النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

تقييم حكم مبارك «مهمة المؤرخين وليس القضاة»!

رابط مختصر
العدد 9313 الخميس 9 أكتوبر 2014 الموافق 15 ذو الحجة 1435

شعرت كما شعر كثيرون ببعض الإحباط لأن محكمة جنايات القاهرة التي كانت تعيد محاكمة الرئيس الأسبق «حسني مبارك» قد أجلت النطق بالحكم الذي كان مقررا أن يصدر يوم السبت الماضي لمدة شهرين آخرين. ومع أن صدور الحكم الثاني في هذه القضية لن يحول قانونا بين النيابة العامة أو دفاع المتهمين وبين الطعن للمرة الثانية عليه، فإذا قبلت محكمة النقض هذا الطعن أعيدت المحاكمة للمرة الثالثة والأخيرة، إلا أنني كنت كبير الأمل في أن تصدر دائرة المستشار «محمود كامل الرشيدي» حكمها في الموعد الذي حددته، وأن يسدل الستار علي هذه القضية، إذ كان من رأيي - ولا يزال- أن ثوار يناير لا يزالون أسرى فكرة خاطئة بأن الثورات تقوم لكي تنتقم من الماضي في حين أن هدفها الأساسي هو السعي لبناء المستقبل، الذي لا يزال ينشد اهتماما أكثر منهم، ومن غيرهم خاصة وأن رؤيتهم له تتسم بالتشوش والعجز عن تحديد الأولويات. على أنني تفهمت الأسباب التي بنت على أساسها المحكمة قرارها بمد أجل الحكم، وخلاصتها - كما قال المستشار الرشيدي - هو أنه على عكس كثير من الدوائر القضائية التي تعلن منطوق الحكم، ثم تعلن أسبابه بعد شهر من النطق به، تعود أن يذيع أسبابه في الجلسة نفسها التي يصدر فيها منطوقة لكي يعرف كل متهم ويعرف الرأي العام الأسباب التي بني عليها هذا الحكم، سواء كان بالإدانة أو بالبراءة.. ولأن أوراق القضية قد بلغت - كما قال- 160 ألف صفحة فان الدائرة - بسبب ظروف صحية احاطت برئيسها - لم تنته إلا من كتابة ثلثي حيثيات الأحكام التي تنوي إصدارها وفي حاجة إلي مدة إضافية لكتابة الثلث المتبقي منها، فضلا عن إعادة المداولة في صورتها النهائية. تلك أسباب بدت لي منطقية ومعقولة تماما كما أنها تدخل في نطاق سلطة المحكمة، التي ما كان يجوز أصلا أن يسألها أحد عن مبررات قرارها بمد أجل النطق بالحكم ، لكنها - كما أستنتج- حرصت على أن تعلن هذه المبررات تقديرا منها للمناخ السياسي الذي يحيط بالقضية، والذي قد يغري البعض بتأويل أسباب قرارها بمد أجل النطق بالحكم، لكن ذلك لم يحل بين المتأولين والمتقولين وبين تحويل خطاب التفسير المنطقي الذي مهد به رئيس الدائرة لقرارها ذاك، إلى معركة نشبت أولى فصولها فور إعلان القرار، بين من عرفوا بـ« جماعة أسفين يا ريس» وهي التي تضم الذين يعتقدون أن الرئيس الأسبق «مبارك» قد ظُلم، وان الذين ثاروا ضده كانوا إما متآمرين مع قوي أجنبية أو تيارات سياسية محلية وبين أسر شهداء ثورة يناير، الذين يجزمون بمسئوليته هو وكبار المسئولين من الشرطة في عهده، عن إهدار دماء أبنائهم الذين كانوا يمارسون حق التظاهر السلمي، فاجتاح الطرفان الحواجز الأمنية التي كانت تفصل بينهما في محيط المحكمة، واشتبكا في حرب بالأيدي واللافتات والألسنة! وبعد ساعات وفي الليلة نفسها انتقلت الحرب إلى مواقع التواصل الاجتماعي وإلى برامج «التوك شو» حيث تبادل كل الأطراف العراك حول دلالة قرار تأجيل الحكم في القضية، وحول ما سمي بالأخطاء التي وقع فيها رئيس المحكمة حين سمح لإحدى القنوات الفضائية بتصوير أوراق القضية الموضوعة في غرفة المداولة .... إلخ. وبصرف النظر عن أن أوراق القضية كان يفترض أن توضع على المنصة أمام هيئة المحكمة أو أمام أمانة سر الجلسة وهو ما حال دونه ضخامتها غير المعهودة، وان الذي تم تصويره وعرضه في المحكمة كان أغلفة هذه الملفات وليس مضمونها وعن أن مستنسخات من هذه الأوراق بين يدي هيئة الدفاع عن المتهمين فقد سبق للصحف أن نشرت أقوال المتهمين الرئيسيين وأقوال أهم الشهود بما في ذلك الذين سمعت اقوالهم في جلسات سرية. ما لم يتوقف عنده المشتبكون في الحرب حول قرار التأجيل، هو أن الرأي العام فقد اهتمامه بمحاكمة «مبارك» وعلى عكس ما حدث في اليوم الذي كان محددا للنطق بالحكم في المحاكمة الأولى، الذي وصل فيه ترقب المصريين له، إلى ذروة غير مسبوقة فان معظم الناس لم يهتموا بموعد إصدار الحكم في المحاكمة الثانية ولم يثر دهشتهم قرار المحكمة بمد اجل الحكم، ولم يجدوا للشجار الذي نشب في محيط المحكمة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بين الذين يطالبون بتبرئة مبارك ومعاونيه والذين يطالبون بإعدامه مبررا وسط ما يعانونه من مشاكل حياتية وجرائم إرهابية وقلق علي الحاضر والمستقبل الذي يبدو أنه لا يشغل فريقا من الثوار بالقدر الكافي. أسباب كثيرة تقف وراء تراجع اهتمام الرأي العام بمحاكمة «مبارك» قد يكون من بينها - فضلا عن انشغال الناس بهموم الحاضر وقلق المستقبل- أن فترة المحاكمة قد امتدت - حتى الآن- إلى ما يزيد عن ثلاث سنوات، عانى المصريون خلالها أثار الفوضى التي شملت احوالهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مما دفع أقسام ملحوظة منهم تعلق فأس المسؤولية عنها، في رقبة ثورة 25 يناير وقادتهم للحنين إلى ما كانت مصر تنعم به من استقرار خلال عهده، على الرغم مما كان يشوبه من فساد وركود واستبداد, ثم جاء اختطاف الإخوان المسلمين للثورة، ليؤكد لهؤلاء - أو على الأقل لبعضهم- ان «مبارك» لم يكن يكذب حين قال أثناء ثورة يناير عبارته الشهيرة: أنا أو الفوضى أو الإخوان.. وثبت لهم - بعد أن حكم الإخوان بالفعل- أنهم لم يكونوا فزاعة، اصطنعها «مبارك» لكي يبقى في الحكم، أو يورثه لابنه لكن كان يقول الحقيقة، بصرف النظر عن مسؤوليته عما حدث وعن احتمالات استخدامها لصالحه أو صالح ابنه.. ليكتشف أغلبية ثوار يناير أنهم وقعوا فريسة لقلة الخبرة والإفراط في حسن الظن قادهم لاستبدال نظام مبارك الذي كان نصف استبدادي ونصف ديمقراطي بحكم إخواني أكثر استبدادا وأكثر شرها للهيمنة على السلطة ينحو إلى تغيير هوية مصر الوطنية لتصبح قاعدة لإحياء دولة الخلافة، ولم يكن أمامهم مفر من أن يقوموا بثورة أخرى، تستعيد الثورة الأم، وتعيدها إلى مسارها الطبيعي. وكان طبيعيا أن تتغير خريطة التحالفات السياسية وأن يتحول العدو الرئيسي من نظام «مبارك» إلى نظام «الإخوان»، وأن يشارك أنصار «مبارك» في الثورة الجديدة ضد العدو الجديد، وأن يتحول اهتمام الرأي العام من المحاكمات التي كانت تجري لأركان دولة «مبارك» وله هو نفسه، إلى المحاكمات التي تجري لخليفته الرئيس الإخواني «محمد مرسي» وأنصاره ، ثم يفقد الجميع اهتمامهم بما يجري في مواجهة التعقيدات التي يعيشون في ظلها ليسود مناخ يدعو للتوجه للمستقبل، وأن تنتقل أخبار محاكمة «مبارك» وأنصاره ومحاكمة «مرسي» وأنصاره إلى صفحات الحوادث في الصحف، بعد أن ظلتا لشهور تتصدران صفحاتها الأولي. من بين الضجيج الذي أثير حول قرار محكمة الجنايات بمد أجل الحكم في قضية إعادة محاكمة مبارك توقفت أمام مقولة تدعو للتأمل تقول بأن القرار تمهيد لتبرئة مبارك وأبنائه ووزير داخلية عهده ومعاونيه من التهم التي وجهت إليهم, وأن المحكمة قدرت أن المناخ السياسي الراهن في مصر ربما لا يكون مواتيا لإعلان هذا الحكم حتى لا تحدث آثار سلبية في الرأي العام لأن الحكم ببراءتهم لن يعني فقط إدانة ثورة يناير، بل يطعن كذلك في شرعية الرئيس «عبدالفتاح السيسي» التي يستمدها من هذه الثورة ومن الموجة الثورية التي قامت لاستردادها في 30 يونية. ذلك منطق يتجاهل أصحابه حقيقة أن «مبارك» والذين معه في قفص الاتهام يحاكمون بتهم جنائية محددة، تشمل بالنسبة له إصدار الأوامر بقتل المتظاهرين، واستغلال النفوذ وتشمل بالنسبة لأبنيه استغلال سلطة أبيهما للحصول علي عطايا غير مشروعة، وبالنسبة لوزير الداخلية ومعاونيه تنفيذ أوامر قتل المتظاهرين، والإهمال في أداء واجباتهم، فنحن أمام محكمة جنائية تتناول وقائع محددة، ولسنا أمام محكمة سياسية ثورية تقيم أخطاء حكم «مبارك», وبراءته أو إدانته منها ليست تقييما شاملا للفترة التي حكم فيها، والتي امتدت إلي ثلاثين عاما، وفضلا عن ذلك فإن الحكم لا صلة له بشرعية ثورة 25 يناير لأن براءة «مبارك» - بفرض صدور حكم بها, لا تعني سوى براءته من تهمة محددة, وهذه البراءة لا تنفي حقيقة أن الشعب ثار ضده ولا تعيد له مشروعية نزعها منه هذا الشعب حين قام بثورته .. كما أنه هو نفسه تخلى عن الحكم بإرادته في 11 فبراير 2011 بناء على رغبة الشعب وفوض المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد.. أما الرئيس «عبدالفتاح السيسي» فقد اكتسب مشروعيته من مشاركته في ثورة 30 يونية ومن فوزه في الانتخابات الرئاسية التي أجريت بعدها, مما يجعل القول بأن تبرئة «مبارك» تعني الطعن في المشروعية التي يستند إليها حكمه، نوع من الخلط لا يختلف كثيرا عن ادعاء الرئيس السابق «محمد مرسي» بأنه لا يزال الرئيس الشرعي للبلاد، وكأن ثورة 30 يونية لم تحدث وكأن الانتخابات الرئاسية التي أعقبتها كانت وهما! مختصر الكلام: ليست هناك صلة بين براءة «مبارك» أو إدانته وبين تقييم عهده, وليست هناك صلة بين ذلك وبين مشروعية الثورة، أو مشروعية الرئيس «السيسي»، لأن تقييم حكم «مبارك» هو مهمة المؤرخين وليس مهمة القضاة! ] ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها