النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

ذكريات سبتمبرية مع «محمد حسنين هيكل»

رابط مختصر
العدد 9306 الخميس 2 أكتوبر 2014 الموافق 8 ذو الحجة 1435

بعد أكثر من عشرين عاما، ظللت خلالها أتابع ما يكتبه وخاصة مقاله الأسبوعي، الذي كان ينشره على صفحات «الأهرام» منذ عام 1958، بعنوان «بصراحة» التقيت بالأستاذ «محمد حسنين هيكل» لأول مرة في يونية 1978 كان ذلك في غرفة ملحقة بمكتب المدعى العام الاشتراكي حين استدعى كل منا للتحقيق معه بتهمة نشر مقالات تسيء إلى سمعة مصر، وكانت القائمة تضم غيرنا من الكتاب والشعراء كل من الأساتذة «محمد سيد أحمد» و«أحمد حمروش» و«فريدة النقاش» والشاعر «أحمد فؤاد نجم». وفي انتظار استدعاء كل منا للمثول أمام المحقق، دارت بيني وبين الأستاذ «هيكل» مناقشة حول ماهية «التحقيق السياسي» التي ذكرت الصحف ان المدعي الاشتراكي سيجريه معنا، ومع اننا اتفقنا على انها بدعة جديدة ابتدعتها إدارة الرئيس «السادات» إلا أننا اختلفنا في رد الفعل الذي يتوجب علينا أن نتخذه منها، إذ كان من رأيي ألا نجيب إلا عن الاسئلة التي تتعلق بوقائع محددة تنطوي على مخالفة للقانون قد توجه إلينا، اما الأسئلة التي تتعلق بآرائنا السياسية في الأوضاع التي كانت قائمة آنذاك أو بأسباب معارضتنا لسياسة الحكم، فعلينا ان نمتنع عن الإجابة عنها لأن «الاستجواب» ينطوي في ذاته على «اتهام» والآراء السياسية لا يمكن ان تكون في ذاتها موضوعا للاتهام بحكم ان الدستور يكفل للمواطنين حرية الرأي وبالتالي فلا يجوز ان تكون موضوعا للاستجواب! ولم يبد الأستاذ «هيكل» حماسا لتلك الآراء ولعله وجد فيها خذلقة قانونية وسياسية لا تتناسب مع الحملة الإعلامية العنيفة التي كان يشنها علينا الرئيس «السادات» في خطبه وأحاديثه وموقفا يمكن ان يتخذه من كان في مثل موقفي، لكنه لا يصلح لمن كان في مثل مكانته، يدرك - كما يدرك الجميع - انه الهدف الأساسي وربما الوحيد الذي تستهدفه إجراءات الرئيس «السادات»، وان الآخرين - الذين كان يمكن اتخاذ إجراءات أخرى معهم، أكثر قسوة - قد أضيفوا إلى القائمة لمجرد التمويه على الهدف المقصود منها وهو «هيكل» الذي كان «السادات» قد ضاق ذرعا بمعارضته له، وبما يعتقد انه يبثه ضد ساساته لدى الدوائر السياسية الإقليمية والدولية وكبار الصحفيين العالميين الذين يلجأون إليه ويثقون بتقديره للأمور. ولم يستغرق هذا التحقيق السياسي مع كل المتهمين سوى جلسة أو جلستين، ثم توقف وأعلن رسميا ان نتائجه سوف تحال إلى مجلس الشعب وهو ما كان يتناقض مع الاتجاه الذي كان سائدا أثناءه لتطبيق قانون المدعى الاشتراكى وقانون حماية القيم من العيب اللذين كانا قائمين آنذاك وكانا يشملان عقوبات التحفظ على المتهمين في مكان أمين لمدة تصل إلى خمس سنوات ووضع أموالهم تحت الحراسة وحرمانهم من حقوقهم السياسية ومن العمل في مجالات الصحافة والإعلام ومن تولي المناصب القيادية في الدولة وقيل ان السبب في هذا التطور اللافت للنظر في الموضوع الذي كان يعني ان القضية وضعت في الثلاجة، ان المدعي العام الاشتراكى -وكان يحقق بنفسه مع «هيكل» -قد وجه إليه سؤالا عن بعض ما كتبه فاعتذر عن الإجابة عنه قائلا: إن ذلك قد يضطره للكشف عن بعض الأمور الحساسة التي تتعلق بالأمن القومى للبلاد، وانه على استعداد للإجابة لو ان الرئيس «السادات» اذن له بان يجيب، وفي أعقاب ذلك توقفت التحقيقات. بعد ذلك التاريخ بأكثر من ثلاث سنوات التقيت بالأستاذ «هيكل» للمرة الثانية إذ كان علينا من بين الذين شملتهم قائمة الاعتقالات الواسعة التي شنتها إدارة الرئيس «السادات» في 3 سبتمبر 1981 ضد معارضيه، وشملت 1536 منهم يمثلون رموزا لكل التيارات والاتجاهات السياسية، اتهموا جميعا بتأجيج الفتنة الطائفية وهي تهمة كانت مثار تندر العناصر المدنية والديمقراطية والعلمانية الذين شملهم الحملة، ممن يعرف الجميع مواقفهم المعلنة والتاريخية في الدفاع عن الوحدة الوطنية والذين تم تجميعهم بعد يومين من الحملة في سجن صغير هو سجن «ملحق مزرعة طرة» وفي هذا السجن الذي أمضى فيه الأستاذ «هيكل» حوالي ثلاثة أشهر أتيح لي أن التقي به كثيرا، إذا كان ككل صحفي يعشق مهنته ويتقنها يسعى لكي يتعرف على الأجيال الجديدة من المشتغلين بها وكان حريصا كذلك على ان يتعرف على آراء ومواقف شركائه في «الحبسة» حول تحليلهم لأسبابها وتوقعاتهم لما قد تسفر عنه. وكان «هيكل» في بداية أيام الاعتقال دهشا إلى حد ما ربما لأن جو السجون كان تجربة جديدة عليه، وربما لأنه لم يكن يتصور أن الخصومة بينه وبين «السادات» يمكن أن تصل بالأخير إلى حد وضعه في السجن، مع أنه كان أحد أقرب مستشاريه إليه خلال السنوات الثلاث الأولى من رئاسته ومن أن دعمه له كان أحد أهم الأسباب التي مكنته من الانتصار على منافسيه في السلطة من ورثة عبدالناصر، حين اطاح بهم في 15 مايو 1971. وفي الجولات التي كان الأستاذ «هيكل» يتكرم فيدعونى لمصاحبته أثناءها، خلال الفترة المخصصة لتريض المسجونين في فناء السجن، كان يتوقف كثيرا أمام عبارة عابرة ، وردت على لسان الرئيس «السادات» إحدى خطبه الكثيرة التي كان يلقيها في أعقاب حملة سبتمبر تبريرا للإجراءات العنيفة التي اتخذها إذ قال في معرض حديثه عن اثنين من المعتقلين هما «محمد حسنين هيكل» و«فؤاد سراج الدين» أنهما «عاشا كفاية» وهى عبارة أثارت شكوك «هيكل» في أن «السادات» ربما يرتب له ولغيره ما هو أكثر مما يبدو في الظاهر مما قد يصل إلى استهداف حياته أو كما استنتجت «اغتياله» ولا أدرى على أى أساس استند تقدير «هيكل» أن العبارة تعنى ذلك، أو أن شخصية «السادات» يمكن أن تذهب إلى هذه الدرجة من اللدد في الخصومة، ومع تقديرى بأن «هيكل» بالقطع أكثر معرفة منى بشخصية الرجل الذي يعرفه ويتعامل معه مباشرة منذ سنوات إلا أننى هونت عليه الأمر، وقلت له ان انطباعي عن شخصية «السادات» - الذي لا أعرفه بالدرجة نفسها ولم التق به في حياتى - هو أنه يكثر من التهديد ولكنه لا ينفذ تهديداته عادة، ودللت على ذلك بأنه ظل يهددنا - نحن المتهمين في قضية التحريض على انتفاضة الطعام في 18و19 يناير 1977، بأنه سيطاردنا إلى آخر العمر وأقصى الأرض ثم نسي تهديداته ونفذ أحكام القضاء التي صدرت بالإفراج عنا جميعا، على ذمة المحاكمة وأضفت أن العبارة التي أقلقته هي مجرد فلتة من فلتات اللسان التي كانت تصدر عنه بسبب إصراره على ارتجال خطبه وتسبب له مآزق عديدة قصيرة، قد تعبر عن غيظه الشديد منه، ومن «فؤاد سراج الدين» ولكنها لا تعنى بالضرورة أنه يخطط لإنهاء حياتهما التي طالت أكثر مما يقدر. وعلى العكس من رؤية «هيكل» المتشائمة لدلالة العبارة، فقد كان «فؤاد سراج الدين» أكثر ميلا لقبول وجهة نظرى في تفسيرها، ربما لانه هو الآخر لم يكن يعرف «السادات» مثلما لم أكن أعرفه، بينما كان «محمد عبدالسلام الزيات» منذ البداية وحتى قبل ان تفلت العبارة من «السادات» أو تلفت نظر «هيكل» تساوره الشكوك في ان هناك تخطيطا يجرى للقضاء على حياته، وكان - شأنه في ذلك شأن «هيكل»- أكثر معرفة به وقربا منه، إذ كان أمينا عاما لمجلس الأمة عندما عين «السادات» - وكيلا- ثم رئيسا له وظل على امتداد سنوات لصيقا به، وكان أحد أهم الذين اعتمد عليهم ليلة 15 مايو 1971 في إزاحة منافسيه عن السلطة وشركائه فيها من ورثة عبدالناصر وعينه بعدها وزيرا للإعلام ثم أمينا عاما للاتحاد الاشتراكى العربي، ثم نائبا لرئيس الوزراء قبل ان يختلفا لأسباب سياسية، فانتقل «الزيات» إلى صفوف المعارضين وتصاعدت معارضته على نحو استفز «السادات» ودفعه للقسم ذات ليلة بانه سوف يخرب بيت «الزيات» ويقفله بالضبة والمفتاح، وهى عبارة نقلها الناقلون إلى الأخير الذي قال لى - ونحن نتسامر ذات ليلة في الزنزانة التي جمعتنا مع فؤاد سراج الدين - أن السادات نفذ جانبا من وعيده حين اعتقله هو وشقيقته «د.لطيفة الزيات» ضمن حملة سبتمبر وأغلق بالفعل البيت الذي كانا يعيشان فيه بمفردهما، وانه يتوقع ان يستكمل «السادات» وعيده بان يقضى على حياته بوسيلة ما خلال فترة اعتقاله خاصة وانه كان مريضا ويعالج من آثار عدة جلطات بالقلب. ولم يكن لدى الاثنين أى شواهد أو معلومات حديثة تدل على ان «السادات» قد فعل شيئا من ذلك ضد أحد خصومه خلال السنوات التي كانا قريبين فيها منه، لكنهما كانا يعتمدان على تاريخ «السادات» الإرهابى حين شارك في محاولة اغتيال أمين عثمان عام 1946. وكنا لا نزال نتبادل همسا شائعة تسربت إلينا من خارج السجن تقول بإننا سننقل في أعقاب عيد الأضحى إلى معتقل جبل الطور في سيناء وكان من بين ما أزعجنى في الخبر ان يكون النقل إلى هذا المكان البعيد النائى فرصة لكى ينفذ «السادات» مؤامرته ضد «هيكل» وان يخرب بيت «الزيات» وان يطول شره غيرهما. وحين حلّ في 23 سبتمبر 1981 عيد الميلاد الثامن والخمسون لـ«محمد حسنين هيكل» احتفلنا به وكان من بين فقرات الاحتفال حديث صحفي أجريته عبر الهواء من خلف قضبان زنزانتى بالدور الأرضى للمعتقل وزنزانته بالدور الأول لجريدة «الزنزانة» التي كان «فؤاد سراج الدين» يتولى رئاسة مجلس إدارتها وكنت أرأس تحريرها وكان شرطه الوحيد ألا يتضمن الحديث أية أسئلة عن الرئيس «السادات». وكانت المخاوف لا تزال تنتابنى على حياة «هيكل» و«الزيات» حين فوجئنا في الصباح الباكر عن يوم 7 أكتوبر بقائد السجن وكل ضباطه يمرون على كل زنزانة ويخطروننا بأن الرئيس «السادات» قد انتقل إلى رحاب الله في اليوم السابق بعد ان اغتيل أثناء متابعته للعرض العسكري. واجتمعنا في فناء السجن نحلل الحدث وكان الوحيد الذي غاب عنا في تلك اللحظات هو «محمد حسنين هيكل» الذي اخت في زنزانته وأجهش في بكاء طويل! ] ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها