النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

المثقف وإشكالية الجلوس على الربوة..!

رابط مختصر
العدد 9345 الأثنين 10 نوفمبر 2014 الموافق 17 محرم 1436

كسر الكاتب والفنان يوسف الحمدان بالترشح لانتخابات المجلس النيابي القاعدة الثابتة وهي»الجلوس على الربوة» الى درجة انني لم اصدق في البداية أن يخرج يوسف عن القاعدة السائدة في الوسط الثقافي استجابة لمنطق البنية الثقافية للخوف التي ترتبط بخوف المثقف من مواجهة استحقاقات الواقع ومتطلبات الموقف الفكري والسياسي في ذات الوقت، فهو يخاف من مواجهة القوى الاجتماعية والسياسية الفعالة فيجاريها او يسكت عنها أو يجاملها، أو ينسحب الى غياهب الصمت مفضلا الجلوس على الربوة والاكتفاء بالتعبير عن « الهلاميات» أو التهويم في عوالم العبث اللغوي، أو التظاهر بالتعالي على «سفاسف الصراع الاجتماعي والسياسي»، وهو يرى قوى التخلف والغوغائية والرجعية الفكرية والسياسية تتغلغل في أوصال المجتمع، وهو يرى التيارات التي تنظر للدولة الدينية وهي تتقدم وتسلب الناس وعيهم وتدمره بعنفها وجهلها وخرافاتها. مغامرة الحمدان-او تجرؤه على الخروج عن القاعدة المكرسة في الواقع المرير الذي يتخلف فيها مثقفونا عن التقدم لخوض المعارك السياسية والاجتماعية بمبررات لا اول لها ولا اخر-تحسب ليوسف بغض النظر عن نتائجها-فقد امتلك الشجاعة على اقتحام هذا الفضاء الذي كان منذ البداية حكرا على منتسبي الجمعيات السياسية والدينية او المستقلين الذين يتميز أغلبهم بكونهم بلا طعم او لون او رائحة، مع استثناءات قليلة.. هذه المغامرة أرجو أن يكتب لها النجاح، لأن يوسف يمتلك من الإمكانيات والقدرات من الثقافة والقدرة على التحليل والجدل والمناقشة، فضلا عن كونه – في حال وصوله إلى البرلمان- سيكون الصوت الوحيد الذي سيوصل صوت المثقفين وصوت الثقافة المهمل تماما في البرلمان في دوراته السابقة، خصوصا أن صمت المثقفين وانسحابهم من الحياة العامة هو موقف سلبي وغير فاعل، خصوصا إذا كان ميزان القوى يميل إلى صالح القوى المضادة للتقدم والحداثة. إن المعركة هي معركة الدفاع عن أمن المجتمع واستقراره وتنميته وحريته وحداثته في ذات الوقت، ولذلك فإن الذي يتخلف عن الوقوف مع الوطن ومصلحته يكون قد تخلف عن أداء رسالته، ولذلك لا افهم كيف يمتنع المثقف عن الإدلاء برأيه في مجتمع يشهد تحولات ومخاضا متعدد الأبعاد ويواجه تحديات كبيرة. ففي الغرب، تتأسس قوة المثقف من جرأته وثقته بنفسه أو تحرره من مختلف أشكال الخوف، يقوده التساؤل الحي والنقد البناء الى المشاركة في الارتقاء بالمجتمع، بعيدا عن سيادة اليقين والتلقين والامتثال، بينما المثقف في ديارنا العربية، تتناهشه أشكال لا تحصى من الخوف، من كل شيء، حتى من نفسه ومن أفكاره التي تراوده ولا يقوى على البوح بها حتى لنفسه. ليس فخرا الاعتراف أن مجتمعاتنا ما يزال يحركها انفعال عشوائي أو غوغائي، فلم نترب على استعمال العقل النقدي إلا نادرا، فأغلبنا تعلم وتثقف على التخويف والتسليم والقناعة والرضا، ونبذ حرية، فأصبحت مجتمعات دون إرادة فاعلة، والمثقف عندنا جزء من هذه البنية، فهو– حتى إذا كتب- إما يكون منتقدا أو مادحا، لا محللا- إلا انه- في أغلب الأحوال، لا يعرف إلى النقد الذاتي طريقًاً.. لقد بينت تجارب التاريخ الإنساني القديم والحديث أن المثقف لن يكون في موقع الهادي المنير المستنير، إلا إذا كان «مستقلا» ليس بمعنى العزلة أو الجلوس على الربوة (مثلما يفعل بعض مثقفينا اليوم في معركة الاستقلال والاستنارة في مواجهة تسلط القداسة والتبعية) الاستقلالية تعني الاستقلال عن الهوى والطمع، والاستقلال يعنى الانحياز للحق لأنه حق في ذاته، والاستقلال يعنى القدرة على ممارسة النقد الذاتي أولا، والنقد في موقع النقد والثناء في موقع الثناء، وأن يكون المثقف بناء في موقع البناء وأن لا يكون منعزلا عن تيار الحياة مضطلعا بمسؤوليته التاريخية والتنويرية في مواجهة السفه والكذب والطائفية العمياء. إن جل مثقفينا الذين أخلصوا للأفكار القومية وللأحلام العربية في الاستقلال والتنمية والتقدم والحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية، من الذين تزعموا موجات فكرية وأيديولوجية أو تأثروا بها وواكبوها، كانوا يعتقدون فعلا أن تحقيق آمالهم على قاب قوسين أو أدنى، ولكن التجربة العربية المريرة والخيبات السياسية والعسكرية والاقتصادية أفضت إلى تتالي الهزائم والنكوص عن الثوابت، فالواقع كان أقوى من الآمال.. واليساري العربي كان يرى مجتمع العدالة والمساواة على مرمى حجر، ولكن هذا الحلم تبخر أمام غول الواقع، وهيمنة النموذج الرأسمالي على الحياة عامة، والمثقف العروبي كان يعتقد في إمكان بناء دولة الوحدة والعدالة والحرية والكرامة في مواجهة مشاريع التجزئة والهيمنة، وأن الأمة ستنتصر، فانهارت أحلامه عندما استبدت القطرية بالجميع وازددنا ابتعاداً عن بعضنا البعض في الوقت الذي ازدادت فيه الشعوب الأخرى توحداً وقس على ذلك أوضاع المثقفين الذين يخرجون من بين هذين التيارين، من ليبراليين وإسلاميين بكافة درجاتهم فلكل طرف حلم لم يتحقق، فالمثقف المخلص لمبادئه ينهار عندما يرى أبناء جيله ممن كانوا معه في الصف الأول دفاعا عن موقف أو فكرة، قد انقلبوا على أعقابهم وأصبحوا أشد الناس تطرفاً وشراسة ضد القيم والثوابت التي اعتبروها ذات يوم مدخلاً للحداثة والتقدم والوجود الحي للإنسان ورفض الطائفية وبؤسها.. ولا يقل خطورة عن مثل هذا الموقف ذلك الانسحاب الصامت من الحياة الثقافية والسياسة عامة، أو اللامبالاة كعنوان للتدمير الصامت للذات، خلية خليه لكيلا يسهم المثقف في الحياة وهو من كان يحلم بواقع أفضل، وهذا ما نلاحظه حاليا بين أوساط مثقفينا الذين فضلوا الانسحاب من الحراك السياسي ومن الحوار الوطني ولذلك لم « يعبأ بهم أحد»، ومن هذا المنطق أثمن جرأة يوسف الحمدان التي أراها سابقة إيجابية وشجاعة مقدرة بغض النظر عن نتائجها، خصوصا أن الحمدان يمتلك المؤهلات اللازمة لخوض هذه المعركة حتى يكون صوت المثقفين في البرلمان القادم. همس المثقف لا يكون مؤثرا إذا آثر العزلة وخاف المغامرة وتجنب خوض المعارك منتظرا أن تنتهي ليقرر مع من يكون ومع من يصطف، المثقف العضوي هو من ينخرط في دورة الحياة العامة، ويقتحم أسوارها ليرفع صوته ويخدم مجتمعه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها