النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

مسيرة واحدة من أعرق البيوتات التجارية في قطر

رابط مختصر
العدد 9328 الجمعة 24 أكتوبر 2014 الموافق 30 ذو الحجة 1435

أصدقائي القطريون ممن تقاسمت معهم أماكن السكن وموائد الطعام ومقاعد الدراسة الجامعية ومرابع اللهو والمرح في لبنان يلومونني لأني لم أكتب عن إحدى الشخصيات او العائلات القطرية بينما كتبت عن شخصيات من سائر الأقطار الخليجية الأخرى. وليتهم اكتفوا بذلك، بل راحوا يتساءلون إن كان للأمر صلة بالشرخ الذي حدث داخل كيان مجلس التعاون الخليجي. أقول لهم: حاشا لله أنْ يكون لهذا الحدث صلة بما تتحدثون عنه. فنحن أهل وإخوة وتربطنا وشائج لا يمكن أن تنفصم أو تؤثر فيها التباينات السياسية التي يجب ترك حلها لصناع القرار. أما لماذا لم أكتب عن الشخصيات القطرية حتى الآن فلأن المصادر والمراجع التي يمكن الاستناد إليها غير متوفرة لدي، وإن توفرت فهي قليلة جدا. لكني على كل حال سأحاول هذا الأسبوع تسليط الضوء على واحد من كبار تجار ورجال الأعمال في الشقيقة قطر ممن اتصفوا بالكرم والذكاء والفطنة والعلاقات المتشعبة وكان له ولإخوانه وأسرته الكريمة نفوذ في البلاد وصلات وثيقة بالعائلة الحاكمة منذ بدايات اكتشاف النفط وتصديره وحتى السنوات الأولى التالية لاستقلال قطر حينما بدأ هذا النفوذ بالتقلص كنتيجة لتوسع دائرة الانشطة الاقتصادية، وظهور أثرياء جدد، واشتداد المنافسة، وغير ذلك من الاساب. وسأعتمد في السطور التالية على ذاكرتي، ثم على ما كتبه البريطاني «مايكل فيلد» في كتابه الأثير «التجار: العائلات التجارية الكبيرة في السعودية ودول الخليج». سمعتُ اسم عائلته منذ أنْ كنتُ صبيا في الخمسينات. فعقاراته كانت تحيط بمكتب والدي ومحلاته التجارية في مدينة الخبر السعودية، ووكيلاه المشرفان على تلك العقارات في الخبر والدمام «صادق وعبدالرزاق قنبر»، كانا يترددان على والدي لشرب الشاي وتدخين «القدو» ويخبرانه كلما عاد الرجل من الدوحة إلى الدمام حيث كان مقربا من أمير المنطقة الشرقية آنذاك الأمير سعود بن جلوي أو كلما غادر بلاده إلى بيروت حيث كانت له مصالح تجارية وعلاقات وثيقة برجال الأعمال اللبنانيين. وبالتزامن مع كل هذا كنت أرى صورته على شاشة تلفزيون أرامكو من الظهران كلما زار الملك سعود الأول المنطقة الشرقية. إذ اعتاد الرجل أن يقيم في كل مرة مأدبة فاخرة للملك ومرافقيه يدعو إليها كبار الشخصيات ورجالات صناعة النفط الامريكيين. وكان دائما يظهر في تلك الصور واقفا خلف الملك يشرف على المأدبة، دون أن يتخذ مقعدا إلى جانبه وذلك من باب الاحترام والتقيد بالعادات العربية الأصيلة. ثم تمر الأعوام وأذهب إلى بيروت لاتمام دراستي الجامعية، فتشاء الصدف أن أسكن في بادئ الأمر في عمارة داخل طريق متفرع من شارع المزرعة يـُسمى «مفرق الأيتام» كناية عن وجود جمعية لإيواء الأيتام في نهاياته. بل تشاء الصدف أن يكون جاري في تلك العمارة شابا قطريا بدت عليه علامات الثراء بدليل امتلاكه لسيارة رياضية فاخرة مكشوفة من نوع «فولكس واغون»، فيما كنا وقتها لا نملك ثمن «توصيلة» في سيارات الأجرة اللبنانية المعروفة بـ«السرفيس». لكنه على اي حال خسر تلك السيارة الثمينة على ايدي الفدائيين الفلسطينيين الذين اقتحموا منازلنا حينما اشتبكت المنظمات الفلسطينية مع الجيش اللبناني في 1973. تعرفتُ على الشاب القطري فإذا به «محمد بن جاسم الدرويش» ابن أخ الوجيه «عبدالله الدرويش» صاحب الاملاك العقارية والعلاقات الوثيقة مع علية القوم في السعودية. وهو بدوره عرفني على ابن عمه «ناصر عبدالرحمن الدرويش» الذي كان يسكن في منطقة الرملة البيضاء. إذن فحديثنا هو عن عائلة الدرويش التي تستخدم اسم جدها درويش كلقب لها فيما لقبها الأصلي هو فخرو. وفخرو كما هو معروف عائلة ينتشر أفرادها في قطر والبحرين، حيث يحظون بمكانة اجتماعية كبيرة واحترام وتقدير من لدن الاسر الحاكمة وسائر العائلات والقبائل. وفي البحرين برزت منهم شخصيات صاحبة تخصصات عالية أو مناصب رسمية مهمة أو صاحبة نفوذ في القطاع الخاص، فتركت بصماتها على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، بل برز منهم أيضا من يعمل في المعارضة البائسة أو من يحمل العصا من الوسط بين الحكومة والمعارضة. وطبقا لبشار الحادي «كتاب أعيان البحرين، المجلد الخامس، الصفحة 233» فإن آل فخرو هم من عرب الهولة، لكنهم ينتمون في الاصل إلى بني تميم، الأمر الذي أكدته مصادر عديدة مثل كتب العلامة حمد الجاسر وكتاب دليل الخليج «القسم الجغرافي» للبريطاني لوريمر. وهم في قطر حنابلة ويسكنون بفروعهم المختلفة «آل عبيدان، وآل درويش، وآل حسن، وآل الخال، وآل عثمان» في منطقة الجسرة وسوق واقف حيث بيوتهم الكبيرة. وأضيف هنا إلى ما قاله الاستاذ الحادي أن منطقة الجسرة تضم أيضا بيوت أنسابهم وأرحامهم من عائلات جيدة والنعمة والساعي وتلفت وزيني. أما آل فخرو في البحرين فهم شافعية وسكنوا في بداية الأمر في المحرق ثم انتقل الكثيرون منهم إلى المنامة. يفرد مايكل فيلد الصفحة 248 من كتابه لشجرة عائلة آل درويش فخرو، فيتضح منها أن تسلسل العائلة بدأ من فخرو فقاسم فدرويش الذي أنجب أربعة أبناء ما بين عامي 1905 و1920 وهم: «جاسم والد أحمد ويوسف ومحمد»، و«محمد والد درويش»، و«عبدالله والد درويش وعلي وبدر»، و«عبدالرحمن والد عبدالعزيز ومحمد وناصر». وعلى الرغم من أن الأولاد الأربعة امتلكوا طموحات تفوق طموحات أبيهم قاسم «أو جاسم»، تاجر المواد الغذائية الصغير، الذي لقي حتفه في حادث حريق وهم صغار، وعلى الرغم من أنهم تلقوا تعليمهم معا في المدرسية الأثرية التي افتتحها الحاكم الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني في 1917 لتدريس أبناء الأسرة الحاكمة، فإن أولاد درويش قاسم فخرو البارزين هم جاسم وعبدالله وعبدالرحمن الذين اسسوا معا مجموعة شركات الدرويش التي وصلت قيمتها يوما ما إلى أكثر من ملياري دولار وحظيت بحضور قوي في سائر الاقطار الخليجية وبعض الاقطار العربية والاوروبية. فالأول، المولود في أواخر القرن 19، برز وأثرى من خلال الاشتغال بالطواشة وتصنيف اللؤلؤ قبل أن ينصرف إلى التجارة مع إخوانه بعد كساد سوق اللؤلؤ، كما انه بسبب دراسته للفقه واتقانه للثقافة العربية ترأس دائرة المعارف القطرية «وزارة التربية والتعليم لاحقا» ما بين 1951 - 1956. والثاني برز وامتلك النفوذ من خلال الدخول في صفقة مع شركة النفط الانغلوايرانية لبيع الكيروسين في قطر نيابة عنها. وأما الثالث فقد عمل مستشارا خاصا لحاكمين من حكام قطر السابقين هما الشيخ علي وخليفته الشيخ أحمد. وطبقا لمايكل فيلد (الصفحة 250) فإنه حينما اشتدت المنافسة بين الانجليز والامريكان حول الحصول على امتيازات التنقيب عن النفط في قطر قررت السلطات البريطانية في البحرين الاعتماد على عبدالله الدرويش لمدها أولا بأول بالمستجدات النفطية على الساحة القطرية. بل ان الرجل لم يتردد، انطلاقا من حبه لوطنه وخوفه عليه من المشبوهين، في الاستجابة لطلب تلقاه من البريطانيين في البحرين لكشف غموض شخصية ظهرت فجأة في الدوحة في ربيع 1941. وملخص القصة كما رواها مايكل فيلد (الصفحة 247) أن شخصية غريبة متدروشة ظهرت في مساجد الدوحة تطهبل، وتتردد على مجالس العزاء دون أن يعرفه أصحابها، فخافت السلطات البريطانية في البحرين أن يكون هذا جاسوسا او عميلا أرسلته دولة معادية من أجل تجييش الناس دينيا ضد الانجليز، فطلبت من شركة نفط قطر تقصي الحقيقة، فأوكلت الأخيرة العملية إلى عبدالله الدرويش الذي لم يرسل تقريرا وافيا حول تلك الشخصية فحسب، وإنما ألحقه برسالة قال فيها انه لن يدخر جهدا في التصيد والتربص مستقبلا بمثل هذه الشخصيات إذا ما حاولت المجيء إلى قطر، الأمر الذي أشاع جوا من الراحة والطمأنينة لدى السلطات البريطانية. كان ما فعله عبدالله الدرويش في ذلك الوقت المبكر من تاريخ قطر شيئا مدهشا. إذ لم يكن بمقدور أحد من القطريين وقتها التحدث بالانجليزية، فما بالك بمن يكتب تقريرا وافيا بلغة إنجليزية سليمة! كان عبدالله الدرويش يتمتع بذاكرة حديدية عن الاحداث والتواريخ والارقام ويتحدث الانجليزية بطريقة جيدة بفضل تمرنه عليها من خلال الحديث بها مع الأجانب الذين كانت تستضيفهم دار العائلة. لكن الأهم من ذلك أنه كان قادرا على قراءة أفكار المنتمين إلى ثقافات متباينة، وبالتالي التعامل معهم وفق ثقافاتهم وتقاليدهم منعا لأي حتكاك. وقد استخدم هذه الميزة في تعامله مع شركات النفط الانجليزية والامريكية فحال دون وقوعه في اشكالات معها. المنعطف الأولي الهام في تاريخ الأعمال التجارية لآل درويش فخرو كان مع بدايات التنقيب عن النفط في قطر في 1939، حيث حصلت العائلة من شركة النفط على عقد لبناء عدة أبنية صغيرة داخل مجمع الشركة في منطقة جبل دخان. لكن لسوء الحظ اضطرت الشركة لإيقاف أعمالها وإعادة عمالها إلى إيران في 1940 بسبب الحرب العالمية الثانية. هنا فضّل عبدالله الدرويش العودة لممارسة التجارة عبر الدخول في شراكة مع الابن الثاني للحاكم وولي عهده حمد بن عبدالله آل ثاني، خصوصا وأن الرجلين كانا ذا طبيعة واحدة لجهة الصرامة والمهابة واقتناص الفرص وحسم الامور دون تردد، طبقا لمايكل فيلد (صفحة 250). هذه الشراكة بين عبدالله الدرويش والشيخ حمد منحت آل درويش فخرو هيبة اقتصادية ومكانة اجتماعية راحت تتزايد وتتوطد مع الأيام حتى تجاوزت نفوذ ومكانة مقربين آخرين من العائلة الحاكمة مثل آل مانع المنحدرين من نجد، بل أمـّنت لعبدالله الدرويش موقع الساعد الأيمن للشيخ حمد الذي كان وقتذاك هو الحاكم الفعلي لقطر بسبب تقدم والده في السن وعجزه عن القيام بمسؤوليات الدولة. وقد استطاع عبدالله الدرويش بذكائه وفطنته أن يحافظ على مكانة ونفوذ عائلته في سنوات الحرب العالمية الثانية، ويحتوي سريعا بعض الاشكالات التي حدثت بينه وبين المقيم السياسي البريطاني في بوشهر وحكومة الهند البريطانية. وهكذا ظل آل درويش فخرو في السنوات التالية لانتهاء الحرب العالمية الثانية لاعبين اساسيين في تجارة قطر مع الجوار والعالم الخارجي، ونجحوا في أعمالهم دون أي مشاكل مع الانجليز الذين كانوا في هذه الفترة مشغولين بملفات أكثر أهمية مثل صحة الحاكم وترتيب عملية خلافته في ضوء احتمال وفاة ولي العهد الشيخ حمد قبل أبيه بسبب مضاعفات مرض السكري، وكيفية إعادة تشغيل صناعة النفط ومنشآتها في جبل دخان، وكيفية استغلال مداخيل النفط في إنماء قطر. ويقول مايكل فيلد (الصفحة 253) ان آل درويش فخرو كانوا كما الانجليز مهمومين أيضا بعملية انتقال الحكم من الشيخ عبدالله إلى ولده حمد لارتباط مصالحهم التجارية مع الأخير، وكانوا يتساءلون عمن سيحكم قطر لو توفي حمد قبل أبيه؟ هل ستؤول السلطة إلى ابن حمد الشيخ خليفة الذي كان وقتها صغيرا لكنه كان مشروع حاكم رائع في المستقبل؟ أم سيتولى الحكم اخو حمد الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني الذي لم تبدو عليه سمات القائد القوي كوالده؟ ومثلما كان متوقعا فقد توفي الشيخ حمد قبل ابيه في مايو 1949، وتم تنصيب أخيه علي وليا للعهد بدلا من ولده الصغير خليفة، وقيل انه تم الاتفاق على أن يُعين خليفة وليا لعهد الشيخ علي حينما يستلم الأخير الحكم خلفا لوالده. وبعد عام واحد تقريبا تنازل الشيخ عبدالله عن الحكم لولده علي، لكن خليفة لم يـُسمى وليا للعهد كما هو معروف. قلنا ان عبدالله الدرويش تميز في حياته بحسمه السريع للأمور دون تردد، انطلاقا من مبدأ أن التردد مضيعة للفرص. لذا نراه بمجرد ان تولى الشيخ علي حكم قطر تقرب منه، الأمر الذي جعله صاحب نفوذ أوسع من ذي قبل، خصوصا مع قيام الشيخ علي بتعيين عبدالرحمن الدرويش مستشارا خاصا له. المنعطف الأهم في تاريخ عائلة درويش فخرو كان في بدايات حكم الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني. ففي عامي 1948 و1949 كانت شركة نفط قطر بصدد تنفيذ مشروعات إنشائية كبيرة ذات صلة بعملها مثل: مد خطوط الأنابيب عبر شبه جزيرة قطر إلى امسيعيد، بناء محطات حقن الغاز، إقامة خزانات ومحطات شحن بحرية، بناء مساكن لموظفيها الغربيين، مد الطرق المعبدة، إنشاء الورش الصناعية، وغيرها. كانت هذه الأعمال تتطلب انتقال الأيدي العاملة يوميا ما بين الدوحة وأماكن عملها، فمنحت شركة النفط عبدالله درويش عقدا لنقل العمال بواسطة ثلاث شاحنات ضخمة كان يملكها. غير ان العملية شابها الاضطراب بسبب تخلف بعض العمال عن اللحاق بالشاحنات في الوقت المناسب، وأحيانا غياب قادة الشاحنات عن العمل، الأمر الذي رأت معه الشركة النفطية أنه من الأفضل لها أن توكل للدرويش عمليتي توظيف العمالة ونقلها معا مقابل 11.5 روبية للرأس. استطاع عبدالله الدرويش خلال عامين أن يوظف وينقل ويتكفل بإعاشة نحو 1500 عامل، محققا ربحا صافيا تجاوز المليون روبية. ويقال ان نجاح الرجل في هذه الصفقة فتح له باب صفقات أخرى مع شركة نفط قطر، بل وعزز أيضا علاقاته الشخصية مع مدرائها وعلى رأسهم المسؤول الميداني عن الحقول النفطية الامريكي «بوتس لانغهام» الذي كان يبحث عن رجل يحقق النتائج ولا يتحدث عن كيفية تحقيقها فوجد ضالته في عبدالله الدرويش الذي كان -كما سبق وأنْ ذكرنا- قادرا على قراءة أفكار وثقافة الآخرين. من بين أوائل الصفقات الضخمة التي حصل عليها آل درويش فخرو من شركة نفط قطر صفقة لبناء مساكن ومكاتب وملحقاتها كالمطاعم والنوادي والملاعب ومراكز التسوق، وصفقة أخرى لتزويد مرافق شركة النفط بالمياه الصالحة للشرب والتي جلبها عبدالله الدرويش من عيون البحرين العذبة داخل خزانات تحملها مراكب مملوكة له «ربما بعد أخذه موافقة المستشار تشارلز بلغريف الذي كان الدرويش معجبا به ويقول عنه انه قام بانجازات رائعة في البحرين تفتقدها قطر». على أن الصفقة الأضخم في حجمها ومردودها المالي كانت في 1953 حينما فرضت شركة النفط على عبدالله الدرويش الدخول في شراكة مع شركة «كات» اللبنانية ذات السمعة المحترمة في ميدان مد أنابيب النفط في سوريا والعراق والتي كان يملكها المليونير والنائب الراحل إميل بستاني وذلك بهدف الاستفادة من نفوذ الدرويش المحلي من جهة، والخبرات الفنية والانشائية للشركة اللبنانية من جهة أخرى. وهكذا احتكرت الشركة الجديدة «كات ـ الدرويش» سوق الاعمال الانشائية في قطر على مدى الأعوام الخمسة عشرة التالية، وشملت أعمالها تنفيذ بناء أول مستشفى في البلاد ما بين عامي 1954 - 1956، وإقامة أول محطة لتحلية المياه وأول محطة للطاقة الكهربائية، وشق شبكات الطرق وتعبيدها، وتنفيذ جزء من ميناء تحميل النفط في أمسيعيد، وبناء العديد من قصور الأسرة الحاكمة، إضافة إلى إنشاء «فندق الواحة» بهدف إسكان أطقم الرحلات الجوية لشركات الطيران التي كان آل درويش قد استحوذوا على وكالاتها الحصرية. ويقول ما يكل فيلد في هذا السياق (صفحة 256) انه حتى منتصف الستينات لم تكن هناك مؤسسة انشائية او هندسية كبرى في قطر تستطيع منافسة آل درويش وشركائهم او تفكر في تحديهم، بما في ذلك شركة المقاولات التي أسسها التاجر علي بن علي في أواخر الخمسينات مع الشيخ ناصر بن خالد للدخول في المناقصات الانشائية لشركة نفط قطر، والشركة الأخرى التي اسسها جاسم جيدة بعد تحويله لتجارة والده من المواد الغذائية إلى بيع أدوات البناء وتنفيذ المقاولات الانشائية. في هذا المنعطف قويت شوكة ونفوذ آل درويش أكثر، وذلك بحصول عبدالله الدرويش على منصب ممثل الحاكم في شركة النفط طبقا لمادة في عقد الامتياز لعام 1935 كانت تجيز للحاكم حق تعيين ممثل له في شركة نفط قطر براتب شهري ضخم. وبسبب منصبه هذا قام عبدالله الدرويش بحفظ بنود عقد الامتياز عن ظهر قلب كي لا تفوته ادنى فرصة لطرح مبادرات او مطالبات من أجل تحقيق مكاسب ومداخيل إضافية لبلده. لكن هذا المنصب خلق له أعداء وحسادا كثرا ضمن أعضاء الأسرة الحاكمة ممن كانوا أقل ثراء ونفوذا منه، بل ممن أزعجهم الاسم الذي كان الانجليز والامريكان يطلقونه عليه في مجالسهم الخاصة وهو «رئيس الوزراء». من هؤلاء خليفة أحد أبناء الحاكم الشيخ علي آل ثاني الذي يُقال انه توعد عبدالله الدرويش ورفع السلاح في وجهه على إثر خلافات بينهما في بيروت في 1956 مما جعل الاخير يعود مسرعا الى الدوحة لطلب الحماية من الحاكم الذي اخبره انه لن يستطيع فعل شيء له، وهي مفاجأة لم يكن الدرويش يتوقعها فآثر حينذاك أن ينفي نفسه اختياريا إلى الدمام حيث عاش في حماية سعود بن جلوي الذي كان الدرويش قد تعرف عليه في زمن الملك عبدالعزيز آل سعود، وكان كثير التردد عليه في الخمسينات. وفي الدمام تملك العقارات وأسس مكاتب للسفر والسياحة، وأشرف منها على أملاكه في لبنان. بعد عام ونصف العام من تولي الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم في الدوحة على اثر انقلابه الأبيض على ابن عمه «الشيخ أحمد بن علي بن عبدالله آل ثاني» في 1972 انفرط عقد مجموعة شركات الدرويش وتقاسم الإخوة الثلاثة أصولها المتجسدة في فندق الواحة، والدرويش للهندسة «تكونت بعد حل الشراكة مع كات اللبنانية في 1967»، والدرويش للسفر والسياحة، وكالة سيارات فيات الايطالية، مخازن برادات قطر، ومتاجر البيت الحديث. وهكذا صار آل درويش مجرد جزء من كل وسط قطاع المال والأعمال في قطر بعدما كانوا يوما ما سادة القطاع ورواده والمتحكمين فيه بلا منازع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها