النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

عالم الفلك الأول في الخليج

رابط مختصر
العدد 9307 الجمعة 3 أكتوبر 2014 الموافق 9 ذو الحجة 1435

في عام 1888 ولد في مدينة بريدة من سيصبح شيخا محبا للغة العربية والعلوم الشرعية، فيتواصل، من أجل ذلك، مع العالم الكويتي الشيخ عبدالله خلف الدحيان، بل ويسافر إلى العراق. وتقول صحيفة الشاهد ــ 16/7/2014 ــ نقلا عن الجزء الأول من سلسلة «محسنون من بلادي» الصادرة عن بيت الزكاة الكويتي أن صاحبنا هاجر في 1918 إلى الكويت حيث عمل هناك في الغوص والزراعة، ثم إلتحق بوظيفة حكومية بسيطة في دائرة البلدية، وأتبعها بالتوظف في المدرسة المباركية. وخلال عمله في المباركية تعلم القراءة والكتابة والحساب، وأراد أن ينقل ما تعلمه إلى غيره فلم يجد أفضل من الشروع في إفتتاح مدرسته الخاصة في الحي القبـْلي في 1922 والتي أطلق عليها إسم «تربية الأطفال». وقد استمرت هذه المدرسة لمدة عشر سنوات، ونجحت نجاحا باهرا طبقا لشهادة الشيخ عبدالله النوري الذي قال عن صاحبها أنه كان رؤوفا بطلبته، ينصحهم ويوجههم بأسلوب مبسط ، ويكرم المتفوقين منهم بالهدايا والحوافز، ويعفي أبناء الأسر الفقيرة من سداد الرسوم. وفي الوقت نفسه عــُرف عن الرجل أنه كان كريما سخيا تقيا، ومن كبار باذلي العطاء للكثيرين ممن كانوا يعانون شظف العيش وقسوة الحياة آنذاك. فقد بنى مسجدين في الكويت ــ الأول قرب دائرة البلدية وقد قام بنفسه في هذا المسجد بالأذان والإقامة والامامة والوعظ ، كما قام بحفر بئر بجوار المسجد لوضوء المصلين وخدمة سكان المنطقة المجاورة للمسجد. أما المسجد الثاني فأسسه على جزء من أرض كان يملكها في حي الصاحلية وقد هدم هذا المسجد عند تنظيم شارع الهلالي في 1975 ــ ومسجدا ثالثا في قرية «الشقة» بالقصيم وقد أوقف عليه بستانا. إلى ذلك كان لا يسكن إلا البيوت الكبيرة كي تتوفر بها مساحة لتربية الأبقار والأغنام من أجل توزيع خيراتها على الجيران والمحتاجين، ومساحات أخرى للتشجير بهدف إنتاج الحطب والأخشاب التي كان يوزعها على الناس شتاء من أجل التدفئة. ويروى عنه أنه كان لا يجلس إلى الغداء الا ّ بحضور ضيف ليشاركه الطعام ، وإذا لم يوجد ضيف كان يطلب من أولاده أن يذهبوا إلى الطرق المجاورة ليأتوا بمن يشاركه طعامه. كما يحسب له تنظيمه لما عرف قديما في الكويت بمشروع «آنة» للإنفاق على الفقراء. ففي تلك الايام لم يكن لفقراء الكويت مكان محدد يلجأون إليه لطلب المساعدة كوزارة الشئون الاجتماعية، فكانوا يذهبون يوم الجمعة الى سوق التجار قبل الصلاة يمدون ايديهم إلى صاحب المتجر فيضع فيها شيئا من الخردة. وفي 1934 فكر المرحوم علي إبراهيم الكليب بتنظيم هذه العملية. فصنع صناديق مغلقة كلف بها صاحبنا ليسلمها إلى بعض الصبية المتطوعين كي يمروا بها على التجار فيضع التاجر بصفة تطوعية آنة (أي أربع بيزات بالعملة الهندية القديمة وخمسة فلوس بالعملة الكويتية الحالية). هذه الشخصية الكريمة التي لقبت بـ «مفرج كرب المعوزين» هي الشيخ محمد بن صالح بن عبدالعزيز العجيري أو «العييري» المتوفى في 1979 ، وهو والد الفلكي الكويتي المعروف الدكتورصالح العجيري الذي يدين كثيرا لوالده لجهة ما وصل إليه من ريادة وتبحر في علوم الفلك. فلقد كان الداعم والمشجع الأول له على ولوج هذا الميدان حينما لاحظ ميله له، فقام بارساله إلى قبيلة الرشايدة في جنوب غرب الجهراء لتعلم الرماية والفروسية والحياة الخشنة، الأمر الذي أتاح له في تلك البيئة الصحراوية الصافية تأمل الشمس والقمر والسماء وحركة النجوم وتموجات الكثبان الرملية ودور اتجاه الرياح وتقلبها في تكوينها وأوقات الأمطار ونبت الأعشاب ومواقيت الصلاة وغير ذلك مما فصله في كلمة ألقاها في حفل تكريم أقامته له قبيلة الرشايدة في 2009 (طالع جريدة السياسة 27/3/2009 ) ولد صالح العجيري في بيت والده في فريج «عثمان الراشد» في حي جبلة في يونيو 1920 نجلا أكبر للملا محمد بن صالح العجيري الذي كان وقتذاك مجرد موظف بسيط في بلدية الكويت على نحو ما أسلفنا. وترعرع في بيئة بدوية يغلب عليها الطابع الصحراوي المنقطع عن وسائل الراحة وأدواتها التكنولوجية. وبسبب الوضع المعيشي المتواضع لأسرته، وإضطرار والده للكد طوال النهار، وأحيانا في الليل، بعيدا عن المنزل تحمل صالح العجيري المسئولية مبكرا، خصوصا وأن والدته فارقت الحياة في 1933 أي حينما كان في سن الثانية عشرة. فكان مثلا يهتم بشئون إخوته التسعة (5 ذكور و4 إناث)، يطهي لهم طعامهم، ويغسل لهم ثيابهم، ويحلب لهم الأغنام. غير أن هذه المسئوليات لم تقف حائلا بينه وبين ذهابه إلى المدرسة لإشباع رغبته في التعليم. وهكذا درس العجيري إبتداء في الكتاتيب حيث تعلم القرآن والحديث والفقه والقراءة والكتابة والحساب، ثم إلتحق ما بين عامي 1920 و 1930 بمدرسة والده الخاصة. بعد ذلك تعلم في مدرسة محمد عيسى الشرف، بسبب إنتقال سكن والده إلى «حي الرشايدة» ثم إنتقل إلى مدرسة عبدالمحسن الصقلاوي فمدرسة الملا مرشد بسبب إنتقال والده إلى حي الصالحية. بعدها وتحديدا في 1937 التحق بمدرسة المباركية التي أتم فيها تعليمه حتى الصف الثاني ثانوي فقط ( لأنه لم يكن هناك صف ثالث يكمل به المرحلة الثانوية)، وكان فيها زميلا لمن سيصبح بعد عقود أميرا للكويت وهو المغفور له الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح الذي شارك العجيري التمثيل في مسرحية «إسلام عمر». ولإلتحاق العجيري بمدرسة المباركية قصة! فقد ألحقه والده بهذه المدرسة بناء على طلب عدد من معارفه من أعضاء المجلس التشريعي ممن بلغهم شغف العجيري الإبن بعلوم الفلك وتفوقه في علم الحساب، وذلك على أمل أن يحصل على بعثة حكومية إلى إنجلترا لكي يدرس علوم البحار. غير أن فكرة البعثة ماتت بموت المجلس التشريعي، وجاء الحدث متفقا مع رغبة العجيري الإبن الذي خاف أن يعرقل تخصص علوم البحار حبه وشغفه بعلم الفلك. في كل محطاته التعليمية التي أتينا على ذكرها لم يكن العجيري يجد الوقت الكافي ليعيش حياة أقرانه من الأطفال والصبية، لأنه كان مطالبا بتحمل مسئوليات عائلية كثيرة، وبالتالي لم تشهد سنواته تلك أي انصراف نحو التسلية أو اللعب مع أطفال الفريج. كما لم يــُعرف عنه انخراطه في أي نشاط لا صفي سوى التمثيل. وربما بسبب هذه الأمور مجتمعة ــ طبقا لما ورد في موقع تاريخ الكويت ــ تراكم داخله نوع من الكبت الذي لم يجد وسيلة للتخلص منه سوى القيام بالشغب داخل المدرسة وتزعم المشاغبين داخل صفه، بل وابتداع أساليب شغب جديدة. على أن شغب العجيري المدرسي كان يرافقه نبوغا في علم الحساب وسرعة مدهشة في حل مسائله وصل إلى درجة تفوقه على معلميه. ومن جهة ثانية اشتهر العجيري بين زملائه في المدرسة بالخلق والابتكار الذي كان لا يفصح لهم عن أسراره خوفا من سرقتهم له. قلنا أن مسيرة العجيري الدراسية توقفت عند الصف الثاني ثانوي. فماذا فعل حينها؟ إضطر الرجل أن يقبل بوظيفة مدرس بالمدرسة الشرقية، معلما لمواد الجغرافيا والتاريخ واللغة العربية والحساب، وذلك مقابل 47 روبية. ومن هذه المدرسة إنتقل بعد سنة واحدة إلى مدرسة الأحمدية التي بقي فيها مدة سنة واحدة أيضا كان خلالها يتقاضى 98 روبية مقابل العمل كمدرس لمادة لم تستهوه إطلاقا وهي مادة التربية الرياضية. وهكذا بعد أن عمل العجيري كمعلم لمدة عامين دراسيين متتاليين وسط أفراد أول بعثة تعليمية فلسطينية تــُرسل إلى الكويت من قبل المجلس الاسلامي الأعلى بالقدس (كان عددهم أربع معلمين)، قرر أن يعمل كموظف عند التجار الكويتيين، خصوصا مع نبوغه في علم الحساب وتمرنه مبكرا على مسك الدفاتر وتعلم الانجليزية نزولا عند رغبة والده الذي أراده تاجرا فألحقه لهذا الغرض بمدرسة الملا مرشد التي قال صالح العجيري عن صاحبها بأنه «رجل ذو خلق، محب للعلم، تواضعه جم، يتصف بالحرص الشديد والحزم، حيث يغرس في نفوس طلابه حب العلم والعلماء». كانت البداية هي العمل كمحاسب عند التاجر علي قبازرد لمدة ثلاث سنوات ونصف مقابل 250 روبية شهريا. ومنه انتقل في 1943 للعمل ككبير للمحاسبين لدى التاجر أحمد السيد هاشم الغربللي لمدة 11 سنة مقابل 400 روبية شهريا. وحينما ترك العجيري عمله لدى الغربللي في 1956 كان راتبه الشهري قد وصل إلى مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمن هو 1200 روبية. بعد هذه التجربة المثيرة من العمل لدى التجار المحليين قرر العجيري أن يتجه صوب العمل الحكومي المحدد بساعات معينة، ليس بهدف الراحة أو جني مكاسب مادية أكبر وإنما لغاية أسمى هو الحصول على قدر أكبر من الفراغ كي يمارس هوايته في الفلك. فالتحق بدائرة الأملاك الحكومية مسئولا عن البيوت المثمنة للمشاريع الحكومية، ومنها انتقل إلى دائرة الاسكان والشئون الادارية فدائرة الشئون الاجتماعية والعمل مسؤولا عن الإسكان. بعد ذلك إنتقل إلى بنك التسليف والإدخار كأول موظف مسئول عن قسم الإدخار. وقد ظل في هذه الوظيفة الأخيرة حتى تاريخ تقاعده في 1971 . من بعد تقاعده انصرف العجيري إلى المضاربة العقارية وإدارة بعض أعماله الخاصة التي كان قد أسسها من حر ماله مثل شركة «تنظيفكو» التي أسسها في 1963 والتي تعتبر أول شركة تنظيف في الكويت، ولا زالت تعمل وتتوسع إلى اليوم. يعتقد الكثيرون أن صالح العجيري، الحاصل على أول دكتوراه فخرية من جامعة الكويت في 1981، مجرد هاو لعلم الفلك أو مجتهد فيه، بمعنى أنه لم يدرسه دراسة أكاديميا ولم ينل شهادة معتمدة فيه. ومثل هذا الاعتقاد مجاف للحقيقة. صحيح أن الرجل لم يتسن له تحقيق رغبته في دراسة هذا العلم مبكرا، إلا أنه بمجرد إنتهاء الحرب العالمية الثانية في 1945، وعلى الرغم من بدائية وعدم إنتظام وسائل المواصلات آنذاك، الا إنه سافر برا إلى مصر عبر العراق وسوريا وفلسطين، ودرس في مدرسة الآداب والعلوم (كلية الآداب وكلية العلوم حاليا) التابعة لجامعة فؤاد الأول، واجتاز بتفوق كبير كافة إختبارات هذه الكلية في فبراير 1946 . بعد ذلك توجه العجيري إلى مدينة المنصورة في شمال مصر حيث استكمل فيها دراسته الفلكية حتى نال في أكتوبر 1952 إجازة علمية تفيد بتخصصه في علم الفلك من الاتحاد الفلكي المصري. وطبقا لموسوعة ويكيبيديا فإن العجيري بقي بعد ذلك في مصر يطلب المزيد من علوم الفلك من خلال البحث والرصد والاستكشاف ومحاورة المتخصصين، ثم توج ذلك بزيارات إلى المراصد والمؤسسات العلمية الفلكية في طائفة من البلدان مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان وسنغافورة وتركيا وإيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والاردن والسعودية والسودان ودول المغرب العربي، ناهيك عن مشاركته في العديد من المؤتمرات الفلكية والندوات العلمية العربية والدولية. في لقاء مفتوح نظمته جمعية المهندسين الكويتية في ديسمبر 2012 واستضافت فيه العجيري تحدث الأخير عن الأسباب التي جعلته يلهث مبكرا وراء كل ما له علاقة بالفلك فقال أن ذلك جاء من باب «إعرف عدوك»، والعدو هنا هو وميض البرق وصوت الرعد وصفير الرياح ووحشة الظلام، وكلها كانت تخيف العجيري وهو طفل. أما عن بداياته في عالم الفلك فقال أن والده أرسله، من بعد عودته من عند الرشايدة، إلى أحد معارفه وهو المرحوم نصرالله العبدالرحمن النصرالله الذي كان يقتني كتابا مبسطا حول جداول الشهور والأوقات ومواقيت الصلاة من تأليف العالم الأحسائي الشيخ عبدالعزيز العيوني. ثم جاءت الخطوة الثانية والتي تمثلت بالتتلمذ على يد المرحوم عبدالرحمن قاسم الحجي الذي درسه علم الربع المجيب. بعد ذلك جاءت الخطوة الثالثة التي تجسدت في الاحتكاك بأبناء حمد بن خليفة آل نبهان من البحرين. وهؤلاء ــ طبقا للعجيري ــ هم جماعة من العلماء الفقهاء المهتمين بعلوم الحديث والفقه والتاريخ بالإضافة إلى علم الربع المجيب الذي انتشر في الحجاز بواسطتهم فأخذ عنهم منازل الشمس والقمر. ويضيف العجيري أنه بعد أن أتقن دراسة الربع المجيب حاول للمرة الأولى رسم صور السماء والنجوم والأبراج والكواكب، لكن واجهته مشكلة مقياس الرسم التي تغلب عليها بارشادات هندسية من المرحوم دخيل الرشيد. صدر عن العجيري في 1980 كتاب حمل عنوان «مالم يـُذكر عن حياة العجيري» وذلك بمناسبة قيام النادي العلمي ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي بتكريمه. وفي 1988 صدر كتاب آخر عنه من تأليف محمد محمد أحمد عيسوي بعنوان «الجانب التربوي من حياة الدكتور صالح العجيري» وذلك بمناسبة تنظيم جمعية المعلمين الكويتية للمؤتمر التربوي الثامن عشر. أما هو، أي العجيري، فقد قدم للمكتبة العربية العديد من المؤلفات الفلكية والعلمية، إضافة إلى الكثير من الابحاث التي توخى فيها بساطة الأسلوب كي تعم الفائدة. لكن ما هي قصة التقويم الشهير المعروف باسمه أي «تقويم العجيري»؟ عندما كان صغيرا ويدرس في مدرسة والده لاحظ وجود لوحة على الحائظ تنزع منها الأوراق يومياً فراح يقلدها في البيت وساعده والده على ذلك. وفي 1938 قام والده بأخذه إلى مساعد الصالح ومعه التقويم، فأبدى الصالح إعجابه به وأخذه بدوره إلى عبدالعزيز علي العبدالوهاب الذي كانت له علاقات تجارية في بغداد، طالبا منه أن يطبع التقويم في بغداد لعدم وجود مطابع وقتذاك في الكويت، فطلبت المطبعة في بغداد عشرين ديناراً عراقياً تبرع مساعد الصالح بخمسة دنانير وعبد العزيز العبد الوهاب بخمسة دنانير وتبرعت دائرة المعارف بخمسة أخرى ولم يستطيعوا أن يحصلوا على الدنانير الخمسة المتبقية لإتمام المشروع. وفي السنة التالية تم تقديم التقويم إلى الشيخ أحمد الجابر الصباح فطلب سموه من عزت جعفر أن يرسله إلى مصر للطبع. لكن قيام الحرب العالمية الثانية حال دون ذلك. في 1944 قام العجيري بطباعة أول تقويم له، وكان تقويماً بدائياً مختصرا من ورقة واحدة لكل شهر، طبعه على نفقته الخاصة في مطبعة ببغداد. وفي العام التالي أعد تقويما أكبر وأكثر تفصيلا وأرسله إلى صديق له في بغداد، طالبا منه طباعة 500 نسخة. غير أن دائرة التموين العراقية لم تسمح بطباعته على ورق أبيض لأن تصدير الورق الأبيض كان محظورا، الأمر الذي اضطر معه العجيري القبول بطباعة تقويمه على ورق ملون رخيص في مطبعة السريان. وبعد انتهاء الطبع أصدرت دائرة التموين العراقية قراراً يقضي بعدم جواز تصدير أي نوع من الورق، فطلب من صديقة إرسال التقاويم إلى البصرة القريبة من الكويت وتسليمها هناك إلى أحد المحلات ريثما يتم النظر في كيفية إدخالها إلى الكويت وتسليمها إلى صاحب المكتبة الوطنية محمد أحمد الرويح الذي كان العجيري قد اتفق معه على جلب التقاويم قبل نهاية السنة. ومما يروى في هذا السياق أن الرويح اشتكى العجيري عند والده لتخلفه عن تنفيذ الاتفاق، وأن العجيري الأب لام ولده كثيرا وكان وقتها يعمل محاسبا لدى آل الغربللي، فما كان من هؤلاء إلا وأن أرسلوا ولدهم عبدالعزيز الغربللي إلى البصرة لإيجاد حل للمشكلة. وقد تمكن الأخير من الاهتداء إلى سائق عراقي قام بجلب التقاويم من البصرة إلى الكويت على أنها أوراق بريدية وذلك مقابل مائة روبية. وفي 1946 قام العجيري بتقديم تقويمه الى الاساتذة عبدالله زكريا الانصاري واحمد السقاف ويوسف مشاري الحسن فقاموا بطباعته في بغداد وبيعه في المكتبات، لكن العجيري لم يحقق ارباحا من وراء هذه العملية فامتنع عن اصدار تقويمه لمدة سنتين. هنا جاء من يعاتبه وكان أحمد الجارالله الحسن الذي اقنعه بضرورة اصدار تقويمه وأنه سيساعده في طباعته في الهند عن طريق عبدالرحمن عبدالمغني الذي كان يعمل وقتذاك في مكتب آل الشايع في بمبي. غير أن الأخير نصحه بطباعته في مصر. وبالفعل تم ارسال التقويم الى بيت الكويت في القاهرة في 1951 من اجل الطبع تحت اشراف عبدالعزيز حسين وعبدالله زكريا الانصاري. لكن بعد اتمام عملية الطباعة تبين ان السلطات المصرية تحظر تصدير الورق الى الخارج الا بوجود ترخيص خاص. وبعد جهد شاق تم الحصول على الترخيص المطلوب وشحن أول تقويم من تقاويم العجيري المطبوعة في مصر وكانت تحمل في صدرها صورة المغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح. أما عن حياته الخاصة، فقد أفصح العجيري في مقابلة صحفية خاصة أنه تزوج في سن التاسعة عشرة من فتاة اختارته له زوجة أبيه، وأنه عاش قبلها قصة حب جميلة مع بنت الجيران «لطيفة» التي أرادها زوجة له لكن والده وقف حائلا بينه وبينها لأنه كان يريد تزويجه من إبنة أخ زوجته. أما زوجته التي عاشت معه 65 سنة وأنجبت له إبنته الوحيدة وأولاده الأربعة وأحبها أكثر من أي شيء فقد رحلت عن الدنيا مع ولدهما البكر محمد في حادث حريق مأساوي كاد أن يقضي على العجيري نفسه لولا لطف الله ورحمته، وذلك أثناء محاولة الرجل انقاذ زوجته من النار التي اشتعلت في غرفتهما وهم نيام في أكتوبر 2003 . قالت عنه الدكتورة سعاد محمد الصباح: «أنه عندما تضع التقارير الإخبارية التي تتناول الكويت صور البحر والأبراج ومجلس الأمة وقصر السيف وبرج الاتصالات كمعالم عن الكويت تغفل أن تضع صورة هذا الرجل النادر كمعلم من معالم الكويت تتمثل في وجهه كويت الماضي، وصوته كويت الأحرار، و حضوره طيبة أرض الكويت وبساطة أهلها وتآلف قلوبهم. وإن لم تفعل التقارير الإخبارية ذلك فإن تقارير التاريخ حتما ستضع العجيري في قائمة من صنعوا تاريخها الرائع الناصع. وعندما كان الكويتيون يختارون إما البر أو البحر... لكسب الرزق اختار د.صالح جهة ثالثة هي السماء فكأنه منذ البداية جعل علوم الفضاء تمهيدا لمعرفة علوم الأرض. وما أنبل وأجمل وأروع أن تتعامل مع السماء مع غيمها مطرها نجومها ليلها هوائها عواصفها ورعودها. فكأن العجيري الذي شكلته طينة الكويت كان للسماء أيضا دور في تشكيل قلبه، فتميز بما يميز العلماء من نقاء فطري، وطهارة نفس، وروح محبة للجميع، وزاد على ذلك جمال حديثه وفكاهة فكرته وحضور بديهته». وأخيرا فإن العجيري راودته منذ الستينات فكرة بناء مرصد فلكي في الكويت، فاشترى لهذا الغرض أرضا بمساحة ألف متر مربع في منطقة الأندلس، وجلب لها من أمريكا في السبعينات تلسكوبا ضخما وقبة بطول ثلاثة أمتار، وتم اقتراح تسمية المرصد بـ «مرصد العجيري» الذي إفتتحه سمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح في 1986.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها