النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12224 الاثنين 26 سبتمبر 2022 الموافق 29 صفر 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

العدد 9490 الجمعة 3 ابريل 2015 الموافق 14 جمادى الآخرة 1436

«الصبر مفتاح الفرج»

رابط مختصر

في عصرنا الذي نعيش فيه، تعصف بإيماننا عواصفُ الشَّدائد والمصائب التي تجتاحنا ليلا نهارا، فتَذْرُو ثوابت هذا الإيمان، فما أحوجَنا إذًا إلى أسلحةٍ إيمانيَّة نتصدَّى بها، حيث إنَّ المسلم لا بُدَّ أن يتسلح بسلاح الأخلاق الإسلاميَّة العظيمة، كي يواجه بها شتَّى المصاعب والمشكلات، ومنها الصَّبر، فلا بُدَّ من التسلح والتقَوِّي بتلك الأسلحة، وذلك اقتداءً بأشرف خلق الله ورُسلِه الكرام الذين سمَّاهم الله - عزَّ وجلَّ - أُولِي العزم، حيثُ خاطب نبيه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ونحن معنيُّون بالخطاب معه، لكوننا مأمورين بالاقتداء به، كما قال تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (الأحزاب: 21) - بقَولِه - تبارك تعالى -: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ...» (الأحقاف: 35).

معنى الصبر:

الصَّبرُ في اللُّغة: هو الحبس، وفي الاصطلاح: هو حبسُ النَّفس على ما يقتضيه الشَّرع والعقل، أو ما يقتضيان حبسها عنه، أو هو حبس النَّفس على ما تكره، ابتغاء مرضاة الله، كما قال تعالى: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه»ُ (الكهف: 28).

مكانة الصبر والصابرين:

إنَّ الصبرَ خلق عظيم، وله فضائل كثيرة، منها أنَّ الله يضاعفُ أجرَ الصابرين على غيرهم، ويُوفِّيهم أجْرَهم بغير حساب، فكُلُّ عمل يُعرف ثوابه إلا الصَّبر، قال تعالى: «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ» (الزمر: 10)، كذلك فالصَّابرون في معيَّة الله، فهو معهم بهدايته ونصره وفتحه، قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» (البقرة: 153) (الأنفال: 46)، وأخبر – سبحانه - عن محبته لأهله فقال: «وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» (آل عمران: 146)، وفي هذا أعظم ترغيب للرَّاغبين، وأخبر أنَّ الصبر خيرٌ لأهله، مُؤكدًا ذلك باليمين، فقال سبحانه: «وَلَئِن صَبَرْتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَابِريِنَ» (النحل: 126).

ولقد خصَّ الله - تعالى - الصَّابرين بأمورٍ ثلاثة لم يخصَّ بها غيرهم، وهي: الصَّلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إيَّاهم، قال تعالى: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (البقرة: 155 - 157).

والله - سبحانه - قد علَّق الفلاحَ في الدنيا والآخرة بالصبر، فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (آل عمران: 200)، فعلق الفلاح بكل هذه الأمور.

وخصال الخير والحظوظ العظيمة لا يلقاها إلاَّ أهل الصبر، كقوله تعالى: «وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ» (القصص:80)، وقوله: «وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» (فصلت: 35).

ولقد وردت في السُّنة النبويَّة أحاديثُ كثيرة عن رسول الله في بيان فضل الصَّبر والحثِّ عليه، وما أعدَّ الله للصابرين من الثَّواب والأجر في الدُّنيا والآخرة منها:

عن أنس - رضي الله عنه - قال: مرَّ النَّبي بامرأةٍ تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله واصبري"، فقالت: إليك عني، فإنَّك لم تُصب بمصيبتي - ولم تعرفه - فقيل لها: إنه النبي، فأخذها مِثْلُ الموت، فأتت بابَ النبِيِّ، فلم تجدْ على بابه بوَّابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، فقال: "إنَّما الصَّبر عند الصَّدمة الأولى"، فإنَّ مفاجأةَ المصيبة بغتة لها روعةٌ تُزعزع القَلْب، وتُزعجه بصَدْمِها، فإنَّ مَن صبر عند الصَّدمة الأولى، انكسرت حدَّة المصيبة، وضعُفت قُوَّتُها، فهان عليه استدامة الصبر.

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله قال: "... ومن يتصبَّر يُصبِّره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصَّبر"، رواه البخاري ومسلم.

وفي الصَّحيحين: إنَّ رسولَ الله قسم مالاً، فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أُريدَ بها وجه الله، فأُخبر بذلك رسول الله، فقال: "رحم اللهُ موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر"، فالنَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُعلِّمنا كيف أنَّه كان يصبر ويتحلَّى بالصَّبر، حيثُ كان لا تزيده شدَّة الجهل عليه إلا حِلمًا.

قالوا عن الصبر:

- قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "وجدنا خَيْرَ عيشنا بالصَّبر"، وقال أيضًا: "أفضلُ عيشٍ أدركناه بالصَّبر، ولو أنَّ الصَّبر كان من الرِّجال كان كريمًا".

- وقال علي - رضي الله عنه -: "ألاَ إنَّ الصَّبر من الإيمان بمنزلة الرَّأس من الجسد، فإذا قطع الرأس، بَارَ الجسد"، ثم رفع صوته فقال: "ألا إنَّه لا إيمانَ لمن لا صَبْرَ له"، وقال أيضًا: "والصبر مطية لا تكبو".

- وقال الحسن: "الصَّبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلاَّ لعبد كريم عنده".

- وقال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -: "ما أنعم اللهُ على عَبْدٍ نعمةً، فانتزعها منه، فعوَّضَه مكانَها الصَّبر إلاَّ كان ما عوَّضه خيرًا مما انتزعه".

الصابرون أهل الفضل:

للصابرين عند ربِّهم منزلةٌ عظيمة، فهم يلقبون يومَ القيامة ب"أهل الفضل"، نظرًا لما يلاقون في دُنياهم من ابتلاءات فيصبرون عليها، فعن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "إذا جمع اللهُ الخلائقَ يومَ القيامة، نادى منادٍ: لِيَقُمْ أهلُ الفضل، فيقومون وهم قليل، فيسيرون سِراعًا إلى الجنَّة، فتستوقفهم الملائكة، وتقول: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الفضل، فيقولون لهم: وما فَضْلُكم؟ فيقولون: كنا إذا ظُلمنا صَبَرْنا، وإذا أُسِيء إلينا غَفَرنا، وإذا جُهِلَ علينا حَلُمْنَا، فتقول لهم الملائكة: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين"، قال الألباني: ضعيف جدًّا، لأن العرزميَّ متروك.

ومِن هُنا كان لأسلافنا الكرام - رحمهم الله - باعٌ طويلٌ في توضيحِ أهميَّة تلك الأسلحة الإيمانيَّة، التي هي بمثابة جهاز مناعة للإيمان، فلْنَعِشْ مع العلاَّمة ابن القيم وحديثه عن الصَّبر وحاجتنا إليه، وذلك بعد أنْ نوضِّح معنى الصبر.

مع ابن القيم في بستان الصابرين:

لقد أورد العلاَّمة ابن القيم - رحمه الله - كثيرًا من المواضع التي ورد بها الصَّبر في القرآن الكريم، ونقل عن الإمام أحمد - رحمه الله - قوله: "ذكر الله - سبحانه - الصبر في القرآن الكريم في نحو تسعين موضعًا"، منها:

1 - الأمر به كقوله - تعالى -: «وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ» (النحل: 127)، وقوله: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» (الطور: 48).

2 - النَّهي عن ضده وهو الاستعجال، كقوله - تعالى -: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ» (الأحقاف: 35)، وقوله: «وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ» (القلم: 48).

3 - الثناء على أهله، كقوله - تعالى -: «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (البقرة: 177).

4 - تعليق النَّصر والمدد عليه وعلى التقوى، كقوله - تعالى -: «بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» (آل عمران: 125)، ولهذا قال النبي: "واعلم أنَّ النَّصر مع الصبر".

5 - الإخبار بأنَّ الفوزَ بالمطلوب المحبوب، والنَّجاة من المكروه المرهوب، ودخول الجنَّة وسلام الملائكة عليهم - إنَّما نالوه بالصبر، كما قال: «وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» (الرعد: 23 - 24).

6 - الإخبار أنَّه إنَّما ينتفع بآيات الله ويتعظ بها أهل الصبر، كقوله - تعالى -: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» (إبراهيم: 5).

7 - الإخبار أن خصال الخير والحظوظ العظيمة لا يلقاها إلاَّ أهل الصبر، كقوله - تعالى -: «وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ» (القصص: 80)، وقوله: «وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» (فصلت: 35).

8 - تعليقُ الإمامة في الدين بالصَّبر واليقين، كقوله - تعالى -: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» (السجدة: 24)، فبالصَّبر واليقين تنال الإمامة في الدين.

9 - أن الله أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره، فقال: «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» (ص: 44)، فأطلق عليه: "نعم العبد"، بكونه وجده صابرًا، وهذا يدُلُّ على أنَّ مَن لم يصبر إذا ابتلي، فإنه بئس العبد.

10 - أنه - سبحانه - قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان، فقرنه بالصلاة في قوله: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ» (البقرة: 45)، وبالتقوى في قوله: «إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ» (يوسف: 90)، وبالشُّكر في قوله: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» (إبراهيم: 5) (لقمان: 31) (سبأ: 19) (الشورى: 33)، وبالرحمة في قوله: «وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ» (البلد: 17)، وبالصِّدق في قوله: «وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ» (الأحزاب: 35).

وجعل الله الصَّبر في آيات أخرى سببَ مَحبته، ومعيَّته، ونصره، وعونه، وحسن جَزَائه، ويكفي بعضُ ذلك شرفًا وفضلاً.

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها