النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

حول غربة الثقافة الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 9333 الأربعاء 29 أكتوبر 2014 الموافق 5 محرم 1436

في كتابه « نظرية العدالة» يجيب جون رولز عن قضية القدرة على التسامح مع غير المتسامحين هل ينبغي للجماعات غير المتسامحة أن تتذمر عندما لا يجري التسامح معها وهي التي تمارس التعصب والإقصاء وتنشر قوائم العار والقوائم السود والرمادية؟ وهل للجماعات أو الحكومات المتسامحة الحق في ألا تتسامح مع غير المتسامحين؟ فيقول: «ليس للجماعات غير المتسامحة الحق في أن تتذمر عندما لا يجري التسامح معها من الفئات الأخرى من المجتمع طالما انها منغلقة على نفسها وغير قابلة للتوافق مع الاخرين، ولكن على المواطنين أن يناضلوا من أجل احترام الدستور والقانون في جميع الأحوال والحالات حتى لا تتعرض الحرية للخطر وحتى تكون هناك فرصة لتربية الناس غير المتسامحين على التسامح وتكون هنالك. أما على الصعيد الرسمي فإن على الدولة أن تعامل غير المتسامحين بطريقة متسامحة، لأنه من الأفضل التسامح مع غير المتسامحين في أي دولة ديمقراطية». تعتبر هذه الإجابة في تقديري موجزا مركزا للرد على حالة التطرف والغليان التي تجتاح مجتمعاتنا، بما ولد الإرهاب والتخريب والاستعداد للقتل والتفجير والتخريب، استنادا الى منطق الكراهية والدغمائية التي أصبحت تختزل في شعار« من ليس معنا فهو ضدنا»، بل أصبح هذا الشعار مركزيا للتعبير عن البنية السيكولوجية لبعض السياسيين (المناضلين) الجدد الذين يسهمون في عملية تصنيف المجتمع وفقاً لمعادلات مستحدثة: أصليون وغير أصليين، مؤمنون وغير مؤمنين، مواطنون ومجنسون، موالون ومعارضون، شرفاء وخونة، ديمقراطيون وبلطجية، مناضلون وأزلام، ثوار وفلول.. إلى آخر قائمة المتقابلات التي يمكن وضعها في شكل قائمة مجدولة، يكون المطلوب الإبقاء على العناصر الواردة في الخانة (أ) والقضاء قضاء مبرماً على العناصر الواردة في الخانة (ب). هكذا أصبحت الأمور على هذا النحو الذي يمهد في الحالة إلى جميع أنواع الاقتتال والحروب والتصفيات المعنوية والجسدية، حتى أصبح الشعار المركزي: نحن أو أنتم!! أو على النحو الذي جسدته معادلة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن «من ليس معنا فهو ضدنا»! هذه الثقافة الإقصائية الجوفاء تعكس حالة عامة من الحدية والانقسام داخل المجتمع يرافقها في الغالب حالة من الفصام بين القول والفعل والموقف، فالجميع يتحدث عن التسامح وقبول الرأي المخالف، لكن الجميع تقريباً يطلق النار على من يختلف معه في الفكر والموقف، حيث إن التسامح الحقيقي يكتسب أهمية خصوصاً إذا كان للناس ذوي القناعات الدينية والأيديولوجية والسياسية المختلفة أن يعيشوا معاً في مجتمع ديمقراطي تعددي. وإذا كان التطور يعني، فيما يعنيه، الانتقال من البسيط إلى المركب، وإذا كان العصر المتقدم قد شهد بروز مجتمعات متعددة الثقافات فإننا للأسف نشهد في أقاليمنا العربية عودة مرعبة للطائفية والتعصب وانتشار ثقافة الإقصاء والقوائم السوداء. إن المشكلة هنا ليست في الفئات التي ترفض الديمقراطية من منطلق أيديولوجي أو من منطلق مصالح فئوية فقط، لكن المشكلة أيضا هي في أولئك الذين يطرحون أنفسهم كبدائل عن الأوضاع القائمة، كدعاة ورعاة للديمقراطية والحرية والعدالة ودولة المواطنة المتساوية، إلا أنهم في ذات الوقت يضيقون ذرعا بالآخرين المختلفين معهم فكريا وأيديولوجيا وسياسيا، بل يهددون- وهم في موقع المعارضة - المخالفين لهم بالويل والثبور، والطريف في الأمر أن كل طرف يتهم الآخر بثقافة الإقصاء والأطراف كلها تحمل تلك الثقافة بدرجات متفاوتة، والكل يتهم الآخر بكونه ليس مع فكرة التداول الديمقراطي حتى على صعيد الجمعيات والأحزاب نفسها، ولكنهم يفعلون ذلك تحديد - إلا في حالة شاذة- فقد كان العديد من اليساريين يعيبون على الإسلاميين بقاء المرشد العام في منصبه مدى الحياة، ولكنهم هم أيضا يفعلون ذلك بل ويعيدون إنتاج نفس العملية فأمناؤهم العامون يبقون في مناصبهم حتى نهاية العمر، ونذكر هنا على سبيل المثال فقط أن الحزب الشيوعي السوري تزعمه خالد بكداش لعقود حتى توفي ثم ورثت زوجته زعامة الحزب ثم ورثها بعدها ابنه وكذلك العديد من الأحزاب الأخرى. إن الديمقراطية لا تقتضي فقط القبول بالآراء الأخرى أو خوض الانتخابات طالما أنها ستأتي بمن نرضى عنهم والا نقاطعها، بل هي أن تقبل حق الآخر بإبداء رأيه حتى ولو خالف ذلك رأينا، بل حتى ولو كان هذا الرأي شاذّا ومستنكرا، كما أن الديمقراطية تسمح بالعمل ضمن القانون وضمن المؤسسات الدستورية، بأن نهزم الخصم السياسي في الانتخابات لكنها لا تسمح بتكميم الافواه ولا بالإقصاء مهما كانت الاسباب، فالانتصار او الهزيمة يكونان فقط في ميدان الحوار والتنافس السلمي، ولذلك فإننا في حاجة ماسة الى الثقافة الديمقراطية التي تبدأ بالتدرب على تحمل سماع الآراء والأفكار المخالفة وتحمل التعايش معها واحترامها وإيجاد أرضية مشتركة معها والتعاون بناء عليها وليس تخوين المختلف فكريا وسياسيا واعتباره عدواً. - يقول محي الدين بن عربي في تأملاته: « لقـد كنت قـبـل الـيوم أنكر صاحبـي إذ لم يـكـن ديـني إلى ديـنـه دان / وقـد صـار قلبي اليوم قـابـلاً كـل صورة / فـمـرعـى لغـزلان وديـر لرهـبان». همسة. من يقرأ التاريخ لن يدخل اليأس إلى قلبه أبداً. سوف يرى الدنيا أياماً يداولها الله بين الناس: الأغنياء يصبحون فقراء والفقراء ينقلبون أغنياء، وضعفاء الأمس أقوياء اليوم وهكذا...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها