النسخة الورقية
العدد 11063 الأربعاء 24 يوليو 2019 الموافق 21 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:29AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

الاستثمار في المستقبل

رابط مختصر
العدد 10975 السبت 27 أبريل 2019 الموافق 22 شعبان 1440

يقولون إنه إذا أردت أن تستثمر لعام فازرع قمحًا، وإذا أردت أن تستثمر لعشرة أعوام فازرع شجرة، أما إذا أردت أن تستثمر لمئة عام فازرع إنسانًا.

رغم كل التطور التكنولوجي الهائل، والحديث عن الذكاء الصناعي والروبوت وإنترنت الأشياء، إلا أن الإنسان سيبقى هو منطلق وغاية أي تطور، والارتقاء بعلمه وثقافته ووعيه وأخلاقه الأساس في بناء الدول والأمم، وركن الحضارات وازدهارها واستدامتها.

لقد حققت خلال مسيرتي المهنية نجاحات من نوع ما، والآن بعد مرور كل تلك السنين أنظر مرة أخرى على الماضي لأجد أن العامل الأساسي في ذلك هو إصراري على مواصلة تعليمي رغم التحديات، فقد كانت والدتي رحمها الله امرأة مستنيرة لديها نظرة ثاقبة للمستقبل، وعندما توفيت لم أكن قد بلغت الثامنة عشرة من عمري بعد، وكانت وصيتها الأكبر لي هي ضرورة إكمال تعليمي مهما كلف الأمر. لطالما قالت لي رحمها الله إن الإنسان يستمد قوته أولاً وقبل كل شيء من الداخل، من ذاته، من ثقته بنفسه وبعلمه وثقافته، وليس من اسم عائلته أو ميراثه أو أي شيء آخر.

بعد وفاة والدتي أصريت على إكمال تعليمي في «الكلية الدولية» في بيروت، والتي كانت وجهة العائلات الغنية في لبنان والمنطقة، وبعدها دخلت الجامعة الأمريكية في بيروت وتخرجت منها، وكنت طيلة سنوات الدراسة أدرس بجد، وأعمل بجد أكثر من أجل توفير نفقات دراستي، وأنا اليوم لا زلت أقول إن كلاً من المدرسة والجامعة صقلتا شخصيتي ووضعتاني على طريق النجاح في بقية مشوار حياتي.

وقد ذكرت أكثر من مرة أنني كثيراً ما أجد أن العامل الوحيد الذي يحدد نوعية الموظفين لدي هو جودة أنظمة التعليم التي مروا بها، حيث أن الأنظمة التعليمية المتطورة توفر لنا طلاباً يقبلون التحدي، وحلاً لكل مشكلة، وطموحاً متقداً، وقدرة على الإنجاز، وشغفاً دائماً تجاه معرفة المزيد من المعلومات واتقان المزيد من المهارات.

يجب أن نغرس حب التعليم في نفوس طلابنا، وأن نجعل المدرسة تجربة ممتعة ما تركها التلميذ يوماً إلا وهو يتوق شوقاً للعودة لها صباح اليوم التالي، وكم أشعر بسعادة عندما أرى شخصاً أو موظفاً أو امرأة لا زلت مصرة على الحصول على المزيد من التعليم، فرحلة التعليم لا تنتهي بالشهادة الجامعية، ولا حتى الماجستير أو الدكتوراه، وإنما هي كالسعادة التي كلما حصل الإنسان على جزء منها سعى خلف المزيد.

وهنا لا بد من الإشارة إلى دور صندوق العمل «تمكين» في مملكة البحرين، والتي توفر دعماً مالياً كاملاً لكل بحريني أراد أن يطور مهاراته ومعارفه وقدراته في أي مجال من المجالات، وتتيح نحو 400 شهادة احترافية تكاد تشمل جميع حقول المعرفة، من الطبخ وحتى الطيران.

يجب أن نتأكد أن طلابنا يدركون أن التعليم والثقافة هما هدف في حد ذاته، وليس مجرد وسيلة لتحقيق هدف مثل الحصول على وظيفة أو كسب المال، وأن المعرفة والاطلاع هي متعة لا تضاهيها متعة. أكتب هذا الكلام وأفكر في «جائزة محمد بن راشد آل مكتوم لتحدي القراءة»، وكيف يمكن مثلاً لهذه الجائزة أن تغرس في نفوس طلابنا حب القراءة والاطلاع، وتجعل من ذلك عادة يومية في حياتهم.

إن أحد الأركان الأساسية لدعم مسيرة تقدم المرأة البحرينية هو حصولها على التعليم في وقت مبكر، فمنذ العام 1928 كان تعليم الإناث نظامياً في البحرين، ولهذا السبب شهدنا في أربعينات وخمسينات القرن الماضي جيلاً من النساء البحرينيات اللامعات خليجياً في حقول التدريس والتمريض وغيرها، لتواصل المرأة البحرينية نجاحاتها وتدخل ميادين الهندسة والدبلوماسية والحقوق والطيران وغيرها، وتحقق ما تحققه من إنجازات تؤكدها المؤشرات الدولية ذات الصلة.

إن امتلاك الدولة نظاماً تعليمياً متطوراً يعتبر أحد أهم مؤشرات تقدمها، وهناك خلافات في الرأي بين أصحاب نظريات المناهج التعليمية حول النظام التعليمي الأفضل، لكنه خلاف مرده الحرص على توفير أفضل بيئة تعليمية ممكنة لجيل المستقبل، وإن الجهود التي تبذلها وزارة التربية والتعليم من أجل تطوير التعليم في البحرين يجب أن يجري دعمها بالمخصصات المالية اللازمة، والخبرات، والجرأة في تبني نماذج تعليمية متطورة تلائم احتياجات التنمية والازدهار في البحرين، وعندما نريد التقشف فآخر ما يجب أن نفكر في اقتطاع الأموال منه هو التعليم.

دعني أقول ذلك بشكل أوضح: إذا كانت البحرين ستزدهر في القرن الواحد والعشرين، فلا يجب عليها فقط أن تقدم معايير مقبولة للتعليم، بل يجب أن تقدم أعلى معايير التعليم في العالم، ليس فقط بالنسبة للعدد الصغير من الناس الذين يستطيعون تحمل نفقات تعليم أبنائهم، ولكن لكل جيلنا القادم من المهندسين المعماريين والمهندسين والمصرفيين وموظفي الخدمة المدنية - وبالطبع للمدرسين أنفسهم.

مع إطلالة العام الجديد تكون مملكة البحرين قد أكملت 100 عام من مسيرة التعليم النظامي التي انطلقت من مدرسة الهداية الخليفية في العام 1919، هذا يعني أننا نحتفل بمرور قرن كامل على توفير تعليم نظامي في البحرين، ولا شك أن هذا يجب أن يكون محفزًا لنا لتحقيق المزيد من الإنجازات المشرفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها