحصار الذي أتي ذكرها في الرواية إلا صورة عشق في إطاره الأوسع، عشق الوطن الذي ضم القصص التاريخية والإنسانية التي تشكلت منها الرواية.
في مبالغة في رواية الأحداث التاريخية، قد تبررها رغبة الكاتبة في إعطاء أبطال الرواية أدوار ذات أهمية في تاريخ اليمن، قدمت الكوكباني روايتها بإعادة قراءة مراحل مهمة من تاريخ اليمن السياسي الحديث، فتحدثت عن حصار السبعين يوم، الذي تفوق فيه الجمهوريين على الملكيين برغم تفاوت العدد والعتاد، إذ شكل الجمهوريين 10% فقط من عدد الملكيين الذين تدعمهم القبائل والدول المجاورة كما تحدثت عن الوحدة بين اليمنين وحرب الانفصال. وجعلت من أبطال الرواية وأحداثها وسيلة لتقديم هذه القراءة بنسج صلات القربي بين شخوص الرواية وأبطال النضال في أحداثها التاريخية الذين قضوا في أثناء انغماسهم في هذه الأحداث، ليتسنى لها، وعلى لسان الأحفاد، النفاذ إلى تفاصيل بطولاتهم، انتصاراتهم وخيباتهم وانعكاس كل ذلك على حياتهم الخاصة وعائلاتهم.
صبحية، شخصية الرواية الرئيسية، القريبة من والدها الذي غادر اليمن بعد أن خُذل ليستقر في مصر ومعه عائلته، ورثت عنه حب صنعاء واليمن، وظل غموض تناقض والدها العاشق لصنعاء والرافض للعودة إليها منذ أن غادرها وإن كان زائراً كما تفعل عائلته، ظل هذا الغموض محفزًا لصبحية للبحث عن السر. وفي رحلة البحث عن هذا السر كانت كمن يجمع الأدلة ويحافظ على حبه متقدًا بجمع التذكارات في صندوق خشبي جلبته معها من إحدى زياراتها لليمن. جسدت صبحية في ازدواجية هويتها بما فيها الثقافة واللغة نموذجًا لما يتعرض له المهاجرون أو المهجّرون بعيدا عن أوطانهم على مر الأزمان. إذ يرسمون صوراً خيالية لحياة مؤجلة قد تأتي وقد لا تأتي وقد لا تكون، إن جاءت، قريبة من رسمها في الخيال. تقول صبحية «الغربة أجلت حياتي» في إشارة إلى انتظارها للرجل الصنعاني الذي يشبه والدها، ليظهر في حياتها كي ترتبط به.
عندما تحقق حلم صبحية بالعيش في صنعاء، كان ركنًا أساسيًا من الحلم قد تلاشي، فسبب العودة كان موت والدها المفاجيء الذي أفقدها داعماً مهمًا لهذا الحلم وصديقاً قريباً وجعل حاجتها أكثر وضوحًا للرجل الصنعاني الذي تمنته دائما في حياتها وربما كان ذلك سبباً لقبولها السريع لدخول حميد، الشخصية الرئيسية الأخرى في الرواية وهو العسكري الخمسيني المتقاعد في حياتها والذي وجدت فيه بوابتها العريضة لصنعاء التي كانت تترقب الغوص في تفاصيلها.
الصوتان الرئيسان في الرواية هما صوت صبحية وصوت حميد اللذين جمعتهما قصة حب، تشكلت سريعًا بفعل ما جمعهما من حب الفن وعشق المدينة. في دقة بالغة ورشاقة كان الصوتان يأخذان القارئ في أحداث الرواية ويتوغلان في الماضي بسرد أحداث الطفولة والمحطات الفارقة والأشخاص المؤثرين ويصلان كل ذلك بالحاضر ويحيطان كل ذلك بوصف مكتنز للشعور والمكان والتفاصيل. علاقة العشق التي ربطتهما كانت وعاءً لالتقاء كم كبير من شغف الأسئلة التي تحملها صبحية وتود أن تجسر بها ما فاتها أن تعرفه عن صنعاء في بلاد الغربة، ويقابله المعرفة العميقة والمتراكمة التي يحملها حميد الذي يحمل عشقًا لا يضاهي لصنعاء ولا يتوقف عن سرد كل ما يعرفه من تفاصيل، حتى لينسى أن يسأل صبحية في المقابل عن تفاصيل حياتها.
من خلال أحاديثهما وتبادل أدوار السرد في الرواية ترسم الكاتبة صوراً كثيفة التفاصيل تحرص على تسميتها بمسمياتها المحلية، بدءًا بالمباني التي تتفرد بها صنعاء وتصاميمها الهندسية ومكوناتها التي تشكلت وفق احتياجات اليمنيين وأمزجتهم وعاداتهم ومنها مقايل القات، والأزقة الضيقة الحقيقية التي لا تزال موجودة كما هي، وتجعل أبطالها المتخيلين يجولون فيها ويجلسون على مقاهيها، فيأتي ذكر دكة القهوة والمقهوية، قوية الحضور، والحمامات التركية وتفاصيلها الداخلية وأحواضها وفتحات النور في السقف، والخدمات التي يحصل عليها زبائنها، والسماسر المنتشرة ودورها الاقتصادي والاجتماعي. وتطل الكاتبة على دور الفن في حياة اليمينيين فتقدم مطربيها المشهورين الذين شكلوا ذاكرة الطرب مثل محمد الحارثي وأحمد السيندار والرقصات بخطواتها الثلاث، الدعسة والوسطى والسارع كما تعلمتها صبحية من جدتها لوالدها، مسرة الحبشية. وتعرّج على وصف الملابس فتأتي على ذكر اللثمة وما يعنيه ما تظهره من وجه النساء والستارة ومعاني انسدالها، وزنّه الرجل ودلالات الإمساك بالجنبية (الخنجر في غمده) التي تتوسط قامة الرجل في هندامه الرسمي. لمس المقبض يعني النوايا العدوانية، وإخراج الخنجر حتى المنتصف يعني الإنذار بالهجوم أما سحب الخنجر بكامله فهو المعركة التي تسيل فيها الدماء ولا يعود الخنجر إلى غمده إلا مضرجا بها.
وفي كل مرة تنفتح الذاكرة المشتركة بين صبحية وحميد فيستذكران الماضي بشخوصه التي كان لها دور في حياتهما لتخلق حاضراً مطعماً بنكهة الماضي أو ماضياً تبعثه تفاصيل الحاضر، ويتركان والقارئ مأخوذاً معهما بثقافة شعب يعني بالتفاصيل في كل ما يفعله.
وفي سرد التفاصيل تنجح الكاتبة في التنقل بخيال القارئ من الأحداث الأوسع التي تشمل شعوباً وأوطاناً وتحركها أيديولوجيات واتجاهات محلية وإقليمية وعالمية ثم تضيق الصورة فتقترب أكثر من شخصيات الرواية ودورها في هذه الأحداث وتتوغل أكثر في هؤلاء الأشخاص لترافقهم إلى أزقتهم المؤدية إلى منازلهم وتقترب أكثر من أوقاتهم الحميمة لتصف وصفاً صريحًا ما يدور بين الأزواج والعشاق في الغرف المغلقة.
قدمت الكاتبة نماذج للرجل اليمني والمرأة اليمنية في روايتها. فالرجل كان شخصاً خارجيًا في العائلة، حاضرًا في الحروب واقتصرت البطولات عليه. الزواج بالنسبة له «إكمال نصف الدين». والد حميد لم يمنعه دوره الوطني البطولي من التردد على بيت ذهبه، وأورث ائتمانه ابنه حميد وهو لم يتجاوز التاسعة على سره، الشغف بالنساء فاتخذ حورية عشيقة في علاقة موازية لعلاقته بزوجته التي عرض عليها ذات مرة أن تقيم علاقة خارج الزواج إن هي سئمت علاقتهما. الرواية أيضا أظهرت انانية الرجل فوالد صبحية أجبر عائلته على الاغتراب برغم عدم تقبل زوجته ما دفعها إلى العودة فور وفاته. كما كانت أنانية حميد في علاقته بصبحية هي سبب نفورها منه برغم ما حملته له من مكانه في بدء تعارفهما.
خارج الصراعات السياسية كانت المرأة حاضرة في صورة قوية، في شخصية البطلة صبحية التي صقلتها حياتين عاشتهما بين بلد المهجر والوطن الذي عادت اليها بعد اكتمال هويتها ليعود بها الزمن، حياتيًا وثقافياً إلى الوراء ومع ذلك خلقت لنفسها حيزاً مناسباً تجد فيه نفسها وتماهي من خلاله مع مدينتها الحلم، صنعاء، التي كانت دائما في حالة انتظار العودة اليها. قرارها برفض البقاء في المنطقة الرمادية من علاقتها بحميد بعد أن علمت أنها مجرد امرأة جديدة في علاقات متتالية في حياته يكتمل بها ثالوث النساء في حياته. ذلك برغم عشقها له وقربه الشديد منها. الأمهات اللاتي رمّلتهن النزاعات والحروب فكن مدبّرات لأسرهن ورفضن الوصاية التي قد تنال من دورهن في الأسرة كما حدث مع والدة حميد التي رفضت الزواج من عمّه بعد وفاة والده ولقنته درساً عندما راودها عن نفسها. حورية مسك التي أوجدت لها طريقاً لتعيش حياة مع الرجل الذي يمنحها السعادة بعد أن تركها أهلها، كل إلى حياته، ضاربة بقيود التقاليد والدين عرض الحائط ولم تكترث كثيراً بتسميتها بالـ «بدّة» وهي المرأة التي لديها القدرة بعد قيامها بطقوس معينة، على مسخ أي رجل وتحويله إلى طائعاً لرغباتها. وأيضا المقهوية التي أوجدت لها مكاناً في وسط السوق الذكوري، ووصفتها الكوكباني وصفاً دقيقاً يجعل من مزيج جلوسها على دكتها المرتفعة، هندامها ونظراتها وحركات جسدها، رمزًا للمرأة التي تقف على حياد الوصف المجتمعي عندما تساءلت هل هي، لكل ذلك، المرأة اللعوب؟ أم أنها المرأة الجادة التي يجب أن تظهر الصرامة حتى لا تنهشها الألسن والايدي المترددة على السمسرة.
رواية صنعائي غنية بالأحداث التاريخية والإنسانية وهي نموذج للسرد المشوق الذي لا يترك للقارئ لأن يهدأ بين الفصول، فالكاتبة طعّمت مقدمات هذه الفصول بنصوص من الأساطير تارة ومن مقولات الأولين تجعل القارئ يترقب الآت ويفتح خياله لربطها بحاضر الرواية. وفي سردها المحكم استخدمت الكاتبة أسلوب التشويق بإطلاق طعم التشويق في تفاصيل صغيره لا تتواكب بالضرورة مع أحداث الرواية. كالرجل ذي الملابس الرثة الذي لمحته الكاتبة في مقبرة خزيمة والذي يتضح فيما بعد أنه صديق والدها أفقدته خيبته توازنه النفسي، كما مهّدت لدور غمدان ابن صديق والدها في الأفطار لدى (الفندم) ليصل فيما بعد بعض النقاط المفقودة في سيرة والدها النضالية.
وفي حين اختطفت الكاتبة انتباه القارئ من سر والد صبحية لتترك الساحة مشرعة لمجريات حياتها الساخنة في أغلب فصول الرواية، وفي استذكار الأحداث التاريخية التي مرت باليمن والصراعات بين الأنظمة التقليدية والجماعات الحداثية، فقد عادت وكشفته بسلاسة في نهاية الرواية في ذات الوقت الذي انكشف فيه أيضا مصير علاقة العشق الكبير الذي ربط بين صبحية وحميد.

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها