النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11698 الأحد 18 ابريل 2021 الموافق 6 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:02PM
  • العشاء
    7:32PM

كتاب الايام

هونغ كونغ.. جائزة الصين وصداعها

رابط مختصر
العدد 9302 الاحد 28 سبتمبر 2014 الموافق 4 ذو الحجة 1435

ظن حكام بكين أن استعادتهم لهونغ كونغ في يوليو 1997 بطريقة سلمية من بعد 150 سنة من الحكم البريطاني هو انتصار لهم ونهاية لمشكلة كانت تؤرقهم وقتذاك وهي تأثر الداخل الصيني بما زرعه الانجليز في ذلك الجزء السليب من وطنهم من مفاهيم وتقاليد غربية. بل شاهدهم العالم منتشين لحصولهم على دجاجة تبيض ذهبا دون عناء سوى الصبر والترقب. وقتها اعتقدوا خطأ أن مجرد قيامهم بتغيير المناهج التعليمية كفيل بخلق جيل جديد من الهونغكونغيين المطيعين والمخلصين للوطن الأم وحزبه القائد، وبما يسمح سريعا باندماجهم وتكاملهم مع إخوتهم في البر الصيني. غير انه بعد مرور ما يقترب من العقدين إلا قليلا على ذلك الحدث لاتزال المستعمرة البريطانية السابقة وسكانها المختلفون ثقافة وأسلوب حياة عن نظرائهم واقاربهم في البر الصيني يشكلون صداعا لنظام بكين. ذلك أن الجيل الجديد من شباب المدارس والجامعات الهونغكونغية الذين كانت بكين تعول عليهم هم من يتصدون لها اليوم ويرفعون عقيرتهم ضدها. ولحسن الحظ كانت هناك قياسات مستمرة للرأي في هونغ كونغ حول هذه المسألة. فمثلا في العام الماضي كشف أحد الاستطلاعات عن أن أعداد المتمسكين بهويتهم الهونغكونغية في ازدياد. بل جاء في الاستطلاع نفسه أن معظم من استطلعت آراؤهم من فئة الشباب فضلوا الهوية الهونغكونغية قطعيا. ولعل هذا هو ما يخيف قادة بكين لأن هؤلاء لو اتيحت لهم فرصة الاختيار الحر وتقرير المصير فإنهم سيقررون بلا تردد الانسلاخ عن السيادة الصينية أو على الأقل الاتيان بشخصية معارضة لبكين لتولي شؤون إقليمهم. والحقيقة أن هذا الموضوع يخيف قادة بكين أكثر من تحركات بعض الجماعات والأحزاب في تايوان لإعلان الأخيرة كيانا مستقلا طبقا لما كتبته مجلة الايكونومست البريطانية تحت عنوان «الصراع من أجل هونغ كونغ». والمتابع لأحداث هونغ كونغ وتطوارات الأمور فيها منذ عودتها إلى الحضن الصيني لا بد وأنه لاحظ وجود تذمر بين سكانها يطفو على السطح من وقت إلى آخر في صور تتراوح ما بين كتابة المقالات الصحفية اللاذعة، وإذاعة الأغاني الوطنية التي لا يحب قادة بكين سماعها، والتعاطف مع سجناء الرأي في البر الصيني، واشعال الشموع على أرواح من قتلهم جيش الشعب الأحمر، وصولا إلى التظاهرات الشارعية العارمة والاعتصامات والاشتباك مع رجال الأمن. وقد سجل أكبر تظاهرة في تاريخ هذه المستعمرة البريطانية السابقة في عام 2003 حينما اكتظت شوارعها بأكثر من نصف مليون متظاهر خرج للتنديد والاحتجاج ضد قوانين أمنية جديدة صارمة أرادت بكين فرضها عليهم. وفي شهر سبتمبر الجاري صارت هونغ كونغ مجددا مسرحا لاحتجاجات عاصفة وذلك حينما نظم آلاف المحتجين مسيرة صامتة للمطالبة بالديمقراطية، لوحوا خلالها بعلم الجزيرة زمن الحكم البريطاني مع رفعهم ليافطات تندد ببكين وتتهمها بخيانة ما اتفقت عليه مع لندن، وذلك في إشارة إلى البند الخاص بعدم المساس بالوضع الخاص للجزيرة ولا سيما فيما يتعلق بمؤسساتها الدستورية الديمقراطية. والحقيقة أن هؤلاء المتظاهرين وأمثالهم مستاؤون من عدم التزام بكين بوعودها المتكررة للشعب الهونغكونغي البالغ تعداده 7.2 مليون نسمة لجهة السماح لهم باختيار حاكمهم بطريقة حرة مباشرة بدلا من تعيينه من قبل الحزب الشيوعي الحاكم في بكين. صحيح أن بكين تقول في كل مرة انها ستتيح لأبناء هونغ كونغ اختيار حاكمهم الذي يعرف أيضا بـ «رئيس الجهاز التنفيذي»، لكن ما أن يحل موعد هذا الاستحقاق إلا وتتنصل من وعدها وتقول «عليكم الانتظار حتى المرة القادمة». وهذا تحديدا ما جرى في أغسطس الماضي حينما أعلنت السلطات الصينية أنها ستسمح لأبناء هونغ كونغ باختيار حاكمهم بحُرية، لكن هذا لن يحدث حينما يحين موعد اختيار بديل للحاكم الحالي «كونغ ليونغ تشــون ينغ» في عام 2017. والجدير بالذكر في هذا السياق أن جميع الشخصيات الأربع التي تولت حكم هونغ كونغ منذ عودتها إلى أحضان الصين لم تحظ بأي شعبية أو تأييد داخل الإقليم واتهمت بأنها مجرد دمى تحركها بكين وتنفذ ما تريده دون اعتراض أو حتى استفسار. ولعل أقلهم شعبية هو الحاكم الحالي لأن عهده شهد ما لم يعهده الهونغكونغيون من ملاحقات وتهديدات لوسائل الإعلام ورقابة على المراسلات الخاصة وغير ذلك مما يندرج تحت سياسة اسكات أصوات المعارضة. واذا كانت تظاهرات السنوات الماضية، تميزت بمشاركة مئات الآلاف فيها، فإن تظاهرة سبتمبر تميزت بشيء غير مسبوق ذي مؤشر خطير هو ارتداء المتظاهرين لملابس سوداء موحدة ولف جباههم بشارات ذهبية فبدوا أقرب إلى جيش ميليشاوي مستعد للقتال. أما الأمر الآخر الذي تميزت به تظاهرة سبتمبر هو تحريض المتظاهرين للسكان على العصيان المدني والانقطاع عن العمل واحتلال وسط هونغ كونغ المالي والتجاري، بل وحث الطلبة على مقاطعة صفوفهم. على أنه في مقابل هذه الفئة الكبيرة من المعارضين للنظام القائم في البر الصيني هناك فئة أصغر عددا توالي الأخير وتدافع عنه وتصف معارضيه بالخونة العاملين لحساب أعداء الصين، بل تدافع بقوة عن الوضع الحالي لهونغ كونغ أي تمتعها بنظام إداري خاص ضمن الصين الواحدة. ومما لا شك فيه ان هونغ كونغ بهكذا وضعية تنضم إلى دول كثيرة باتت تشهد انقساما بين طائفتين من شعبها، لكل منهما وجهة نظر لا تحيد ولا تتنازل عنها حتى لو كان الثمن زوال الامن والاستقرار وخراب ودمار الاقتصاد. ولعل من اقرب الأمثلة الآسيوية في هذا السياق ما حدث في تايلند من صراع واحتراب ما بين ذوي القمصان الحمراء وذوي القمصان الصفراء. لكن ما يحسب لشعب هونغ كونغ أنه حتى الآن يضبط نفسه ويحول بينها وبين الاحتكام إلى العنف. ولئن أرجع البعض هذه الخاصية إلى ما زرعه الانجليز في نفوس أبناء الجزيرة من خصال التمسك بالنظام ونبذ العنف والاحتكام الى القانون، فإن البعض الآخر يرجعه إلى خوف الهونغكونغيين من عصا بكين الغليظة إذا ما تمادوا في معارضتهم ومطالبهم، خصوصا وأنهم تابعوا عبر البث التلفزيوني الحي ما حدث لدعاة الديمقراطية في ساحة «تيان إن مين» في عام 1989 من سحق بالدبابات المجنزرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها