النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

الحراك الثقافي في السعودية

رابط مختصر
العدد 10975 السبت 27 أبريل 2019 الموافق 22 شعبان 1440

أتابع باهتمام الحراك الثقافي في الشقيقة المملكة العربية السعودية، بنفس الاهتمام الذي أتابع فيه الثقافة في البحرين بحكم علاقتنا التاريخية الوطيدة. وقبل فترة ليست بعيدة حقق الأدباء السعوديون إنجازًا ثقافيًا لم تحققه أي دولة عربية أخرى، تمثل بفوز ثلاثة روائيين سعوديين بجائزة البوكر العربية للرواية في فترات متقاربة جدا. وتعتبر جائزة البوكر العربية أعلى الجوائز الروائية في الوطن العربي، فهي تتعدى في مكانتها وشهرتها، جوائز الرواية العربية الأخرى الكثيرة المنتشرة. 

قبل ذلك قرأت للكتّاب السعوديين روايات عالية الجودة، لعبده خال ومحمد حسن علوان وكلاهما فازا بالبوكر، وهناك روائيون آخرون في السعودية متمكنون في الكتابة الروائية بالمقاييس العالية للرواية، مثل رجاء عالم (فازت بالبوكر بدورها) كان كل ذلك مؤشرًا واضحًا حمل دلالات كثيرة، فالمملكة العربية السعودية زاخرة بالمواهب، وليس في ذلك أية غرابة، فهؤلاء الموهوبون هم أحفاد إمرؤ القيس رأس الشعراء العرب في التاريخ الشعري العربي.

 وهناك سبب آخر منطقي يدعونا للتفاؤل بمستقبل واعد للثقافة، ففي السعودية كثافة سكانية كبيرة، ولا بد أن يكون ذلك سببًا آخر لتبرعم مواهب كثيرة، ليس في مجال الرواية فحسب، فهناك شعراء في المملكة العربية السعودية لا يقلون درجة عن شعراء المراكز العربية المعروفين. وكنت في دخيلتي أعتقد أن ما يظهر على السطح الثقافي في السعودية لا يشكل إلا القليل مما هو موجود في الباطن، أو المحجوب من قبل الإعلام العربي، الذي يضع كل تركيزه على بلدان عربية دون أخرى. 

ولإبراز هذا الباطن الغني بالمواهب والقدرات على تنوعها تحتاج السعودية الى مشروع ثقافي كبير وطموح – هكذا كان اعتقادي – بحكم أن الثقافة تباطأت في مجمل بلدان الخليج العربي لأسباب تباطؤ التعليم في المنطقة، لكن الأوضاع اختلفت في الثلاث عقود الأخيرة، التي شهدت انبثاق تعليمي واسع، تلاه انبثاق ثقافي كبير، تطورت خلاله الثقافة بشكل سريع وملفت، في موازاة التطور الاقتصادي في المنطقة. وكنت أعتقد أن الثقافة في المملكة الشقيقة تحتاج الى دفع أكبر لإبراز كنوزها الثقافية المتعددة، وقد حدث ذلك مؤخراً إثر تشكيل وزارة للثقافة التي كانت مدمجة في الإعلام. 

وقد أعلنت الجهات الرسمية، عن مشروع ثقافي كبير وشامل وواسع لأنماط هامة من الثقافة لم تأخذ نصيبها من الاهتمام الواسع سابقًا. ووصف كاتب سعودي ذلك بالنهضة الثقافية، ولا أعتقد أنه يجانب الصواب أو يخالف الحقيقة أو ينحو للمبالغة في هذا القول فالتفاصيل التي أوردها وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود في جريدة الشرق الأوسط قبل أيام تبشر بانبثاق ثقافي اسثنائي، فما أورده الوزير من تفاصيل في المشروعات الثقافية الجديدة كالمسرح والسينما والموسيقى والآثار والفنون والآداب وغيرها من الحقول الكثيرة تؤكد أن هذا المشروع الثقافي نهضوي بإمتياز. 

وهناك أسباب أخرى تدفعنا لهذا التفاؤل كون المملكة تشهد نهضة شاملة في الاقتصاد والاجتماع والانفتاح على الثقافات الحديثة في العالم. وأكاد أتلمس في خطاب وزير الثقافة السعودي ذاك الإصرار والعزم، ما ينبئ بانبثاق شامل وجديد للثقافة في المملكة. ولما لا والمملكة تشهد إصلاحًا ونهضة في مجالات أخرى كثيرة. فصل الثقافة عن الإعلام كان هو أول معلم لهذا التغيير الإستراتيجي، وكان ذلك ضرورة محتمة لمنح الثقافة فرصة أكبر للنمو والازدهار. كما أن هذا التغيير يتلائم مع رؤية 2030 التي هي ليست مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل هو تغيير يستهدف تحسين جودة الحياة التي تشمل التطوير الاجتماعي والثقافي.

 وفصل الثقافة عن الإعلام يعني إعطاء الثقافة شكلها المؤسسي الحديث. ومن نافل القول أن نذكر بأن النهضة الثقافية المنشودة لن تترك مجالا ثقافيا إلا وتمنحه الاهتمام الكامل، وسيكون الاهتمام  بالموسيقى والسينما والمسرح من أولويات وزارة الثقافة. 

وحسب توضيح الوزير فالثقافة في المملكة تتمتع بتنوع فريد في الموروث الموسيقي، وأن الوزارة بصدد توثيق موروث التراث الموسيقي المتنوع في بلاد شاسعة الأطراف واسعة الجغرافيا، وذلك - في اعتقادي - سيحيي هذا التراث الموسيقى الزاخر، كما سيبني عليه لاحقاً نمطاً جديداً متطوراً من الموسيقى الحديثة، كما فعلت الشعوب المتقدمة التي بنت أعمالا موسيقية عالمية استقتها من موسيقاها الشعبية. 

وهناك التراث الأثري والتاريخي في المملكة الذي دأبت اليونسكو بتسجيل أجزاء منه وضمها الى التراث الإنساني العالمي. وسيكون من أهداف وزارة الثقافة الجديدة تنمية وتطوير الجسم الثقافي الواسع: أدب، مسرح، موسيقى، فن تشكيلي، فلكلور، آثار، سينما وغير ذلك. ولكي يكون المشروع الثقافي الطموح في كامل فاعليته، اعتمدت وزارة الثقافة على إتجاهين: في الأول شاركت الوزارة في رسم الخطط الثقافية بعد الاتصال بالمشتغلين في الثقافة بكل فروعها، لتستفيد من خبراتهم وآرائهم وتتعرف على طموحاتهم ورغباتهم، وتصوراتهم لما ينبقي فعله والإهتمام به، من مشاريع المستقبل، فالقرارات الثقافية القادمة ستكون إذن بالشراكة مع المجتمع الثقافي الذي يعرف علل الثقافة وإحتياجاتها ونواقصها. 

المسار الثاني الذي نفذته الوزارة لإنجاز المشروع الثقافي الجديد هو التوجه الى الخبرات العربية والدولية، ومن أجل ذلك توجه وزير الثقافة وفريق عمله الى المراكزالثقافية المتقدمة في العالمين العربي والعالمي للاسستفادة من خبراتهما. كما ًفُتحت قنوات ثنائية بين الثقافة السعودية والثقافة العربية والعالمية. وهناك ما هو أبعد وأوسع طموحا - كما أوضح الوزير- فالهدف من هذه المشاريع الوصول الى مجتمع المعرفة في عصر تتفجر فيه المعرفة كل يوم وآخر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها