النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

تهشيم التاريخ أوالذهاب إلى الاستسلام.!

رابط مختصر
العدد 9303 الأثنين 29 سبتمبر 2014 الموافق 5 ذو الحجة 1435

العديد من الهزائم والكوارث العربية السياسية والعسكرية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، يتم إرجاعها تبريريا في الخطاب العربي الإعلامي والسياسي والثقافي، إلى التآمر الخارجي والى العدو الخارجي – تماما مثلما كانت نفس هذه الكوارث تحال في العصور السابقة إلى القدر المحتوم- ولذلك لا نواجه حقيقة تلك القضايا والعلل بما يجب من تشخيص موضوعي تمهيدا لمعالجتها بالشكل الصحيح.. مع أنه ومن الوجهة التاريخية، لا يصح ان نُحيل قضايانا الداخلية إلى فعل خارجي، بالرغم من أهمية العلاقة بين الداخل والخارج، وذلك من موقع جدلية الداخل والخارج، والتي تعني ان الداخل هو الذي يملي على الخارج كيف يؤثر فيه، ولذلك يجب أن نبحث في الداخل عن العوامل التي جعلت من الخارج قادرا على اقتحامنا وانتهاكنا والتأثير فيها بل وتوجيه سياساتنا و التدخل في شأننا الداخلي بشكل فج. إن الإشكالية إذن، تبدأ من الداخل، لكن مع إخفاق المشروع النهضوي العربي في القرن التاسع عشر، أي في مرحلة تحول النظام الرأسمالي إلى المرحلة الليبرالية ثم الاستعمار، أصبحت العلاقة مختلفة بعض الشيء بين طرفين المعادلة- الداخل والخارج، حيث أصبح الخارج قادراً على أن يسرق الداخل ويؤثر فيه وينتهكه وينتهكه، وذلك منذ دخول نابليون إلى مصر، حيث كان عليه أن يقرأ الداخل كي يكتشف أين يمتلك الداخل ويسيطر عليه، وهذا ما حدث تقريبا في اغلب الدول العربية أيام الاحتلال الاستعماري المباشر، ومع تعاظم التدفق الاستعماري ثم الامبريالي كدنا نقول إن الداخل قد أصبح مخترقا،ً بحيث أصبح الخارج هو القوة التي تمارس قبضتها الحديدية التي يعمل من خلالها على لي عنق الداخل العربي، ومع ذلك وحتى في هذه الأحوال، فإن تأثير الخارج ظل مرتهناً بالبنية الداخلية، ليس نتيجة عملقته هو فقط، وإنما نتيجة تضاءل وتهشم الداخل العربي واهتزازه وقابليته للتفكك في لحظات مدهشة في دراماتكيتها (انقسام الحالة السودانية- تفكك الحالة الليبية- الحرب الطائفية في الحالة العراقية- انهيار الدولة في الحالة اليمنية، تهشم الدولة السورية..إلخ)، حيث يمكن أن تسقط الدولة في أيام قلائل، وتسقط عاصمة في ربع ساعة بمجرد توقف الإذاعة عن البث ( كما حدث في بغداد في 2003م وفي صنعاء في 2014م!!. لقد أصبح النظام العولمي يخترق الداخل نتيجة لثورتي المعلومات والاتصالات، إذ لم يعد يستأذن الخارج الداخل، ولم يعد يبحث الداخل عن خصوصيته كي يدخل ما يريد من استراتيجيات سياسية، واقتصادية مفروضة على الداخل بالقوة وأحيانا بالحديد والنار وفي أحيانا كثيرة بالابتزاز والتهديد والمساومة، فأصبحت معظم دولنا مستباحة، وأصبحنا أمام حالة غريبة: فإما أن نعيد لداخلنا العربي لحمته نسبياً، بحيث يكون قادراً على مواجهة الخارج والصمود أمام حالة الإبادة الحضارية، وإما أن الداخل سيستباح أكثر فأكثر ليتحول مجددا إلى حالة استعمارية جديدة. ولكن وبالرغم من حالة اليأس والبؤس المهيمنتين اليوم على الفضاء السياسي والإعلامي العربي، فإن هنالك فرصة لاستعادة المشروع النهضوي العربي بمفرداته وثوابته الأساسية في مواجهة الاستعمار الجديد وفي مواجهة الطائفية المنتشرة والمدعومة من الخارج والتفتيت والتدمير الداخلي، ومن هنا تأتي شرعية استحضار المشروع العربي النهضوي بثوابته العربية، الذي لا يزعم انه سيجابه المشروع العولمي الامبريالي، ولكنه يجب أن يطمح إلى التأسيس لداخل جديد له آلياته خصوصياته التي تسمح له أن يكون على الأقل شريكاً على صعيد المعادلة الدولية وهذا أمر ممكن، نجحت في تحقيقه العديد من الدول والمجموعات السياسية في العالم، والمقصود هنا هو العمل الفكري السياسي التأسيسي بالدرجة الأولى، ويعني التعامل مع معطيات الواقع التي يحولها إلى مقولات ومفاهيم، ولذلك فإن دور النخب بات مهما، خاصة النخب المرتبطة بشعبها وبأمتها، بواقعها للسعي للتأسيس لعلاقة قوية بينها والجمهور الواسع، لأنها ستكتشف ان العامل الاجتماعي للمشروع النهضوي العربي التنويري هو هذا الجمهور العربي المتعطش للحرية والنهضة والاستقلال والكرامة دائما، فلذلك فبنية المشروع النهضوي لا تستقيم إلا بالاقتران مع ذلك الجمهور العريض الذي سيكون أداة لفعله وهدفه، لأنه ومع تعاظم الاختراقات في المجتمع العربي، والفكر العربي قد اسمهم في تؤسس لمجتمع عربي يقوم على بنيتين: - الأولى: بنية الهزيمة والاستسلام، والتي يكرها خطاب ملتبس زائف (كالذي يطرحه الإسلام السياسي، وكالذي تطرحه الطائفية، وكالذي يطرحه خطاب الاستسلام الذي يعلن صباح مساء أن كل شيء انتهى، وعلينا ان نلتحق بالولايات المتحدة لان قدرنا أصبح هكذا..). - الثانية: وهي بينية التجاوز، وتمثل حالة متوهجة لمشروع عربي جديد، ولذلك يعمل النظام السياسي والثقافي العربي على إخفائها وإظهار أن البنية المعلنة هي كل ما نمتلك، وفي هذه الحالة المرتبكة والمعقدة يكون النظام السياسي والثقافي العربي أمام سؤال كبير: ما الحل؟ وما العمل؟ والحل هو أن يعود النظام العربي السياسي والثقافي والفكري إلى أصوله الأولى، إلى الاندماج والالتحام من الشعب. ولا ننسى، هنا أن النظم السياسية العربية قد طالبت شعوبها بان تستسلم لأنها لم تعد تملك شيئاً، ومن ثم أقصى من يمكن أن يقدم، لا يخرج عن محاولة البحث عن موطئ قدم للشعوب العربية في إطار دائرة العولمة الأمريكية الجديدة، ولذلك كان الذهاب إلى مدريد استمراراً للنظام السياسي في إستراتيجيته التي تعمل على إقصاء التاريخ العربي وإقصاء اية تحولات باتجاه مشروع جديد.. ومن هنا نقدر أن نقول دون مواربة أن ما حدث في عدد ممن البلدان العربية- مؤخرا - بالرغم من الالتباسات والإشكالات والتساؤلات حوله- قد كان في احد أهم وجوهه رداً على فشل هذا النظام الذي بشر بضرورة الذهاب إلى الاستسلام أمام العدو الصهيوني- لأنه لم يعد يملك رهانات أخرى، ومن هنا نبدأ، هذه الكوة الجديدة التي بدأت تظهر عن نفسها في تاريخها الراهن، من خلال ما يشتغل عليه الكثيرون من المثقفين والمفكرين العرب بوصفه أمرا مشروع أمل وتجيد ونهوض جديد، وعلينا ان نمتلك الأدوات الفكرية والسياسية التي تتيح لنا فعلاً ان نكتشف ما حدث، وان نجعل نتائج هذا الكشف أداة فاعلة لاستعادة وعينا وكرامتنا المهدورة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها