النسخة الورقية
العدد 11117 الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

زمن الوهن الأمريكي

رابط مختصر
العدد 9320 الخميس 16 أكتوبر 2014 الموافق 22 ذو الحجة 1435

إذا ما اجتهد مؤرخ كي يجد الوصف الأكثر دقة لهذا العصر مستخدما مقاييس الدول العظمى، فلن يجد أفضل من إطلاق صفة «زمن الوهن الأمريكي». فمظاهر الضعف التي باتت تنخر جسد العملاق الأمريكي الذي انطلق من قمقمه إثر الحرب العالمية الثانية، باتت ظاهرة للعيان، ولا تستطيع واشنطن أن تخفيها بانتصار محدود في أوكرانيا، هذا إذا افترضنا جدلا، أن ما يجري هناك يجسد انتصارا حقيقيا، بالمعيار الاستراتيجي لكلمة انتصار، أو مكسبا صغيرا في الشرق الأوسط، هذا إذا افترضنا أيضا أنها تحقق شيئا من هذا القبيل في هذه المنطقة الملتهبة. ربما كان من المتلمسين أعراض هذا الوهن، هم أهل الصين، ففي أواخر العام 2013، شرعت الصين في دراسة الاستعانة بالذهب عوضا عن الدولار كغطاء لدعم اليوان الصيني. وفيما لو قامت بكين بذلك الإجراء، فستكون، كما يراها بعض المحللين الاقتصاديين ما يشبه «الحرب السرية التي تشنها الصين على الدولار الأمريكي، ففي حال استعاضت الصين بالذهب عن الدولار فإن تغييرات عظمى ستحدث في إمكانيات البنوك الأمريكية والبريطانية والأوروبية»! وإذا ما حاولت واشنطن، كما يدعو رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بن شالوم برنانكي وقامت بطبع تريليونات فمن غير المستبعد أن يكون ذلك القشة التي ستقصم ظهر الإمبريالية الأمريكية. هذا على المستوى الاقتصادي، أما على المستوى السياسي / الاستراتيجي، فيمكننا العودة للخطاب الوداعي الذي ألقاه وزير الدفاع الأمريكي السابق، روبرت غيتس أمام حلفاء أمريكا في الناتو في بروكسل، والذي اعتبره البعض «مخيبا للآمال وفي منتهى الفضاضة»، عندما حذر من «أن أوروبا تواجه مستقبلاً معتماً، وربما كئيباً... إذا ما واصلت اعتمادها على قوة الولايات المتحدة في إعادة رسم خارطة المناطق التي يسيطرون عليها وفقا لحساباتهم». ومضى غيتس مشيرا إلى أن ظروف الواقع الدولي اليوم لم تعد مناسبة كي «تتولى واشنطن فيها زمام القيادة في إصلاح وصيانة نظام تعددي آخذ في الضعف». ويفصح الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن هذا الوهن «كل الأشياء الصحيحة حول استخدام قيادة الولايات المتحدة لانفتاح وتحديث مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن علينا ألا نحبس أنفاسنا انتظاراً لذلك». ويؤكد مظاهر الوهن الأمريكي أيضا التقرير الذي أصدره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في العام حول الشؤون العالمية في العام 2011. إذ يرى المعهد في تلك الدراسة «أن نتيجة الوهن الأمريكي تتمثل في تشظٍ إقليمي. وستتفاوت تحالفات الراغبين والمتاحين حسب ظروف التحديات الأمنية. وما يوحي به ذلك هو مزيد من عدم اليقين وعدم الاستقرار». وعلى مستوى الأوضاع في الشرق الأوسط، لم يغب عن المصادر الإسرائيلية مظاهر ذلك الوهن، فوجدنا حنان غرينبرغ من صحيفة «معاريف» تذهب في مقالتها المعنونة «التخوف: سيناء تصبح جنوب لينان»، نقلا عن «المداولات التي أجريت في الآونة الاخيرة في جهاز الامن، أطلقت تقديرات بان السيطرة المتوقعة للإخوان المسلمين في مصر ستشدد فقط التوتر على الحدود، وذلك لان الحكم الجديد لن يسارع الى معالجة الوهن الامريكي في سيناء وسيفضل الانشغال في المواضيع الداخلية ولن يطع إمرة الأمريكيين». يؤكد تنامي هذا الشعور لدى الدوائر الإسرائيلية، بما يدب من وهن في جسد واشنطن، ما أدلى به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عندما أكد أن «الخط العام لحكومته بقي كما كان: اسرائيل القلقة من الربيع العربي وتعزز الحركات الاسلامية في الدول العربية، وخائبة الامل من الوهن الامريكي حيال النووي الايراني، تشعر بنفسها مهجورة – وتتبنى بالتدريج الاعراف المتبعة في الشرق الاوسط، في ظل الابتعاد عن قواعد تأييدها في الدول الديمقراطية في الغرب. اسرائيل بحاجة ماسة الى زعامة تخلصها من العزلة المهددة، وتقربها من اسرة الشعوب». ومن الشرق الأوسط ينقلنا الباحث كمال خلف الطويل إلى أمريكا اللاتينية حيث يشير إلى أن ما «ينطبق على إيران يماثله الحال في فنزويلا، ومن ثمّ فالخروج من عنق الزجاجة هو الراجح بامتياز. سيشتد عود دول الممانعة والتمرد اللاتينية مع تعاظم الوهن الأمريكي، وستجد طريقا لها لبناء سوق اقتصادية مشتركة على النسق الأوروبي ينمّي فطامها عن يانكي الشمال، واتكالها على النفس وعلى عودة الحرارة لعلاقات بعض أطرافها مع روسيا، ونشوء أواصر متينة بينها –أي روسيا– وبين أطراف مستجدة، وكذا الحال مع الصين. هي منظومة ستكون من أقل القوى العالمية تأذيّا من الأزمة، ومن أقدرها على تنكّب طريق السلامة». وتلخص الصحافية راغدة درغام مظاهر هذا الوهن الأمريكي في مجموعة من الأمثلة التي تشهد على ذلك الوهن، تختمها بالقول «ليس مطلوباً من الإدارة الامريكية ان ترد على حملات التخويف ودب الرعب اينما كان، انما هناك حالات تتطلب منها الحزم لقطع الطريق على الذين يسوقون افتراضاتهم في ظل غياب حزمها. أحد الأمثلة يتعلق بالسودان في اعقاب اصدار المحكمة الجنائية الدولية طلب توقيف الرئيس عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور. فالبشير راهن على الوهن الأمريكي، وهو يضرب بقرار المحكمة الدولية عرض الحائط لأسباب ثلاثة: ضعف الالتزام الأمريكي بأي شيء يصدر عن المحكمة الجنائية التي لا تنتمي اليها الولايات المتحدة، عزم الصين –الحليف النفطي للسودان– على صد محاولات محاكمة الرئيس وخضوع واشنطن لهذا العزم، مع أن مجلس الأمن الدولي هو الذي كلف المحكمة الجنائية ملف دارفور وأصبح مسؤولاً عن قراراتها، وانشغال ادارة أوباما بالتأقلم مع السلطة وخضوعها للأمر الواقع باسم المفاوضات». في ظل هذا الوهن الأمريكي، سيصاب من لايزال يصر على الاحتماء تحت جبة واشنطن بخيبة أمل كبيرة عندما يستنجد بواشنطن كي تعينه على تنفيذ مشروعه الخاص، فيجدها أوهن من أن تسارع إلى تلبية طلبه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها