النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

صناعة مؤسسية: كتالوج العنف والسياسة

رابط مختصر
العدد 9340 الأربعاء 5 نوفمبر 2014 الموافق 12 محرم 1436

لا شيء يبدو مفارقا للواقع ومخالفا لمنطق الأشياء مثل الحديث عن «السلمية» في موقع التحريض السياسي والديني في ذات الوقت، لأن العنف في هذه الحالة يصبح مؤطرا بالتبرير الديني والسياسي والإعلامي، ويصبح التغني بالسلمية مع التأسيس للإرهاب أو تسويقه أو السكوت عنه، تواطؤا بمعنى من المعاني، لا يمكن أن يصنف إلا ضمن مفهوم النفاق السياسي اللاأخلاقي، الذي يمهد ويسوق للتطاول على الحريات والحقوق والذي لا يمكن أن يصنف إلا تحت عنوان الإرهاب المادي والفكري. إن الحقيقة التي تأكدت منذ الأيام الأولى للأحداث المؤسفة ضد الدولة والمجتمع، ويتم تغييبها هي أن «هذه السلمية» المسوقة في خطاب (مهما كان مأتاه) تفضح نفسها في ذات اليوم أو في اليوم التالي على اقصى تقدير بانطلاق سلسلة من الاعمال التخريبية والارهابية ضد الدولة او ضد المواطنين، بمن فيهم من تجرأ وترشح في الدوائر التي تعتبرها المعارضة محجوزة لها (فإما هي وإما التصفير)، حتى كأن خطاب السلبية أصبح يقارب في مضمونه وإيحاءاته رسالة مشفرة، وإلا فكيف نفسر هذه العلاقة الارتباطية بين هذا وذاك بشكل واضح؟ فإذا كان يحق للناس وفقا للعهود الدولية وللدستور التعبير عن آرائهم بشكل سلمي وفي حدود ما يسمح به القانون، فإن الدولة تتحمل مسؤولية التأكد من تمكُّنهم من هذا الحق بما يؤدي إلى تعزيز حقوق الإنسان وتطويرها وحمايتها عبر الوسائل القانونية والسلمية، فان الالتزام فإن ممارسة هذا الحق مشروط بالسلمية الحقيقية وبعد اعتماد ازدواجية الخطاب، وبعدم مهادنة العنف بكافة اشكاله، ولذلك فان الإخلال بشرط السلمية يفضي بالضرورة إلى تطبيق القانون على المخلين، ولن يغطي أو يخفف استخدام مصطلح السلمية على العنف المادي والفكري في شيء ولا يحفي من تجريمه، فالشعار إذا لم تواكبه صدقية الممارسة يفقد معنى مطابقة الواقع، وذلك لأن شعار السلمية بصبغته المستخدمة لتبرير عنف المغالبة والابتزاز، ليس مجرد شعار عشوائي يتم تسويقه بدون أصول، بل هو صناعة مؤسسة على رؤية ومراجعة تم انجازهما منذ فبراير 2011م، رؤية وتخطيطا وممارسة، حتى اصبح (الكتالوج) واضحا وتفصيليا ويمكن توقع تطبيقاته مسبقا. ويمكن في هذا الصدد رصد بعض مظاهر التلازم بين خطاب السلمية الزائف والمشفر وبين الأفعال التخريبية والارهابية على الأرض من خلال بعض أشكال العنف على النحو الجاري في الواقع: - التظاهر كمُعبر رئيسي عن المكون السلمي الذي يفترض به أن يكون وفقا للقانون ومقتضيات المصلحة العامة، يتحول بشكل دائم الى حالة من الاحتشاد الذي ينتهي في الغالي إلى حالة من الفوضى والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة وعلى رجال الامن بشكل منهجي وأمام أنظار (الزعماء السلميين) الذين يعلنون لاحقا-في الغالب:«أنه حالة خروج عن النص لا غير!!». - الاعتداء المتعمد على رجال الأمن في سياق العمل على كسر صورة رجل الأمن وإضعافه أمام جمهور المواطنين، وقد كان واضحا ان هذا المبدأ الذي يشار إليه في دليل الاستخدام) السلمي الذي يدرس في أكاديمية التغيير هو من أكثر المبادئ تنفيذا على ارض الواقع. - مواكبة الاحتشاد بالتحريض بكافة اشكاله وفي مقدمتها استمرار شعارات (التسقيط) والإساءة للدولة ورموزها، إضافة إلى الكتابات في كل مساحة يمكن الكتابة عليها لنقل شعارات (السلمية) التي تدور في مجملها حول الإساءة والبذاءة والعمل على الحط من مكانة الدولة في القلوب والعقول وتسهيل التطاول عليها. - الظهور الإعلامي (الفضائي والاجتماعي والورقي) لعدد من الإفراد الذين تم إعدادهم خصيصا ليكملوا الصورة من خلال التحريض اللفظي والسياسي، وربما اقتضى الأمر اللجوء إلى تغيير الحقائق بشكل منتظم وإكمال الصورة من خلال استغلال المنبر الديني الذي يتحول في بعض الأحيان إلى المبرر الرئيس لعنف السلمية وتسويقه أو الدفاع عنه، ومنحه قدرا من الشرعية الدينية التي تصبغ عليه طابع الفتوى. إن السلمية هنا لا تعدو أن تكون شكلية، مجرد لعبة لغوية مضللة يتم استخدامها للتمويه، ولكن هي نفسها كشفت أصحابها، خصوصا عندما نجحت الدولة في استيعاب حالات الاحتجاج بأكبر قدر ممكن من الصبر وطاقة التحمل في مواجهة العنف والارهاب لأن الدولة هنا تعمل على تعزيز الديمقراطية والشراكة والإصلاح وتكريس دولة القانون، وبذلك فإنه لن يكون من الممكن تسويق هذه السلمية إلا كنوع من العنف والإرهاب حتى وان كان يرفع شعار السلمية الجوفاء. كما أن النظر إلى الخصوم، أيا كانوا، على أنهم أعداء للحرية، من أجل سلبهم إياها، لم يعد مقبولا في زمننا هذا ولا مجديا. وبالفعل، ليس الوازع الأخلاقي وحده ولذاته ما يدفعنا إلى الاعتقاد بهذا الطرح. بل أيضا لأن إخلاء ميدان الأخلاق ولعب السياسة داخل أروقة الاجتثاث يترتب عنه عمليّا نتائج عكسية كارثية، في الأمد المنظور كما البعيد، مهما كانت فكرتنا عن مستقبل حداثي لبلداننا طموحة نبيلة. جملة مفيدة: إن هزيمةً في معترك القيم، لا يمكن إلا أن تنضاف إلى هزيمة الصناديق، ولن تخفف منها أو تلغيها. كما أن الجماهير، التي علينا في وقت من الأوقات استنهاضها واستمالتها، ثم انتظار حكمها في صندوق، آجلا أم عاجلا، هي الآن تنظر إلى موقف كل ناشط أو سياسي أو مثقف، تنظر وتسجل وتحلل صمتَ كل واحدٍ منهم أو كلامَه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها