النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

البدوية التي صارت كبيرة علماء السرطان

رابط مختصر
العدد 9349 الجمعة 14 نوفمبر 2014 الموافق 21 محرم 1436

في دولنا الخليج نماذج نسائية وضاءة استطاعت، رغم المعوقات الاجتماعية والتقاليد البالية والعقبات البيروقراطية وما يضعه المتشددون والمحافظون أمامها من عراقيل تحت يافطة الحلال والحرام، أن تقفز قفزات كبيرة إلى الأمام في مختلف المجالات. بل استطاعت أن تبرهن على أنها لا تقل شأنا عن نظيراتها في الغرب المتقدم لجهة البروز في التخصصات الدقيقة وتحقيق الانجازات العلمية. من هؤلاء الدكتورة خولة بنت سامي سليم الكريّع، إبنة حي الطوير في مدينة سكاكا بمحافظة الجوف في أقصى شمال السعودية. تلك الفتاة البدوية التي صارت اليوم كفاءة يـُشار إليها بالبنان محليا وعالميا، ورئيسا لقسم الأبحاث بمركز الملك فهد الوطني للأورام في الرياض وكبيرة علماء أبحاث السرطان بمستشفى الملك فيصل التخصصي، وبروفوسيرا في كلية الطب بجامعة الملك فيصل في الدمام، ناهيك عن عضويتها في مجلس الشورى السعودي منذ يناير 2013 ، ونيلها وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى في 2010 ، وحصولها على جائزة جامعة هارفارد الامريكية العريقة للتميز العلمي في 2007 بعد تنافسها عليها مع 320 طبيبا من دول غربية متقدمة، وعضويتها في العديد من الجمعيات والاكاديميات وهيئات تحرير المجلات ذات الصلة بتخصصها. هذا إضافة إلى إعدادها لأكثر من 120 بحثا علميا معتمدا و300 ورقة علمية منشورة في مجلات محكمة رصينة. كان بامكان الكريع أن تبقى كغيرها مجرد طبيب تقليدي يستقبل المرضى في العيادة ويصرف لهم الوصفات الطبية، لكنها آثرت أنْ تسبر أغوار أحد أعقد التخصصات الطبية ممثلا في الأورام السرطانية، وذلك إنطلاقا من إيمانها بإمكانية تحقيق إنجاز تخفف به معاناة مرضى السرطان، خصوصا في ظل ما يعيشه العالم اليوم من تقدم وثورة تكنولوجية لجهة فك طلاسم الخريطة الجينية للمرض. إن قصة كفاح الكريع من أجل بلوغ هذه المكانة العلمية الرفيعة قصة شيقة يجب أن تـٌروى بتفاصيلها الدقيقة كي تكون نبراسا لأبناء وبنات الجيل الجديد ممن يتوقون لخدمة أوطانهم، خصوصا وأن السبل اليوم ممهدة أمامهم أكثر مما كانت يوم أن بدأت الكريع مشوارها العلمي. وكاتب هذه السطور لا يدعي أنه بالكتابة عن هذه العالمة المبدعة سيأتي بجديد لا يعرفه الناس عنها. ذلك أن صحفا وصحفيين كثرا أجروا معها لقاءات موسعة، خصوصا منذ أن قرر الملك عبدالله بن عبدالعزيز إختيارها ضمن من عينهم جلالته في مجلس الشورى السعودي من فئة النساء لأول مرة في تاريخ المملكة. في تلك اللقاءات الصحفية العديدة تحدثت الكريع عن سنوات طفولتها وأسرتها وزميلاتها في المدرسة، ومراحل دراستها الجامعية والعليا، وما عانته من مصاعب في الخارج وسط طلبة وأساتذة تملكتهم الغيرة من نجاحاتها، وغيرها من الامور. ففي مقابلة أجرتها مع صحيفة إيلاف الالكترونية في إبريل 2010 تحدثت عن أسباب نجاحها فعزتها إلى مزيج من الأشياء مثل نشأتها في قرية صغيرة حيث «الحياة بسيطة وليست طبقية، والغني يحتوي الفقير، وهناك كرم وطيبة، والتفاضل يتم على أساس نبل الأخلاق وليس الاموال»، مضيفة إلى كل هذا عوامل أخرى مثل هوية أمها الأردنية التي جعلتها تعرف الانفتاح على ثقافات الآخرين، ومثل زواجها في سن السادسة عشرة وانتقالها للعيش في مدينة كبيرة لم تكن تعرف فيها أحدا كالرياض حيث احتكت بشريحة معينة لتبديد غربتها القاتلة قبل رحيلها إلى الولايات المتحدة لإتمام دراستها العليا. ومما لاشك فيه أن البيئة العامة والبيئتين الاسرية والمدرسية التي عاشت فيها الكريع في الجوف لعبت دورا هاما في تكوين شخصيتها المثابرة والواضحة والتي تقول عنها «هذه شخصيتي .. ما عندي شيء أخجل أو أخاف منه، لا أحب أن أتصنع، لا أحب أن أكون إنسانة وليدة اللحظة بحيث أنْ أظهر أمام رجل الدين بطريقة ، وأمام رجل الدولة بأخرى، وأمام رجل الصحافة بطريقة ثالثة، من حقك أنْ تقبلني أو ترفضني كلي، أما أنْ أغير نفسي حتى تتقبلني فهذا ليس مبدئي». وفي هذا السياق يبرز دور البيت والأب والمدرسة. حيث تتحدث الكريع عن بيت الأسرة فتقول أنه كان واسعا بمساحة 24 ألف متر مربع وبه مجلس كبير يستقبل فيه والدها ضيوفه الكثر فكان مكانا «فيه نوع من السلام والروحانية التي لا تجدها الآن في أجمل المنتجعات». وعن والدها، الذي اختار لها اسم خولة تيمنا بـالشاعرة والمقاتلة «خولة بنت الأزور»، فتقول أنه كان يشجع على التعليم ، وكان يشتري أي سلعة الكترونية جديدة تحفز على العلم، فصار البيت من الداخل في قمة التقدم والمواكبة للعصر، ومن الخارج كأي بيت تقليدي آخر. أما عن مدرستها فتقول: «كانت المدرسة الوحيدة بالجوف تلك التي التحقت بها. أتذكر من زميلاتي بالمدرسة نعيمة العدوان، مرزوقة الربيعان، خولة الطويل، كان لي مع نعيمة ذكريات جميلة، كانت بنت الجوف «الجدعة»، وباعتبار أمي لم تكن سعودية كان لدي اختلاف عن الأخريات. كانت زميلاتي يضحكن عليّ من تناولي الزعتر وهو طعام معروف في الشام باعتبار والدتي أردنية ولكن لم يكن معروفا لدى الزميلات بالجوف، كانت نعيمة تفهم هذا الاختلاف. لم أكن تعودتُ أن أساعد في أمور البيت مثل بقية البنات من جيلي، كانت هذه المساعدة مثار فخر للبنات فيما بينهن، فلانة طبختْ أول كبسة، أخرى استطاعتْ أن تسوي المرقوق، لم يكن البيت أبدا هوايتي، ما كانت تستهويني حصص التدبير المنزلي، وقد احتفظت بعلاقتي بمعلمتي مها سلطان السديري من المرحلة المتوسطة حتى الآن، وهناك مدرسات تمنيت أنْ أقابلهن مرة أخرى، أتذكر منهن مدرسة سورية اسمها ميادة، كانت مدرسة تاريخ، كنت أحتفظ بدرجاتي النهائية منذ الصف الأول الابتدائي ولا أنقص عنها ربع علامة، كانت مدرستي قادرة على أن تنزعني من الحاضر إلى الزمن القديم، كنت أحب هذه الحيلة البارعة، كنتُ وما زلتُ مأخوذة بهذه العوالم التي لم أعشها، كنتُ كثيرة الأسئلة، سريعة الإدراك، وكثيرا ما أثارتني أحداث تاريخية تمنيتُ لو أنّ لي يدا في تغييرها». وتقول الكريع في مكان آخر من حوارها المطول مع «إيلاف»: طلبتْ مني معلمة التاريخ أن أحفظ سور القرآن الكبيرة بما أنني أتمتع بذاكرة قوية، وصارتْ تتابعني في حفظ القرآن وقت الفسحة، وكنتُ في السنة السادسة الابتدائية. وذات مرة حلمتُ بأنني في مكان.. إخواني فوق، وأنا مقهورة تحت، ورأيتني أطير إلى أنْ سبقتهم، وتكرر الحلم، وكانت تفسره لي بأنني سأسبق إخواني، وأنني سأقفز أعلى منهم بكثير، وقالت: إخوانك يعني أقرانك، وذكرتني بتقوى الله». وتواصل الكريع مضيفة: «كانت الدراسة لي متعة، لا أستطيع أنْ أطالب أولادي بهذا الآن، لم يكن لدينا أشياء تشد انتباهنا غير القراءة والاطلاع. القراءة لم تكن تحتاج دافعا خارجيا، كنتُ أراها متعة في حد ذاتها لم يكن أحد يدفعني إليها». وعن ذكريات دخولها المدرسة قالت (ننقل بتصرف من حديثها مع إيلاف): «أصريتُ على دخول المدرسة وأنا لم أتجاوز سن الخامسة. بكيتُ فحنّ عليّ والدي وكسرتُ خاطره، وأقنعته. كنتُ آتي بكتب أخي التي كان يدرسها في العام ذاته وأتلوها على أبي، ولأنني حفظتُ من تكرار أخي ما بالكتاب صرتُ أرددها ولم أكن قد تعلمتُ القراءة بعد. ولا أدري كيف اقتنع أبي أني أجيد القراءة دون أن يعلمني أحد، وذهبتُ إلى المدرسة كمستمعة، وكانوا قد بدأوا حرفي الألف والباء فأسرعتُ بكتابتها حتى ألحق بهم .. وبعد أنْ حصلتُ على الثانوية العامة بمعدل 99.9 بالمائة وحزتُ المرتبة الثانية على مستوى المملكة، لم تكن عندي اهتمامات كتلك الموجودة عند المراهقات، سوى قراءة روايات أجاثا كريستي البوليسية وغيرها من الكتب التي كنا نأتي بها من الشام حيث كنا نقضي العطلات المدرسية ونستمتع بها. وكانت البنات يضحكن عليّ، كلما درسنا مدام كوري، العالمة التي حصلت على نوبل مرتين مرة في الفيزياء، وأخرى في الكيمياء، إذ كنّ يقطعن صورتها ويكتبن عليها خولة التي لن تتزوج أبدا». لكن خولة تزوجتْ قبلهن وأنجبتْ طفلها نواف وهي في سنتها الأولى في كلية الطب دون أنْ تكون مهيئة أو مدركة لواجبات الأمومة. لكن كيف التحقت بكلية الطب؟ ومن شجعها في ذلك؟ الإجابة على هذين السؤالين نجدها في قولها (ننقل بتصرف): «كنت أرتبُ نفسي على أنْ أكتب بالصحافة وأسير في الاتجاه الأدبي، وسألني والدي عن تصوري لما سأقوم به في الصحافة فأجبته أعمل مقابلات، وألتقي بشخصيات، فقال لي ما ينفـع (كان وقتها لا ينفع حقا). وأضاف: أنت ماهرة في أشياء أخرى كثيرة فلماذا لا تتوجهين إليها؟ حاول معي، لكن في النهاية ترك لي الحرية فوجدتني أتجه إلى الطب، لم أخطط لأصير طبيبة حتى السنة الثانية من المرحلة الثانوية. في لحظة صرتُ مسؤولة عن أسرة وبيت وطفل وزوج وأدرس الطب، المسألة كانت تبدو صعبة في البداية، أجمل ما في الطب كان في البداية مرحلة دراسة علوم الطب، وهذا أحببته، ثم بدأنا ندرس الطب الاكلينيكي، كان لدي شغالة ومربية أيضا، أنا أحب التخصص، فالشغالة تمارس عملها في البيت، والمربية تتولى نواف وتفهم جدول طعامه وشرابه، هكذا تعودتُ منذ أنْ كنتُ أما صغيرة، ما زلتُ أحتفظ بمربية نواف الفليبينية إلى الآن». وبطبيعة الحال كان القبول في كلية الطب بجامعة الملك سعود في الرياض وقت التحاق الكريع بها له مقاييس أخرى غير المقاييس المعمول بها اليوم. حيث كان القبول لا يعتمد على المقابلة الشخصية ولا على إختبار القدرات، وإنما على المعدل وإجادة اللغة الانجليزية. وهذا الشرط الأخير لم يكن يمثل مشكلة للكريع التي كانت متفوقة في مدرستها في اللغة الانجليزية لأن والدها كان يولي الأمر عناية قصوى فكان يبعث بأبنائه الذكور إلى معاهد اللغة في لندن صيفا، ويبعث بخولة إلى معاهد اللغة في الأردن القريبة خوفا عليها من الابتعاد والتغرب. لذا فإنها حينما التحقت بكلية الطب في الرياض كانت زميلاتها يتساءلن عن هذه البدوية القادمة من أقصى شمال المملكة وهي تتقن الانجليزية. لم تكتف الكريع بالانجليزية، ولكن أضافت إليها الفرنسية التي تعلمتها كمادة إختيارية وتفوقتْ فيها على كل زميلاتها بحصولها على العلامة الكاملة في امتحاناتها، على الرغم من أنها لم تكن وقتذاك قد زارت فرنسا سوى مرة واحدة، ناهيك عن أنها كانت حاملا ومحتاجة إلى كل دقيقة من وقتها لأداء واجباتها الزوجية والمنزلية خلافا لزميلاتها اللواتي كن متحررات من كل المسئوليات. حينما تخرجتْ الكريع من جامعة الملك سعود حاملة بكالوريوس الطب والجراحة حصلتْ على بعثة دراسية للتخصص في جامعة جورج تاون الامريكية. وتصف الكريع هذه الواقعة بأهم محطات نجاحها وأصعبها أيضا، وتشبهها بمحطة إنتقالها من الجوف المعزولة إلى العاصمة الرياض فتقول (ننقل بتصرف): «من النقلات التي حدثت في حياتي التحاقي بجامعة جورج تاون. تذكرتُ حينها مرحلة قدومي من الجوف إلى الرياض وتملكني نفس الإحساس.أمضيتُ ست سنوات بالولايات المتحدة ، واخترتُ العاصمة واشنطن حتى لا يبعد أولادي عني، فالالتحاق بجورج تاون كان له وضعه بالنسبة للأمريكيين أنفسهم .. مستشفى من أعظم المستشفيات في أمريكا، روح المنافسة عالية، معك خريجون من هارفارد وغيرها من الجامعات القوية المعروفة. كانت تلك من أصعب المراحل في حياتي كوني خريجة جامعة الملك سعود ذات البيئة المختلفة تماما. كان عليّ أن أبذل مجهودا يعادل مائة ضعف مجهود زملائي في الجامعة لأصل إلى نفس المستوى، ليس عن ضعف مني، لكن هم كانوا يستخدمون الكمبيوتر، وأنا كنت أستخدم الكتابة اليدوية. كانوا أسرع في الإنجاز وكان عليّ أنْ ألاحقهم، فقد كانت عندهم براعة في استخدام التكنولوجيا، لأن تلك كانت بيئتهم وأنا دخلتُ عليهم في مجال صعب وهو الطب». وعن دراستها في تلك الجامعة العريقة تضيف قائلة: «إضافة إلى وجود مشجعين، كان هناك حساد، فقد كان هناك بروفيسور اسمه آدم ساندلر يكره المرأة بشكل عام، كان لي زملاء مسيحيون ويهود، لكنه كان يهوديا عنصريا، كان يكره أي طالب من منطقتنا العربية وكان يعطيني أشياء صعبة مقارنة بالآخرين و «جننته وجنني» وفي كلمة التخرج ما كان له إلا أن يوجه لي عبارة شكر لأنه لم يكن لديه شيء آخر يبيض وجهه به. كان يشكك في أنّ إمرأة من هذه المنطقة يمكن أن تفعل شيئا، كأنه يقول لماذا أنت تتعبين نفسك وتأتين إلى هنا مع العلم بأنك سوف تقعدين في بيتك في النهاية ، وكنت أقول لن أقعد بالبيت ، فأنا أولادي معي، وكنتُ أمارس حياتي بكل متعة ما بين العمل والأولاد ومتابعة الموضات، حتى أنني تعلمت قيادة السيارة وكنت أمارسها بشكل يومي». تساءل الكثيرون عن أسباب هروب الكريع من عالم الجراحة إلى عالم الابحاث الجينية فردتْ عليهم بأنّ الجراحة علم مختلف له متطلبات معينة كاليد السهلة المطواعة والقلب القوي القاسي وقت تشريح الجثة وإقفالها. وبعباراتها «في مرحلة التشريح عشتُ عالما جديدا. المشرحة كانت مقبرة متحركة. الأولاد كانت مشرحتهم منظمة، أما مشرحتنا فكانت مليئة بالفورمالين، والجثث مقززة، وما زلتُ أتذكر رائحة الموت». وتضيف «طلاب الطب فيهم طموح ونهم وقسوة. تقسو قلوبهم بهدف أن يصلوا إلى ما يريدون. كان يفجعني أن أرى الجثة باعتبار أنها لإنسان كان يملأ الأرض حركة. عرفتُ في التشريح أنني لن أكون جرّاحة ماهرة، فإذا كنتُ أستغرق في الأسئلة وأنا على جسم ميت فما بالك لو كان الجسم الذي أقوم بتشريحه حيا؟» وتتذكر «الدكتور المرشد أجبرني أنْ أدخل معه غرفة العمليات فأغمى عليّ، لكن في النهاية تعلمنا وفتحنا وخيطنا، لكن ما كانت تستهويني الجراحة». وحينما تعود الكريع إلى الوراء وتتذكر طفولتها وبداياتها ـ كما فعلت أثناء لقائها بطالبات جامعة جازان في 2010 ــ فإنها تقول بكلمات حاسمة تفوح منها حب الوطن ومهد الطفولة وعشق الحرية والمساواة الجندرية كنتُ «تلك الطفلة الصغيرة بظفائرها الطويلة وهي تقف بين إخوانها الذكور الذين يكبرونها العمر سنوات تحاول أن تجاريهم في لعبهم وفي ضحكهم.. فتلك الطفلة ورغم أنها أنثى إلا أنها بنت بادية وعشيرة لا تدري أنّ في أنوثتها نقصان لها عن أخوانها الذكور .. هكذا نشأتُ وهكذا نشأتْ نساء صحراء هذا الوطن.. نشأنا شقائق الرجال.. المرأة والرجل جنبا لجنب مكملين لدور بعضنا البعض، وكلٌ يحترم ويقدس خصوصية الآخر ودوره المناط به». وتضيف «عرفنا معنى الوطنية ليس من خلال مادة وطنية تدرّس ولكن تعلمناها من خلال مشاهدتنا لأهلنا وأجدادنا وهم يعملون على بناء الأرض ومن خلال حكاياتهم لنا مع عبق القهوة العربية ودفء النار التي نلتم حولها كيف صارعوا قسوة الصحراء وعاشوا شامخين على ترابها محافظين عليها. تعلمنا أيضا من تلك المدرسة معنى الكرم، فلم تكن صفة الكرم شيئا نبيلا نقرأ عنه وإنما طبعٌ نراه ونمارسه كل يوم ونحن نرى أهلنا وهم يقدمون أغلى وأثمن ما لديهم لتكريم ضيفهم وإنْ كانوا لا يعرفونه.. تعلمنا أيضاُ معنى أنْ أعتز بأني امرأة فبنت الصحراء حرة أبية شامخة كشموخ أهلها لا ترى في نفسها أي دونية مقارنة بأخيها الرجل، فيعملون جنبا لجنب في مواسم الزرع والحصاد، تربطهم علاقة الاحترام والعفاف والطهارة، بل المدرسة هناك تعدتْ في تعاليمها العديد من المدارس الحديثة التي تنادي بالمساواة وحقوق المرأة، لأن مدرسة البادية تجعل من المرأة رب البيت في حال غياب الرجل وتقوم بدوره في إكرام الضيف والاحتفاء به». وللدكتورة الكريع مواقف شجاعة تنم عن ثقتها بنفسها وعلمها. فبـُعيد تعيينها كعضو في مجلس الشورى كانت أول إمرأة تطلب الكلام في المجلس. وحينها طالبتْ بدخول النساء المعينات في لجان المجلس المتخصصة الثلاث عشرة بلا قيد أو شرط أو تحفظ، الأمر الذي وافق عليه رئيس المجلس. وفي إثنينية عبدالمقصود خوجة الشهيرة بجدة التي استضافتها شددتْ الكريع على أن البيروقراطية الرسمية التي يعاني منها الباحث في البلاد العربية هي من يعيق العلم ويتسبب في قلة الدعم اللوجستي للبحوث العلمية، وهو ما كررته في ورقة قدمتها تحت عنوان «أهمية البحوث والتأليف والترجمة في تبادل الثقافات والتقنيات» في مؤتمر التعليم العالي الدولي بالرياض، وذلك على خلفية عدم حصول أي جامعة سعودية على أي مركز ضمن المراكز الـ 150 الأولى في تصنيف شنغهاي للجامعات لعام 2013 . وفي أثنينية عبدالمقصود المشار إليها آنفا ردتْ بحزم وشجاعة على أسئلة وجهتْ إليها حول الطقوس الروحانية، والتطبب بماء زمزم، والوصفات الشعبية. فقالت: «إنه إتضح في بعض الحالات أن ماء زمزم قد يعيق نجاح العلاج الكيميائي بسبب ما به من أملاح». وفي اللقاء نفسه حدث تصادم علمي معرفي حول العلاج ببول الإبل بين الكريع وزميلتها الدكتورة فاتن خورشيد الحاصلة على الميدالية الذهبية والمركز الأول في عام 2008 على مستوى المملكة في الابتكار. إذ كان من رأي الأولى أن أي دواء لعلاج السرطان لا بد وأنْ يمر بمراحل علمية متعارف عليها، ثم يخضع للتجارب الكافية على الخلايا في المختبر، ومن ثم يُطبق على حيوانات مصابة بهذا المرض، ثم يُطبق على مرضى ميؤوس من شفائهم. بينما كانت للثانية وجهة نظر مغايرة مفادها ضرورة الاستعانة بالطب النبوي والاقتطاف منه مدللة كلامها بحديث أنس بن مالك الذي ورد فيه أنّ «رهطا من المدينة قدموا على النبي (ص) وقالوا إنا إجتوينا المدينة فعظمت بطوننا وارتهشتْ أعضاؤنا، فأمر النبي (ص) أنْ يلحقوا براعي الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صلحتْ بطونهم وألوانهم. وأخيرا لابد من الإشارة إلى أنّ الكريع تلقتْ، بمجرد إختتامها لتخصصها الجامعي العالي، عروضا وإغراءات كثيرة للبقاء والعمل في الولايات المتحدة، لكنها آثرت أن تعود إلى وطنها لخدمة مواطنيها، حيث وضعتْ حكومة خادم الحرمين الشريفين تحت تصرفها كل ما يعينها على الانجاز العلمي الباهر، واعترفتْ بجهودها عبر تقليدها أرفع الأوسمة الوطنية. غير أنّ هذا لم يعجب بعض المتشددين بدليل اعاقتهم لحفل كان المفترض إقامته في فبراير 2010 في الجوف لتكريمها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها