النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

صحافة.. ومخابرات.. وتواريخ

رابط مختصر
العدد 9327 الخميس 23 أكتوبر 2014 الموافق 29 ذو الحجة 1435

جددت خمس حلقات نشرتها جريدة المصرى اليوم من ذكريات الفريق «محمد رفعت جبريل» الرئيس الأسبق لهيئة الأمن القومى بجهاز المخابرات العامة المصرية، الجدل حول عدد من القضايا السياسية والفكرية والتاريخية يتعلق بعضها بحرية الصحافة والنشر وتداول المعلومات ويتعلق البعض الآخر بالعلاقة بين الفن والتاريخ. وما نشرته «المصرى اليوم» هو حوار صحفى مطول كان مدير تحريرها الزميل «محمد السيد صالح» قد اجراه مع الفريق «جبريل» وقبل عام واحد من رحيله عن الدنيا عام 2009 روى فيه الفريق ذكرياته عن عدد من العمليات الاستخبارية المهمة التى قامت بها المخابرات المصرية خلال فترة عمله بها ضد جهاز المخابرات الإسرائيلى «الموساد» ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية وهى عمليات سبق وأن اثارت اهتماما جماهيريا واسعا عند الكشف عنها وتقديم المتهمين فيها إلى المحاكمة لأن بعضها كان يتعلق بشخصيات لامعة مثل محاولة «الموساد» تجنيد المطرب المعروف «سمير الاسكندرانى» الذى أبلغ المخابرات المصرية فكلفته بمسايرتها لكى تتوصل إلى خلاياها التى تعمل فى مصر، وقضية اتهام الصحفى الكبير الراحل «مصطفى أمين» بالتجسس لصالح المخابرات الأمريكية التى انتهت بالحكم عليه عام 1966 بالسجن لمدة خمسة عشر عاما أو لأن بعضها الآخر كانت موضوعا لأعمال درامية مثل مسلسل «رأفت الهجان» الذى عرض فى منتصف الثمانينيات، وكتبه الروائى الراحل «صالح مرسى» وقام ببطولته الفنان «محمود عبدالعزيز» وأثار فى حينه جدلا واسعا لم يتوقف بعد حول طبيعة الدور الذى قام به بطل الواقعة الحقيقى « رفعت الجمال» الذى زرعته المخابرات المصرية فى أواخر الخمسينيات داخل إسرائيل وظل يعمل بها عدة سنوات. وكان وقف نشر الحلقة السادسة والأخيرة من ذكريات الفريق «جبريل» بسبب اعتراض جهاز المخابرات على نشر الحلقات، هو الذى جدد الاهتمام بالنصوص التى تنظم ممارسة حرية الصحافة والنشر فى القانون المصرى فيما يتعلق بهذا النوع من الموضوعات، إذ إن هذه النصوص تحظر نشر أو إذاعة أي معلومات أو أخبار عن القوات المسلحة وتشكيلاتها وتحركاتها وعتادها وأفرادها، وبصفة عامة كل ما يتعلق بالنواحى العسكرية والاستراتيجية بأى طريق من طرق النشر أو الإذاعة إلا بعد الحصول على موافقة كتابية من الجهة المختصة بذلك فى القوات المسلحة، كما يحظر إذاعة أو افشاء أي أخبار أو معلومات أو بيانات أو وثائق تتعلق بالمخابرات العامة، سواء كان ذلك على صورة مذكرات أو مصنفات أدبية أو فنية أو على أي صورة أو بأي وسيلة كانت إلا بعد الحصول مقدما على إذن كتابى من رئيس المخابرات العامة ويجرى هذا الحظر على مؤلف أو واضع أو طابع أو موزع أو عارض المادة المنشورة أو المذاعة وعلى المسؤول عن نشرها أو إذاعتها. وكانت هذه المواد فى القانون المصرى موضع اهتمام بالغ فى بعض المراحل، إذ أدى عدم معرفة بعض الصحفيين والناشرين لها، أو تجاهلهم لما تنص عليه فى نهاية الثمانينيات إلى استدعائهم للمثول أمام النيابة العسكرية للتحقيق معهم بسبب تجاهلهم لها، ونشرها لأخبار أو موضوعات أو كتب تتعلق بهذه الشؤون دون الحصول على إذن مسبق من القوات المسلحة أو المخابرات العامة كما كان اعتراض القوات المسلحة على سيناريو فيلم «الرئيس والمشير» الذى يتناول العلاقة بين «الرئيس عبدالناصر» و«المشير عبدالحكيم عامر» موضوع قضية رفعها الراحل «ممدوح الليثى» أمام محكمة القضاء الإدارى انتهى بصدور حكم لصالحه لتجرى جولة جديدة من الحوار بين الطرفين استغرقت وقتا رحل خلاله «ممدوح الليثى» تحول بعدها السيناريو الذى كتبه إلى مسلسل تليفزيونى أعاد كتابته غيره وعرض فى شهر رمضان الماضى بعنوان «صديق العمر». من حيث المبدأ لا يوجد فى تضمين القانون نصوص تتعلق بحماية اسرار الدفاع عن البلاد بما فى ذلك اسرار العمليات التى يقوم بها جهاز المخابرات العامة لأن ذلك فضلا عن أنه جزء من المسؤولية الوطنية والاجتماعية للصحافة والإعلام، هو المعمول به فى كل بلاد الدنيا الديمقراطية التى لا تجيز نشر أى شىء يتعلق بأسرار الدفاع أو بنشاط أجهزة الأمن القومى دون إذن مسبق، وتراجع ما يكتبه العاملون السابقون فيها من ذكريات عن نشاطهم خلال عملهم بها، قبل نشرها للتأكد من أن هذا النشر لا يضر بأمن الجهاز نفسه أو يؤدى إلى المساس بعلاقة الدولة بغيرها من الدول. لكن الأمر فى تقديرى يتطلب حوارا هادئا بين المسئولين فى هذه الأجهزة، وبين المعنيين بحرية الصحافة والنشر والإعلام، بحيث تعاد إعادة صياغة المواد القانونية ذات الصلة بهذا الموضوع، فى ضوء الاتجاه التحررى الواضح الذى أخذ به المشرع الدستورى فى تعديل 2014 تجاه حرية الصحافة والنشر والإعلام وتداول المعلومات، وهو ما يعنى تنظيم حق القوات المسلحة فى فرض الرقابة المسبقة، على ما يمس الأمن القومى من أخبار وموضوعات ليكون فى نطاق الضرورات التى يتطلبها هذا الأمن، دون غيرها من أمور لا صلة لها مباشرة به، وعلى نحو يوائم ضمان حق المواطن فى المعرفة وبين الإيقاع السريع لمهنة الإعلام. ما يلفت النظر إلى هذه القضية أن «المصرى اليوم» بررت نشرها للمذكرات دون أن تحصل على إذن مسبق بنشرها، بأنها كانت قد تقدمت بطلب هذا الإذن منذ فترة ليست قصيرة لم تتلق خلالها اعتراضا على النشر، مما دفعها للظن بأن السكوت علامة الرضا، فبدأت النشر ولو كانت قد تمعنت قليلا فى نص القانون لأدركت أن الحصول على إذن كتابى بالموافقة على النشر أمر وجوبى، ولما باغتها قرار الاعتراض على النشر، الذى بدا أنه يستهدف تذكير كل من يعنيهم الأمر، بالقانون أكثر مما ينطوى على اعتراض على مضمون المذكرات نفسه، خصوصا أن الوقائع التى وردت فيها تعود إلى المرحلة بين منتصف الستينيات ومنتصف السبعينيات أى إلى أربعين عاما مضت على نحو يجعل احتمال مساسها بالأمن القومى احتمالا بعيدا. أما القضية الأخرى التى جدد بصدد الجدل حولها نشر هذه الفصول من مذكرات الفريق «جبريل» فهى مسألة العلاقة بين الفن والتاريخ ففى إجابته عن بعض ما وجه إليه من أسئلة أشار إلى أن «رفعت الجمال» - البطل الحقيقى لمسلسل «رأفت الهجان» - لم يمكث فى إسرائيل سوى عدد محدد من السنوات إذ يصعب - كما قال- زرع عميل مزدوج فى بلد العدو، لمدة طويلة لأن ذلك يعرضه للانكشاف وقد يتعرض لضغوط تورطه فى العمل لحساب الطرف الآخر وألمح، إلى أن المسلسل تضمن مبالغات درامية فى تصوير دوره، وهو ما اغضب كثيرين توهموا أن وقائع المسلسل كلها حقائق تاريخية ونسوا أن كل أبطال المسلسل بما فى ذلك ضباط المخابرات المصرية الذين كانوا يشرفون على العملية يحملون اسماء مختلفة عن اسمائهم الحقيقية فى إشارة إلى أن ما يراه المشاهد ليس الحقيقة التاريخية كاملة لكنه قسم منها اختلط بخيال الكاتب. ولو أنه كان يقدم تاريخا لقدم الشخصيات بأسمائها الحقيقية.. كما فعل صناع مسلسل «صديق العمر» ولتوجب علينا أن نحاسبه على ما أضافه إلى التاريخ أو ما حذفه منه أو حرفه من وقائع. ولم يكن غضب بعض الذين يفترض أنهم يدركون ذلك الخيط الرفيع بين الدراما التى تستوحى وقائع التاريخ والأفلام الوثائقية التى تروى وتحقق هذه الوقائع مما قاله الفريق «جبريل» إلا دليلا على أنهم يستقون معلوماتهم التاريخية من المسلسلات التليفزيونية، ولا يبذلون مجهودا لقراءة التاريخ من مصادره ومراجعه الأساسية، وهو ما يوجب على الذين يكتبون هذه المسلسلات والأعمال أن يلتزموا التزاما صارما بحقائق التاريخ، والا يتعللوا بالضرورات الدرامية لتغير هذه الحقائق ليقتصر دور هذه الضرورات على الشخصيات الهامشية والتفاصيل الصغيرة التى لا تغير مسار الأحداث، أو مواقف الشخصيات وأن يعرضوا نصوصهم قبل تنفيذها على متخصصين فى التاريخ ليتأكدوا أن الضرورات الدرامية لم تقدهم إلى شطط يزيف وقائع التاريخ أو يبالغ في الدور الذى لعبه أبطاله وينسب إليهم ما لم يقوموا به. ذلك خطر يوجب على مخططى البرامج التليفزيونية وخبراء الإعلام والذين يعنيهم أن تلعب وسائل الإعلام دورا إيجابيا فى إحياء الذاكرة الوطنية، وأن يتصدوا له ليس فقط بالحرص على ألا يتجاوز الضرورات الدرامية حدها فتتحول إلى عبث بوقائع التاريخ، لكن كذلك بالاهتمام بإنتاج الأفلام الوثائقية التى تعتمد على حقائق التاريخ الموثقة وتقدمها بشكل فنى يجذب إليه المشاهد ويجمع بين الفرجة والفكر، وبين روايات الشهود وتحليلات المؤرخين حتى لا يتحول التاريخ من علم لمعرفة الماضى بهدف السيطرة على المستقبل، إلى أساطير من نوع اسطورة المرأة التى أكلت ذراع زوجها!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها