النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

هل المقاطعة موقف تقدمي؟

رابط مختصر
العدد 9324 الأثنين 20 أكتوبر 2014 الموافق 26 ذو الحجة 1435

هل المقاطعة موقف تقدمي؟ الانتظارية أو تعليق الواقع على الغيب..! كم كان مؤسفا ومحزنا إعلان المعارضة عن استقرار أمرها على عدم المشاركة في الانتخابات، وذلك لأن خيار المقاطعة يعني الانسحاب من الحياة السياسية ضمن أفق التجربة الديمقراطية الوطنية عبر مؤسساتها الدستورية، تلك التجربة التي لا يمكن ان تتطور بشكل سليم مع غياب أحد أهم مكونات المجتمع السياسي، حيث أضفى هذا الإعلان حالة من الكآبة السياسية العامة على المشهد الوطني المعلق بين الأمل والرجاء، وبين الأزمة والحل، بما يعنى استمرار الازمة السياسية وانفتاحها على مزيد من التصعيد في سياق دولي وإقليمي مأزوم ومتوتر. إن رفض المعارضة المشاركة في الانتخابات القادمة – نتيجة لعدم الاستجابة إلى كافة شروطها وتصورها للحل السياسي بشكل كامل- يعني مصادرة مسبقة لهذا الحل وفرض إرادتها السياسية على الجميع، بما يعنى انها ما تزال تعيش ضمن أفق (الثورة)، تماما مثلما كان هروبها من الحوار خوفا من مواجهة متطلبات التوافق الوطني الذي كان سيفضي الى حل وسط لا يبدو انه كان مقبولا من المعارضة طالما انه لا يحقق أجندتها السياسية كاملة بنقاطها المعلنة، مما يتناقض مع المنطق السياسي البراغماتي الذي يقول: «خذ ما يعطى لك وطالب بما تريد». ومن المؤسف ان قرار المعارضة قد عزز الانتظارية السياسية التي تعلق الواقع على الغيب، والحاضر على المجهول، في الوقت الذي يفترض من النخبة السياسية ان تمتلك الشجاعة لخوض معركة الواقع بواقعية ووفقا لمعادلاته وموازينه، وليس وفقا للنزعة الإرادية التي من شأنها إطالة عمر الأزمة، ومن المؤسف أيضا ان هذا القرار قد حتم استمرار المواجهة السياسية، وسهل بسط مسرحها لتعزيز مواقع ومواقف القوى الراديكالية التأزيمية، والتي لا تمانع في استخدام العنف وفي استدعاء العامل الخارجي وتوظيفه في المعادلة الوطنية.. كما أنه من الواضح أن ما ساقته المعارضة من تبريرات الانسحاب من الحياة السياسية الرسمية واستمرار اللجوء الى الشارع يعزز في الواقع الموقف السلبي المتجهة عكس حركة التاريخ، ولا ينم عن نضج سياسي حقيقي، ومن ذلك الحديث عن ( ضغوط الجمهور)، استنادا الى ترسانة الوعود العالية التي أعلنتها المعارضة ووعدت بها دون ان تمتلك أدوات ولا إمكانيات تنفيذها، ومع معرفتها المسبقة استحالة تحقيقها على النحو الذي طرزته، لاعتبارات مجتمعية وتاريخية وسياسية، ولذلك ورطت المعارضة نفسها كما ورطت جمهورها في هذه المعادلة المختلة، في حين كان يفترض بها القيام بمراجعة شجاعة وموضوعية لمسيرتها ولأخطائها، ومن ذلك تصرفها مع جماهيرها على نحو خاطئ، وان تكون قادرة على الاعتراف أمام هذا الجمهور بأن تقديراتها لم تكن صحيحة. لقد كان مؤسفا أيضا أننا لم نقرأ كلمة واحدة في البيانات او التصريحات او في المؤتمر الصحفي تتحدث عن (مراجعة) أو (أخطاء) أو (تقييم) لتجربة المعارضة خلال السنوات الأربع الماضية فقط، وإنما استمعنا الى تبريرات مكررة ورسائل موجهة الى من يهمه الأمر في الخارج، في حين كان المطلوب هو مراجعة شاملة وجدية لتجربة المعارضة وأخطائهاوأوجه الخلل الناظم لتجربتها حتى تتمكن من تصويها ضمن ثقافة (المراجعة) التي تبدو غائبة تماما في الوضع الراهن، ومن تلك النقاط نذكر على سبيل المثال لا الحصر: -أولا: الاعتقاد بان الحل الوحيد يكمن في تنفيذ خارطة الطريق التي اقترحتها المعارضة حرفيا، وهو أغرب طلب يمكن أن يتقدم به سياسي عاقل(إلا في حالة الحاق الهزيمة الكاملة بالخصم)، حيث أن ما تطالب به المعارضة هو أن تتخلى السلطة عن سلطاتها نهائيا، وحل نفسها وان تتجرد من كل المقدرات التي بحوزتها وتسلمها إلى المعارضة بهدوء، وهذا يعني باختصار أن البعض ما يزال يعيش في فقاعة الوهم وضعف التقدير،ولذلك لا يفضل الوقوف على منصة الادعاء والاستعراض. -ثانيا استمراء صناعة الأوهام وسلب الناس وعيهم وعدم مصارحتهم بالحقيقة كاملة، في سياق السعي للسيطرة على الاتجاهات وعلى كسب الرأي العام في كافة المعارك، في حين أن معركته الحقيقية هي ضد تزييف وعي الناس، بعيدا عن “فبركة الأوهام والأحلام” للتأثير على الجمهور المتطلع لحياة افضل. -ثالثا: التعويل على الخارج: فإذا كان صحيحاً أننا نعيش في عالم مفتوح دمج الداخل بالخارج فإن ما يمكن رصده حالياً أن العولمة قد خلقت إمكانات واسعة لسيادة الولاء للآخر، وهيمنة الفكر التبعي، واستبعاد المكونات المحلية القابلة للتطور والنمو في إطار الشراكة، وخلخلة البناء الاجتماعي بصورة فوضوية، وقد أفضى ذلك إلى انهيارات متعاقبة على الصعيد المحلي، فما كانت تراه المعارضات في السابق تبعية “رسمية” للغرب على الصعيدين العسكري والاقتصادي، أصبحت اليوم ترحب به على الصعيدين السياسي والإعلامي من خلال حلف غير خافٍ، في علاقة ملتبسة يشوبها الإغواء السياسي المجرد من شروطه التاريخية. -رابعا: إعادة إنتاج الاستبداد:فإذا كانت المطالبة بالديمقراطية والإصلاح هي الأساس الرئيس للمعارضة، فمن المؤسف ان نشهد نفس الممارسات الاستبدادية وسط بعض المعارضة، ومنها احتكار السلطة الحزبية واعتماد مبدأ الشخصانية داخل مؤسستها الحزبية ومصادرة الرأي الآخر ومنع النقد الذاتي، وتقديس القيادات، وحتى تخوين معارضي المعارضة في بعض الحالات! يفترض أن تكون أهداف المعارضة، مهما كانت توجهاتها مرتبطة بشكل عضوي بالمصالح العليا للبلاد، بما يتطلب دعم كيان الدولة، بحيث يكون طموحها الأسمى هو المشاركة في السلطة وفقا الدستور والقانون، ولكن لا يجوز أن يكون هدف معارضتها للسلطة محصوراً في هذا الغرض فقط، وإلاأصبحنا أمام منافسة على الحكم بعيداً عن خدمة المصالح العامة للمواطنين والمصلحة العامة للوطن. وباختصار إن مأزق المعارضة في تعاطيها مع الوضع الراهن يمكن تلخيصه في الاعتقاد بإمكانية انتزاع السلطة بالمغالبة والتحشيد، وهذه المعادلة تفضي بالضرورة إلى المواجهة، والتي تلحق الضرر بالجميع، ولذلك ومثلما نتمنى من السلطة وبقية الأطراف العمل مجددا ودون يأس من اجل دمج المعارضة مجددا في الحياة السياسية الدستورية واستكمال الحوارات داخل قبلة البرلمان، فإن المطلوب من المعارضة أن تقوم بعملية مراجعة شاملة لمواقفها واخطائها وان تصارح جمهورها وأن تعلن صراحة القبول بمبدأ التدرج في الإصلاح السياسي والعمل الوطني لبناء الشراكة السياسية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها